حرب ترامب الصامتة: حصار كوبا والتوحش الإمبريالي
15-05-2026 01:21 AM
لا طائل من وراء الإعلان، كما تفعل بيانات الأمم المتحدة مثلاً، بأنّ الحصار النفطي الخانق الذي تفرضه الولايات المتحدة على جزيرة كوبا «غير قانوني»، وأنه أيضاً أعاق «حقّ الشعب الكوبي في التنمية»، و»قوّض حقوقه في الغذاء والتعليم والصحة والمياه والصرف الصحي». فليس من عادة المنظمة الدولية أن تذهب باللغة الدبلوماسية، عالية الخفر والاحتشام، إلى عمق المشكلات الصغرى أو الكبرى على حدّ سواء؛ خاصة وأنّ الحصار الراهن على مستوى الطاقة ليس سوى إضافة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على حصار طويل مديد متعدد المستويات، عمره 64 سنة.
إجراءات الحصار الأحدث عهداً تندرج، عملياً ومنهجياً وتاريخياً، في إطار سياسة أمريكية إمبريالية تشمل معظم دول أمريكا اللاتينية، أو ما يعتبره البيت الأبيض «باحة خلفية» للولايات المتحدة عموماً؛ لكنها، بصفة خاصة، تُفرد جزيرة كوبا لأسباب جيو ـ سياسية وإيديولوجية متداخلة، سبق أن تراوحت شراستها بين رئيس وآخر. وقد يكون الأشهر في هذا الملفّ أزمة الصواريخ، حين لوّح الرئيس الأمريكي الأسبق جون كنيدي بأنّ أصابعه باتت قاب قوسين أو أدنى من أزرار الحرب النووية مع موسكو؛ أو الرئيس الأسبق باراك أوباما، الذي شاء للعلاقات الأمريكية ـ الكوبية أن تشهد بعض التهدئة.
فوارق الطبعة الترامبية من الحصار الأمريكي للجزيرة لا تقتصر على التشديد، في ميدان حيوي حاسم مثل الطاقة يضع 11 مليون مواطن كوبي في حال من النفاد التامّ للوقود والديزل، وبالتالي انقطاع الكهرباء، كما أعلن وزير الطاقة والمناجم الكوبي قبل أيام؛ بل تتقصد مستويات من التوحش الأقصى والخنق المنهجي، سعياً وراء مأثرة شخصية إجرامية وهمجية لم يتردد ترامب في تشخيصها علانية: «سوف يكون لي شرف الاستيلاء على كوبا»! ذلك لأنّ تركيع فنزويلا، بعد اختطاف زعيمها المزعوم نكولاس مادورو، لم يشفِ غليل ترامب كما يلوح؛ بل الأرجح أنه زاد لعابه سيلاناً باتجاه خطوة تالية أشدّ عربدة، صوب كوبا.
وإلى جانب النرجسية الفردية لدى أكثر رؤساء الولايات المتحدة عُصاباً وهوساً واختلال بصيرة وتقلّب رأي، هنالك موقع كوبا ضمن «ستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة»، الأعرض والأشمل التي أعلنها البيت الأبيض أواخر العام المنصرم، ضمن صيغة نصف الكرة الغربي الذي يضمّ في نظره دول أمريكا اللاتينية + الولايات المتحدة؛ أو هذه الأخيرة بوصفها الدولة/ المحور الرئيس، والباقي مجرد كواكب أو كويكبات تدور في فلك واشنطن. فإذا أُضيفت إلى الوثيقة الجديدة بصمات إدارة ترامب، وشخصه بدرجات عالية، فإنّ الستراتيجية الجديدة تعيد تطوير «عقيدة مونرو» الأقدم التي تعود إلى الرئيس الأمريكي الخامس جيمس مونرو، سنة 1823.
وباستثناء ناقلة نفط ترفع العلم الروسي تغاضى ترامب عنها، لأسباب لا تخفى، وشحنة مساعدات إنسانية أرسلتها رئيسة وزراء المكسيك، ومبادرة يابانية لتزويد كوبا بألواح توليد الطاقة الشمسية؛ فإنّ أية دولة لم تتجاسر على خرق الحصار النفطي الذي فرضته واشنطن، تحت طائلة التهديد برسوم جمركية وعقوبات مختلفة. هذا، في جانب آخر من التوحش الإمبريالي، تجنيد قسري مباشر للعالم بأسره في حرب ترامب الصامتة ضدّ الجزيرة، والتي قد لا تراوح عند حدودها الراهنة إلا لأنّ ترامب غارق في حربه العالقة ضدّ إيران؛ ومنشغل بمعاركه الداخلية أمام جمهور أخذ ينفضّ عنه تباعاً، ابتداء من محطات الوقود ومروراً بانتخابات تجديد الكونغرس وليس انتهاء بأسعار الغاز والأسمدة.
وقد يبدو لافتاً، ولكن ليس مفاجئاً تماماً، أنّ ترامب لم يقرن الحصار وتشديد العقوبات، وآخرها فُرض مطلع هذا الشهر، بحكاية «تغيير النظام»، كما سارت عليه ذرائع سالفة، في فنزويلا وإيران مثلاً؛ بل اكتفى بنبوءة سقوط النظام من تلقاء ذاته، أو تحت ضغوط شارع محروم من الوقود والإنارة. وليس هذا الرهان بالجديد، فهو عتيق متكرر، كما أنه لا يصدر عن تفكير رغبوي مجرد، بل ثمة معطيات تشجع عليه حتى إذا كانت خطط البيت الأبيض لا تنطلق من تلبية مطامح الشعوب إلى التحرر والتغيير الجوهري. الأصل أنّ كوبا تخضع لنظام الحكم ذاته منذ سنة 1959، حين أطاح فيديل كاسترو بدكتاتورية باتيستا وطغمة العسكر التابعة للولايات المتحدة؛ والحال لم تتبدل كثيراً بعد تنحي كاسترو سنة 2008، أو اعتزال خَلّفه وأخيه غير الشقيق راؤول كاسترو سنة 2018، أو العهد الراهن للرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل.
ثمة بالتالي مشكلة كبرى تاريخية وبنيوية تقع على عاتق الشعب الكوبي واجبات مجابهتها، إزاء حزب حاكم يعتبره الدستور «القوّة السياسية الأولى الرائدة للمجتمع والدولة»؛ على غرار أنظمة أخرى بغيضة استبدادية أو فردية شاعت في العديد من بلدان العالم الثالث، خلال عقود الحرب الباردة وصراع المعسكرين الغربي والشرقي. ولا تجادل هذه السطور في أنّ النظام الحاكم اليوم في كوبا بعيد عن الديمقراطية لأنه، بادئ ذي بدء، يقوم على دكتاتورية الحزب الواحد وسلطة التضييق على الحريات العامة والمدنية، ولا فصل بين السلطات الثلاث أياً كانت صلاحياتها الفعلية بمعزل عن هيمنة الحزب والأجهزة الأمنية. هذا عدا عن حقيقة مفصلية، تتمثل في أنّ غياب كاسترو عن المشهد العام الداخلي، وقبله رحيل إرنستو شي غيفارا عن كوبا، أفقر البلد الكثير من عناصر الكاريزما الثورية الشخصية التي كانت تسدّ فراغ الحريات السياسية، وتُلهي الجموع بعيداً عن الاحتجاج العريض في كثير أو قليل.
غير أنّ الجانب الآخر من جدل المعادلات الكوبية لا ينفصل، البتة في الواقع، عن حقيقة أخرى مفصلية، أبعد تأثيراً وأعمق فاعلية، مفادها أنّ الحصار الأمريكي على البلد هو السبب الأوّل والأكبر خلف الشقاء الكوبي، وهذه خلاصة راسخة لم تعد تحتمل أي تشكيك. ولعلّ الدليل الأوضح عليها كان تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة، بأغلبية 184 صوتاً، على قرار يطالب بإنهاء الحصار الأمريكي؛ ليس محبة بالنظام الحاكم في هافانا، بل انحناء أمام ضرورات منح الشعب الكوبي فرصة مواجهة مشكلات بنيوية معقدة أو مستعصية، في ميادين الاقتصاد الصحة والتعليم والبنى التحتية والحاجات التنموية.
وهذه وسواها من اعتبارات لا تنتقص من سلسلة البرامج التي وضعتها الثورة الكوبية في ميادين محو الأمية والإصلاح الزراعي وصناعة السكر والثورة الثقافية، وأثمرت نتائج ملموسة وبمعدّلات لم يكن ينتظرها أعتى خبراء البيت الأبيض وأجهزة الاستخبارات الأمريكية. والأرقام ظلت تقول إنّ حجم المبادلات الكوبية مع أوروبا الغربية يبرهن على حيوية مدهشة ومرونة متقدمة، خصوصاً إذا ما قيس بما آلت إليه الاقتصادات الأخرى للدول الاشتراكية سابقاً؛ حيث جرى فرض اقتصاد السوق قسراً، بوحي العقيدة المسبقة وليس استناداً إلى أيّ منطق اقتصادي سليم.
وحين تقاعد كاسترو، كان سجلّه الشخصي يحمل نصف قرن كامل في قيادة الثورة الكوبية، وعقود من مساندة حركات التحرّر في أمريكا اللاتينية، ومواجهات محفوفة بالمخاطر مع ثمانية رؤساء أمريكيين (أيزنهاور، كنيدي، جونسون، نكسون، كارتر، بوش الأب، كلنتون، وبوش الابن)؛ فضلاً عن موقعة ملحمية مبكرة ألحقت هزيمة نكراء بالولايات المتحدة في خليج الخنازير. وإذْ يُنتظر الأقبح والأبشع والأشدّ توحشاً من رئيس إمبريالي مثل ترامب، فإنه في المقابل لا يُنتظر الكثير من نظام حزب واحد مستبدّ؛ وبالتالي فإنّ الشقاء والحصار والتجويع وانحباس الطاقة وظلمة البيوت والشوارع، هي قدر الشعب الكوبي… حتى ساعة خلاص وطني ديمقراطي، غنيّ عن القول.
٭ كاتب وباحث سوري يقيم في باريس
التحليل اللغوي للوعد في القرآن (2-2 )
هشاشة موقف ترامب في مفاوضات الصين بدون ورقة مضيق هرمز
حديقة بملايين ومواطنون تحت عمدان الكهرباء
الكفيري يؤكد على أهمية دعم اقتصاديات الأسرة الاردنية
حركة فتح في مؤتمرها الثامن بين المعنى والمبنى
«نجوم» يصنعون الإلهاء: من الشيخ ذي البركات إلى صاحب «الطيبات» و«الهركاوي»
حرب ترامب الصامتة: حصار كوبا والتوحش الإمبريالي
7 خيارات معلبة عملية لصحة القلب
النشامى يتلقون ضربة بإصابة السميري في وتر العرقوب
السفير عبيدات يقدّم أوراق اعتماده سفيرا مفوّضا غير مقيم لدى كوبا
1728 محتجزا .. حكومة اليمن توقع مع الحوثيين "أكبر صفقة تبادل"
رفع تعرفة التكسي اعتباراً من الغد
غضب واسع في العراق بعد مقتل طفلة والاحتفال بالجريمة
نقيب الأطباء يكشف مفاجآت صادمة حول طبيب التجميل المتهم بهتك عرض أحداث
فاجعة تهز الأردنيين بالغربة بعد مقتل علي الأشقر .. التفاصيل
غموض نتائج الفحوصات يثير التساؤلات حول حادثة تسمم طلبة “اليرموك النموذجية”
طبيب تجميل شهير يواجه تهمة هتك عرض أحداث في الأردن .. تفاصيل صادمة
للأردنيين .. غرامة تصل إلى 5 آلاف دينار لمرتكب هذه المخالفة
تطورات جديدة بقضية المتهم بهتك عرض 3 أحداث
الرمثا إلى نهائي كأس الأردن على حساب الفيصلي
الأمن العام يوضّح قضية هتك عرض أحداث من قبل أحد الأشخاص
شاب يقتل والدته في عمان .. تفاصيل
قبل أن تخطط للتنزه الجمعة .. انتبه هذه المناطق تحت تأثير رياح قوية
الأردنيون يحسمون موقفهم من عودة حبس المدين
