حديقة بملايين ومواطنون تحت عمدان الكهرباء

حديقة بملايين ومواطنون تحت عمدان الكهرباء

15-05-2026 01:47 AM

أين الواقع المعاش وتقارير الإنجاز، مسافة آخذة في الاتساع بين احتياجات الناس الأساسية ومشاريع الترفيه والتجميل، حيرة لا تلبث أن تتحول إلى سؤال: كيف نرتب أولوياتنا في بلد يعاني من فقر وديون وبطالة؟!

لم تكن حديقة "النشامى" في مرج الحمام، التي افتتحت الأسبوع الماضي على مساحة 56 دونماً نقطة بداية الجدل، بل محطة جديدة في مسار طويل من الإنفاق على مشاريع يمكن وصفها بالكمالية في زمن غياب الضروريات.

فبينما تتحدث الأرقام الرسمية عن بطالة تقارب 20%، وفقر يطال أكثر من ربع السكان، ومديونية تجاوزت 40 مليار دينار، يُسأل المواطن بمرارة : أين المساكن الشعبية التي وُعد بها منذ عشرين عاماً؟! و أين فرص العمل التي تليق بحجم الأزمة؟! أين الدواء والمدرسة الآمنة؟

ما يثير التأمل ليس وجود حديقة جديدة، فالمدن بحاجة إلى متنفسات , لكن المثير هو توقيت الإنفاق وحجمه، في ظل حدائق قائمة تتهاوى في المحافظات، وفي ظل احتياجات أكثر إلحاحاً تنتظر التمويل.

فهل من الحكمة أن تُخصص ملايين الدنانير لحديقة تضم ملاعب بادل وتنس وممرات للدراجات، في الوقت الذي يبحث فيه آلاف الشباب عن غرفة يتقاسمون فيها إيجاراً باهظاً؟! , وهل يعقل أن تتبارى الجهات المعنية في افتتاح المشاريع "الظاهرة" إعلامياً، بينما تبقى مشاريع الصيانة والإسكان والتشغيل في طي النسيان والجمود في النتائج ؟!

يأتي هنا ملف الطاقة وثمنها الباهظ الذي ينهش دخول الأسر والشركات والمصانع المزارع على حد سواء , فاتورة الكهرباء في الأردن من الأعلى في المنطقة، والمواطن العادي يدفع فيها ضعف ما يدفعه جاره في دول مجاورة، وعلى الرغم من أن الحكومة تتحدث باستمرار عن استراتيجيات للطاقة المتجددة وتنويع المصادر، إلا أن المواطن لا يلمس في جيبه سوى زيادة جديدة كل فترة، وأسعار لا تنزل حتى عندما تنخفض أسعار النفط العالمية.

وفي هذا السياق ذاته يصبح السؤال مشروعاً: أليس من الأولى أن تذهب ملايين الحدائق إلى دعم تحول حقيقي في قطاع الطاقة، يخفف الفاتورة الباهظة على المواطن والصناعة، بدلاً من إنفاقها على كماليات لا تلمس احتياجاته اليومية؟!.

فكل دينار يُوفر على المواطن من فاتورة الكهرباء هو دينار إضافي في رزقه، وكل دينار يُوفر على المصنع والمزرعة من تكلفة الطاقة هو دينار يُمكن أن يُترجم إلى فرصة عمل أو سعر تنافسي.

لكن الأدهى من ملف الطاقة هو نظام ضريبي بكل أسف، صُمم بطريقة تبدو وكأنها تعاقب المنتج وتكافئ غير المنتج , فالمؤسسة الصناعية أو الزراعية أو التجارية المنتجة تجد نفسها أمام أعباء ضريبية مركبة، ورسوم متعددة، وإجراءات معقدة تستنزف وقتها وجهدها، بينما المستورد الذي لا ينتج شيئاً، أو الوسيط الذي لا يضيف قيمة حقيقية، قد يجد طرقاً للتهرب الضريبي أو تحميل تكاليفه على المستهلك النهائي , النتيجة أن الإنتاج المحلي يُصبح أقل قدرة على المنافسة، والمستهلك يدفع ثمناً أعلى، والاقتصاد يفقد فرصاً حقيقية لخلق وظائف.

وبدلاً من أن يكون النظام الضريبي داعماً للإنتاج، محفزاً للاستثمار، مشجعاً على خلق فرص العمل، نجده في كثير من تفاصيله يشكل عبئاً على المنتج الحقيقي، ويترك الباب مفتوحاً أمام تجارة الهامش والريع والمضاربة.

والسؤال: أليست الأولوية القصوى لإصلاح هذا الخلل الضريبي قبل التفكير في حدائق جديدة؟! , أليس من الحكمة أن يُعاد تصميم المنظومة الضريبية بحيث تخفف على المنتج وتشدد على غير المنتج، بدلاً من الوضع الحالي الذي يثبط الهمة ويقتل المبادرة؟!

ليس سراً أن سوق العمل الأردني لم ينجح حتى اللحظة في استيعاب نصف مليون عاطل، رغم خطط التنمية والتشغيل المتعاقبة , وليس سراً أن الرواتب تآكلت بشكل حاد خلال العقد الماضي، وفقد الموظف العادي أكثر من ثلث قيمتها الشرائية.

فأي دينار يُنفق على مشاريع لا تمس البطالة أو الفقر أو السكن أو الصحة أو الطاقة، لا بد أن يخضع لسؤال: هل كان يمكن استثمار هذا المبلغ بشكل أفضل لتخفيف معاناة الناس؟!

يُضاف إلى ذلك ملف الناقل الوطني ذلك المشروع الاستراتيجي الذي كلف حتى اللحظة ديوناً تقدر بمليارات، ولا يزال في مراحله التمهيدية , فبينما يُبرر تأخير الكثير من المشاريع الحيوية بضرورة تمويل الناقل، نجد أنفسنا ننفق على حدائق وملاعب وكماليات أخرى لا تحل أزمة مياه ولا تشغل عاطلاً ولا تؤوي مشرداً ولا تخفف فاتورة طاقة , هل هذا هو التوزيع الأمثل للموارد العامة؟!

السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح: هل لدينا فعلاً أولويات وطنية واضحة؟! , أم أننا نتحرك بردود فعل آنية، نبني هنا ونفتتح هناك، دون خطة شاملة تربط الإنفاق باحتياجات الناس الحقيقية في كل قطاع؟!

وما الذي يمنع من تجميد أي مشروع ترفيهي أو تجميلي جديد، وتحويل موازناته إلى دعم الإسكان الشعبي أو برامج التشغيل أو القطاع الصحي أو تخفيف فاتورة الطاقة أو إصلاح النظام الضريبي او يذهب لتخفيف ديون الناقل الوطني ، ولو بشكل مؤقت؟!

لا يطلب أحد إلغاء الحدائق أو وقف التجميل إلى الأبد , لكن المطلوب هو ترتيب الأولويات وفق منطق الكرامة الإنسانية أولاً.

فالإنسان الجائع لا يريد حديقة، بل يريد خبزاً وطاقة بثمن معقول , والمريض لا يريد ممراً للمشي بل يريد دواءً.

والعاطل لا يريد ملعب تنس، بل يريد وظيفة ونظاماً ضريبياً يشجع على خلق فرص العمل لا يعاقبها .

عندما تتحقق هذه الأساسيات، يمكننا بعد ذلك أن نفكر في الحدائق والنوافير والرفاهيات.

ربما حان الوقت لمراجعة جذرية لطبيعة الإنفاق العام، وربط كل مشروع جديد بوزن نوعي في ميزان الأولويات الوطنية , وربما حان الوقت لنسأل بصراحة: هل هذه المشاريع تخدم مَن هم بأمس الحاجة إلى الخدمة؟! , أم أنها تخدم مَن يريد صورة إعلامية أو تحقيق إنجاز سريع؟!

الأجوبة على هذه الأسئلة ستحدد في النهاية إن كنا نسير نحو تنمية حقيقية، أم نحو مزيد من الإحباط والهجرة واليأس.

لا بد من الاعتراف أن النقد البناء ليس تشكيكاً، بل واجب وطني , وليس إساءة، بل مراجعة أخلاقية لمشروع وطن لا يزال يبحث عن بوصلة.

الأردن يستحق أفضل من أولويات تضع الرفاهية قبل الضرورة، والصورة قبل الجوهر، والافتتاحية قبل الحل.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد