اكتشاف القراءة… مع شاعرة تكتب مثلما تلعب

اكتشاف القراءة… مع شاعرة تكتب مثلما تلعب

16-05-2026 02:21 AM

في معرض تونس الدولي للكتاب، صادفت جناح «الكتب خان»، وقابلت كرم يوسف، هي ناشرة مولعة بالكتب مثل محمد صلاح المولع بتسجيل الأهداف. اقتنيت منها كتابا وأنا لا أعلم فحواه. يكفي أنني قرأت اسم المترجمة على الغلاف، وهي شاعرة بالمناسبة وأحب أن أقرأ لها. اقتنيت إذن الكتاب الذي لا أعرفه فحواه ومضيت. لكن كرم يوسف لها من اسمها نصيب. أكرمتني بحفنة كتب أخرى وأصرت أن أطالعها. إنها تدافع عن كتاب الدار مثل جندي يدافع عن الحدود.
أحب الناشرين الذين يمارسون عملهم بشغف. والكتب هدية لا يمكن أن ترد، لا يردها إلا شخص بخيل، فالبخل هو الامتناع عن القراءة. عندما عدت إلى البيت، فتحت الحقيبة. لم أحمل معي تذكارا ولا أشياء سياحية من تونس، لديّ حساسية من كلمة سياحة. عندما فتحت الحقيبة طارت الكتب أمامي. نعم إن الكتب تطير، وإن لم تصدقوا قولي فإن العيب في مخيلتكم. طفا كتاب واحد أمام نظري، وتهجيت اسم المؤلفة. يتكرر في اسمها السين والواو. إنها بولندية ويتعسر عليّ حفظ أسماء البولنديين. ذات مرة، قضيت شهرا في حفظ اسم ليفاندوفسكي. أظن أن البولنديين يخلطون بين أسماء العرب بدورهم. لا يهم! بحثت عن اسم المؤلفة بالكامل في غوغل: ماريا فيسوافا آنا شيمبورسكا. إنه اسم يتعذر حفظه بسهولة. تعودت أن أحفظ عناوين الكتب ومتنها، وأهمل اسم الكاتب. يحصل أن أروي تفاصيل كتاب بالكامل على مستمع، من الصفحة الأولى إلى الصفحة الأخيرة، وإن سألني عن اسم المؤلف، فأمره لله.
تغاضيت عن الاسم الطويل لهذه المؤلفة، واكتفيت بالاسم المكتوب على غلاف الكتاب: فيسوافا شيمبورسكا. يقولون إنها حازت نوبل للأدب وأنها شهيرة! أنا لا أتابع أخبار نوبل، وكلما زاد الكاتب شهرة، تضاءلت الفرص بأن أقرأ له. لكنني مصر على مطالعة هذا الكتاب لأن اسم المترجمة يبعث على الطمأنينة. ما يزال اسم المؤلفة يثير فضولي، سأكتفي بمناداتها: فيسوافا. قرأت أنها ولدت جنب بوزنان. وهذه مدينة أجمل من الجمال كما سمعت عنها. لم يتسن لي زيارتها، فأنا لا أعرف من بولندا عدا وارسو. يعجبني مطارها. عفوا، لا أقصد المطار بل اسم المطار. اسمه مطار شوبان. نسبة إلى العازف الشهير الذي عاش في القرن التاسع عشر. تذكرت بلدي الجزائر. لماذا لا يوجد مطار يحمل اسم عازف؟ اسم فنان؟ اسم أي شيء آخر عدا رجال السياسة.

لا يهم هذا الأمر، لأنني تذكرت شيئا آخر عندما زرت وارسو أول مرة. ركبت سيارة تاكسي من المطار إلى الفندق في وسط المدينة. عند الوصول طلب مني السائق مبلغا وقمت بعملية حسابية في رأسي، في تحويل المطلوب من زلوتي (العملة المحلية) إلى يورو. دفعت له المقابل باليورو. في ساعة لاحقة علمت أن اليورو قد انخفض وأنني دفعت له أكبر من التكلفة. دفعت له زيادة تكفي بأن أتناول سندويتش كباب. لا أحب الكباب لكنني أجده دائما في طريقي. لماذا أتلو عليكم هذه الحكايات؟ لا بد أنها قصص مملة، لا بد أنكم تعودتم على مقالات جادة وصارمة في هذه المساحة. لا يهم! نعود إلى صلب الموضوع. قرأت أن فيسوافا شاعرة (هذا تقصير مني أنني لم أطالع قصائدها)، وأن أول قصيدة نشرتها في حياتها، كانت بعنوان: «أبحث عن كلمات». وأنا بدوري أبحث عن كلمات في الكتابة عن عملها: «قراءة غير مُلزمة» (الكتب خان، 2025)، من ترجمة إيمان مرسال. تتكلم فيسوافا عن كل شيء في هذا الكتاب، ولا نعلم من أين نبدأ ومن أين ننتهي. يمكن أن نشرع في مطالعة الكتاب من صفحته الأولى أو الأخيرة، أو من الوسط من غير حرج.

وهذا أمر لا يحصل إلا نادرا في الكتب، لأن غاية المؤلفة هي القراءة، أن يعيد الإنسان اكتشاف فعل القراءة، من غير أن يلزم نفسه بنظام أو برنامج. تتحدث في كتابها عن كتب لا يطالعها أحد، عن الساحرات، عن الأرض والفضاء، عن البيئة والحيوانات، عن الشعراء والألبسة، تهجو وتمتدح في آن. إنها نصوص قصيرة أشبه بتدوينات، البعض منها نشرتها فيسوافا عندما كانت محررة في ملحق يختص في الشعر. وأنا كذلك حلمت أن أؤسس ملحقا في جريدة يختص بالشعر فحسب. لكنني أحب شعر العامية في الجزائر، ويثقل على قلبي الشعر الفصيح. أبتغي شعراء العامية بينما الشعر الفصيح أشعر بأنه مستورد مثلما نستورد قطع الغيار، لذلك لم يتحقق مطلبي، لأن شعر العامية غير معترف به. بينما فيسوافا كتبت وفعلت ما تشاء، لأن بولندا ليست الجزائر، ولأن الجزائر سوف تصير مثل بولندا عندما تطلق اسم فنان على واحد من مطاراتها. ما زلت لا أعرف كيف أدون مراجعة عن هذا الكتاب، إن كتبت مقالا كلاسيكيا كما جرت عليه العادة في الحديث عن الكتب، سيكون انقلابا على المؤلفة وخيانة لروحها في الكتابة.

لقد كتبت «قراءة غير مُلزمة»، وأحسنت اختيار العنوان، لذلك لست ملزما بكتابة مقال عادي عنه. إنها لا تلزم أحدا بقراءة الكتاب، لكن منذ الصفحات الأولى تشعر بلزوم متابعة القراءة حتى النهاية. أواصل إذن القراءة ببطء، مثل ذلك الحيوان الكسلان، الذي نراه في أشرطة «ناشيونال جيوغرافيك»، الذي من شدة الكسل تنمو طحالب عليه. علمت أن الكسل هو تكتيك يجنبه الحيوانات المفترسة، والكسل في قراءة هذا الكتاب تكتيك كذلك كي تطول المتعة. أتعامل مع كتاب فيسوافا مثل ذئب. قد يقول أحدهم أن الذئب حيوان غير أليف ومخادع، وإلى غير ذلك من كلام المدارس. لكن الذئب حيوان وفيّ، يدافع عن بني جلدته ولا يتخلى عن شيء في حوزته. أنا كذلك ذئب لا أظنني سأتخلى عن كتاب «قراءة غير ملزمة». إنه كتاب نحتفظ به ولا يُهدى، يتراوح بين سخرية ولغة أدبية عالية، تكتب فيه فيسوافا نصوصها وكأنها تلعب، وكأنها في مزاج يصلح للرقص لا الكتابة. أنا أيضا أخفي نصوصا قصيرة في جوف اللابتوب، وخشيت أن أنشرها. لقد تعود الناس أن أكتب لهم عن الحروب والمآسي، وإن نشرت شيئا مثل فيسوافا أحتمل أن ينقلبوا علي. لكن لا بأس سوف أجرب. لكنني لا أملك رقم الناشرة كرم يوسف، ولا عنوانها الإلكتروني، التقيت بها من غير أن أدون معلوماتها. أي قارئ يعرفها أتمنى أن يوصلني إليها. سأطلب منها أن تنشر كتابي بعنوان: «قراءة ملزمة». لأول مرة أختلف مع فيسوافا، فأنا على العكس منها أطارد الناس لألزمهم بالقراءة، أفعل ذلك ما دام القانون لا يُعاقبني.
كاتب جزائري



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد