التعداد السكاني .. حين تعرف الدولة من تخطط له

التعداد السكاني ..  حين تعرف الدولة من تخطط له

01-10-2026 02:56 AM

الدولة التي لا تعرف سكانها كما هم، لا كما تتصورهم، تخطط في مساحة من الظن. ومن هنا، فإن التعداد العام للسكان والمساكن، الذي يبدأ الأردن تنفيذه ويستمر حتى نهاية تشرين الأول، ليس مجرد عملية لجمع الأرقام، بل فرصة لإعادة رسم صورة المجتمع الأردني على أساس الواقع.
سبعة تعدادات مر بها الأردن منذ بداية تجربته الإحصائية، وبين تعداد وآخر لا يتغير عدد السكان فقط؛ تتغير المدن، وتتوسع التجمعات، وتتبدل احتياجات الناس وأنماط حياتهم. لذلك، فالسؤال الأهم ليس: كم أصبح عدد سكان الأردن؟ بل: من هم هؤلاء السكان، وكيف يعيشون، وأين تتركز احتياجاتهم؟
حين تقرر الدولة بناء مدرسة أو مستشفى أو طريق، أو توزيع خدمة أو تحديد أولوية تنموية، فإنها تحتاج إلى معرفة دقيقة بالواقع. وهنا تتحول بيانات التعداد من جداول وأرقام إلى أساس للسياسات العامة.
فالفرق كبير بين دولة تمتلك بيانات، ودولة تستخدم بياناتها في اتخاذ القرار.
وهذا هو الامتحان الحقيقي لتعداد 2026. إذا كشفت النتائج حاجة منطقة إلى مدارس أو خدمات صحية أو بنية تحتية أكبر، فيفترض أن تجد هذه الحاجة طريقها إلى التخطيط والإنفاق. وإذا أظهرت تغيرًا في الواقع السكاني أو الاجتماعي أو الاقتصادي، فينبغي أن يظهر أثر ذلك في السياسات.
فالرقم الذي يوضع في جدول ثم يحفظ في تقرير لا يغير حياة أحد، أما الرقم الذي يصبح أساسًا للقرار فيستطيع أن يفعل ذلك.
والتعداد الجديد يأتي بعد تطور طويل في العمل الإحصائي الأردني، وصولًا إلى التعداد الإلكتروني، وإعادة هيكلة دائرة الإحصاءات، وإطلاق استراتيجية وطنية تربط البيانات بصنع القرار والرقمنة والشفافية والاستعداد للمستقبل.
لكن التقنية وحدها لا تصنع تعدادًا ناجحًا. هناك طرف أساسي في المعادلة هو المواطن.
والمفارقة أن انطلاق التعداد ترافق مع انتشار معلومات غير صحيحة عن تعطيل المؤسسات والمدارس والجامعات، ما استدعى نفيًا رسميًا. وهي واقعة صغيرة في ظاهرها، لكنها تذكرنا بأن مشروعًا يقوم على دقة المعلومة يحتاج قبل كل شيء إلى الثقة.
الدولة تريد من المواطن معلومات صحيحة، والمواطن من حقه أن يعرف لماذا تُجمع هذه المعلومات، وأن يرى لاحقًا أثرها في الخدمات والقرارات.
ومن هنا، فإن اختبار تعداد 2026 لن ينتهي بانتهاء جمع البيانات في 31 تشرين الأول، بل سيبدأ بعدها.
عندما تظهر النتائج، سيكون المطلوب ألا نتعامل معها كخبر ليوم واحد أو إنجاز إداري، بل كمرآة نقرأ فيها الأردن كما هو.
فالتعداد الجيد يخبر الدولة بعدد سكانها، أما الدولة التي تحسن قراءة التعداد فتعرف لمن تخطط، وأين تبدأ، ولماذا.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد