الفاسدون لا يصنعون أنفسهم بل تصنعهم الحكومات والشعوب

الفاسدون لا يصنعون أنفسهم بل تصنعهم الحكومات والشعوب

13-05-2026 03:04 PM

الفساد ليس حادثًا فرديًا عابرًا، ولا مجرد انحراف أخلاقي يقوم به شخص جشع استغل منصبه ثم اختفى. الفساد في حقيقته منظومة كاملة، بيئة متكاملة، تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، ويتقاطع فيها ضعف القانون مع صمت المجتمع. ولذلك يبقى السؤال الأكثر إزعاجًا:
هل الفاسدون يصنعون أنفسهم؟ أم أن الحكومات هي من تصنعهم؟ أم أن الشعوب تشارك – بصمتها أو خوفها أو مصالحها – في ولادتهم واستمرارهم؟

الحقيقة المؤلمة أن الفاسد لا يولد فاسدًا بالضرورة، بل يُصنع تدريجيًا داخل بيئة تسمح له بالنمو. فعندما تغيب العدالة، ويضعف القانون، وتتحول المناصب إلى غنائم، يصبح الفساد خيارًا سهلًا، وأحيانًا “ثقافة عامة” لا استثناءً شاذًا.

الحكومات تتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية عندما تخلق أنظمة رخوة تسمح للفاسدين بالتحرك بحرية. فالدولة التي لا تراقب المال العام، ولا تحاسب أصحاب النفوذ، ولا تكافئ الكفاءة، تفتح الباب واسعًا أمام كل طامع. والأسوأ من ذلك حين يتحول الفساد إلى أداة إدارة غير معلنة؛ تُستخدم فيها الواسطة والمحسوبية لشراء الولاءات واحتواء الأصوات.

في بعض الدول، لا يصبح الفاسد خطرًا على النظام… بل يصبح جزءًا منه. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية. لأن الدولة التي تتسامح مع الفساد الصغير ستستيقظ يومًا على فساد كبير يلتهم الاقتصاد والثقة والمؤسسات معًا.

لكن تحميل الحكومات وحدها المسؤولية ليس كامل الحقيقة. فالشعوب أيضًا قد تصنع الفاسدين، حين تتعايش مع الخطأ وتبرره. المواطن الذي يلعن الفساد صباحًا ثم يبحث مساءً عن “واسطة” لإنجاز معاملته، يشارك – ولو دون قصد – في إعادة إنتاج المنظومة نفسها. والموظف الذي يقبل الرشوة بحجة ضيق الحال، والتاجر الذي يهرب الضرائب بحجة ظلم الدولة، والناخب الذي يبيع صوته مقابل منفعة مؤقتة… جميعهم يغذّون الوحش ذاته.

الفساد لا يعيش فقط في القصور الكبرى، بل أحيانًا يبدأ من التفاصيل الصغيرة التي يعتادها المجتمع حتى تصبح طبيعية. وهنا يصبح الخطر ثقافيًا لا إداريًا فقط.

كما أن الخوف الشعبي الطويل من المواجهة يصنع بيئة مثالية للفاسدين. فحين يقتنع الناس أن “لا شيء سيتغير”، يتحول الصمت إلى شريك غير مباشر في استمرار الخراب. والفاسد أكثر ما يخشاه ليس القانون فقط، بل وعي الناس وإصرارهم على المحاسبة.

التجارب العالمية أثبتت أن الدول التي نجحت في محاربة الفساد لم تعتمد فقط على العقوبات، بل بنت ثقافة عامة تحترم النزاهة. ففي الدول الناجحة، يشعر المسؤول أن المنصب مسؤولية لا فرصة للثراء، ويشعر المواطن أن المال العام ملك له شخصيًا، لا غنيمة مباحة.

الفساد ليس قدرًا، لكنه أيضًا ليس معركة سهلة. لأنه غالبًا يتخفى خلف الشعارات الوطنية، أو النفوذ الاقتصادي، أو حتى الخطابات الدينية والاجتماعية. ولذلك فإن أخطر أنواع الفساد ليس ذلك الذي يسرق المال فقط، بل الذي يسرق وعي الناس حتى يقنعهم أن الفساد أمر طبيعي لا يمكن تغييره.

في النهاية، الفاسدون لا يصنعون أنفسهم وحدهم. الحكومات قد تصنعهم حين تغيب الرقابة والعدالة، والشعوب قد تصنعهم حين تصمت أو تتكيف أو تبرر. لكن الشعوب الواعية أيضًا قادرة على كسر هذه الحلقة، حين تدرك أن مكافحة الفساد ليست مهمة قاضٍ أو صحفي فقط، بل مسؤولية مجتمع كامل.

فالدولة القوية ليست التي تخلو من الفاسدين، بل التي لا تسمح لهم بأن يصبحوا أقوى من القانون.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد