التفاوض اللبناني الإسرائيلي المباشر و«الوضعية الإملائية»

التفاوض اللبناني الإسرائيلي المباشر و«الوضعية الإملائية»

16-05-2026 02:15 AM

تأتي الجولة الثالثة للتفاوض اللبناني الإسرائيلي المباشر في ظل واقع انقسامي متقدم في الداخل اللبناني، واستمرار التمدد الإسرائيلي جنوبا، تجاوزا لنهر الليطاني.
على عكس الجلستين الأوليين اللتين اقتصرتا على السفراء المعتمدين في واشنطن، تشهد هذه الجولة مشاركة مسؤولين أمنيين وعسكريين رفيعي المستوى لأول مرة من كلا الطرفين، مثل رئيس القسم الاستراتيجي في الجيش الإسرائيلي، وتستهدف التوصل إلى مسودة اتفاق إطار قبل أيام قليلة جداً من انتهاء صلاحية الهدنة المؤقتة التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. يسعى الإسرائيليون لتكريس منطق المنطقة العازلة، المدمرة والخالية من السكان، ويرفضون مناقشة أي خطة للانسحاب البري قبل نزع سلاح «حزب الله» بالكامل. يمني الجانب اللبناني النفس بانتزاع وقف إطلاق نار في مقابل التوقيع على إعلان نوايا مشترك. لكن الإسرائيليين ليسوا أساسا بصدق التعرف على أي فهم لاتفاق النار إلا كحرب من جانب واحد على نحو ما كان حاصلا لخمسة عشر شهرا من بعد حرب خريف 2024. انعدام التوازن في هذه العملية التفاوضية من شأنه أن يطرح السؤال حول ما إذا كانت تتضمن «تفاوضا» بالفعل. حول ما إذا كان «التفاوض المباشر» يأكل من رصيد فكرة التفاوض نفسها.
يعمق هذا النوع من التفاوض الانقسام السياسي والمجتمعي في لبنان. يتحرك هذا الانقسام في عدم ظهور نجاعة لا منطق المواجهة العسكرية ولا المساعي الديبلوماسية. فالمواجهة العسكرية كما يفهمها «حزب الله» تكشفت مشكلتها بشكل أكبر بعيد الهدنة الأمريكية الإيرانية. مواجهة محكومة بمسار التفاوض الإيراني الأمريكي وبالتنديد بالتفاوض اللبناني الرسمي مع إسرائيل. مواجهة ما عاد من «السوي» أن لا يكون ما عندها لتقوله عن اتساع حجم التدمير والاحتلال جنوبا غير مقولات من مثل «عدم التشبث بالجغرافيا». أما المسعى الديبلوماسي فيأتي في ظل إصرار إسرائيلي على أن يكون مدخل المناقشة الجدية واحدا وحيدا: كيف يتعاون الجانبان، الإسرائيلي واللبناني الرسمي على حزب الله. وهذا ما يحاول الجانب اللبناني عدم تظهيره والإيحاء بأن التفاوض لأجل تأمين الانسحاب الإسرائيلي، في مقابل إسرائيل الصريحة في المجاهرة بأنها لا تزال تتمدد في لبنان، ومن المبكر جدا مطالبتها بالتراجع الترابي.
لبنان الرسمي واقع في مأزق اقليمي. من جهة، الدول العربية «المعتدلة» تأخذ عليه بأنه تأخر كثيرا لحل مشكلة تمدد سلاح «حزب الله» وأنه لم يفعل ما كان ينبغي القيام به لأجل تفكيك ترسانة الحزب بعد حرب خريف 2004. من جهة ثانية، الدول نفسها التي تتبنى هذا المنظار تبدو متحفظة تجاه السلام المنفرد بين إسرائيل ولبنان، ومتخوفة على لبنان من مغبة التفاوض المباشر. أما لبنانيا، فقد مضت الى تهافتها جملة أساطير. منها أن لبنان «آخر من يوقع» سلاما مع إسرائيل. لبنان منقسم بضراوة حول هذه الموضوع، لكنه اليوم هو من بادر باتجاه عرض التفاوض المباشر على إسرائيل، قبل أن يظهر تردده حالما قبلت إسرائيل الطلب، فحاول أن يتخفف من الضغط الأمريكي لجعل اللقاء بين الجانبين على مستوى رئاسي.
ليس أدل على حجم المشكلة اليوم سوى المقارنة بين ما يرمز رئيس الوفد اللبناني سيمون كرم وبين ما يرمز إليه رئيس الوفد الإسرائيلي سفير الدولة العبرية في واشنطن يحيئيل لايتر. الأول يسعى للانطلاق من القانونين الدولي والدستوري، الثاني هو رمز للتيار الأكثر تطرفا في إسرائيل، هو الآتي من بيئة مستوطني الضفة، وصاحب كتاب دعا فيه عام 1993 الى مقاومة السلام، والإطاحة باسحق رابين. وجود شخصية بميراث لايتر العقائدي على رأس الوفد يقلص فرص الحلول الدبلوماسية المرنة ويعزز فرضية الشروط الإملائية.
يحدث كل هذا في ظل الانقطاع بين المفاوض اللبناني وبين الجماعة اللبنانية التي تخوض المواجهة العسكرية، وفي ظل تخفف كل طرف من عمق هذا الانقسام. ليس من السهل على المجتمعات أن تعترف بالواقع، خصوصاً حين يكون هذا الواقع متصلاً بالبنى العميقة للهويات والمخاوف والاصطفافات التاريخية. ففي لبنان، تبدو إحدى أكثر صور الإنكار السياسي حضوراً اليوم في التعامل مع العلاقة بين البيئة الشيعية والثنائي الشيعي، كما في التعامل مع عمق الانقسام الإسلامي ـ المسيحي الذي لا يزال يحكم الحياة السياسية رغم كل محاولات التخفيف من وطأته لغوياً ورمزياً.
صحيح أنّ هناك تململاً متزايداً داخل البيئات الشيعية من حزب الله، ومن الحرب الحالية تحديداً، لكن هذا التململ لا يزال يُصرَّف، إلى حدّ بعيد، من داخل «ميكانيزم الثنائي» نفسه، لا من خارجه. أي أنّ الاعتراض لم يتحول بعد إلى قطيعة سياسية أو اجتماعية مع الثنائية الشيعية، بل يجري احتواؤه ضمنها. والمفارقة الدالة هنا أنّ كثيراً من مظاهر الحنق الشعبي على حزب الله تُترجم عملياً بمزيد من التعاطف مع نبيه بري، رغم أنّ الأخير ليس في وارد الدخول في مواجهة جدية مع الحزب أو الانفصال عنه استراتيجياً.
من هنا، يبدو من الصعب التعامل مع الواقع كما لو أنّ غالبية الشيعة أصبحت ضد حزب الله. هذا ببساطة ليس صحيحاً حتى الآن، مهما كانت درجة التعب أو الاعتراض أو الضيق داخل البيئة الشيعية نفسها. ولعلّ الإصرار على تجاهل هذه الحقيقة لا يقلّ خطورة عن تجاهل حقائق أخرى رافقت تاريخ لبنان الحديث.
فلا يزال جزء واسع من المسيحيين، مثلاً، يتعامل مع حرب 1975 كما لو أنّها كانت حرباً مع الفلسطينيين واليسار قبل أن تكون حرباً مع غالبية المسلمين. وفي المقابل، لا يزال قسم كبير من اليسار اللبناني يكابر على أنّ حربه يومها، رغم الحضور المسيحي الوازن داخله آنذاك، كانت عملياً مواجهة مع غالبية المسيحيين في البلد، لا مجرد صراع سياسي عابر للطوائف. في الحالتين، هناك ميل دائم إلى إعادة تأويل الواقع بما يجعله أقل قسوة على الوعي الجماعي.
ربما لهذا السبب تبدو الحاجة إلى شيء من «الأكاذيب النبيلة»، بالمعنى الأفلاطوني، مفهومة أحياناً في السياسة. فالمجتمعات لا تعيش على الوقائع العارية وحدها. لكنها، في المقابل، لا تستطيع أيضاً أن تبني استقراراً طويل الأمد على الإنكار المستمر للوقائع البنيوية. ويتصل بهذا موضوع إسرائيل. يختلف اللبنانيون بشأنها. ليس فقط من زاوية كلفة محاربتها، بل من زاوية الانقسام حول الجدوى في استمرار هذه المواجهة معها. لأجل هذا، الشيء الأوضح في السياق الحالي للتفاوض أنه كفيل بتنمية الانقسام اللبناني أكثر فأكثر.

٭ كاتب لبناني



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد