نكبة العُقاب .. الزلزال الذي غير وجه التاريخ الأندلسي

نكبة العُقاب ..  الزلزال الذي غير وجه التاريخ الأندلسي

12-05-2026 12:45 PM

لقد تعلمنا من غزوة حنين أن المسلمين، ولأول مرة، كانوا الأكثر عدداً. وقد انبهر كثير من جنود المسلمين بتفوقهم العددي، ناسين أن النصر لا يكون بكثرة العدد أو بضراوة السلاح، بل بتقواهم وخشيتهم لله. فالنصر من عند الله وحده. يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ۙ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ ۙ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾ [التوبة: ٢٥]. لا شك أن الهزيمة الأولى للمسلمين في هذه الغزوة كانت تأديباً إلهياً وتهذيباً للنفوس، لكي لا ينسوا مصدر نصرهم ولا يغترون بتفوقهم العددي.
قد يُعيد التاريخ نفسه مراراً وتكراراً، أو يحمل معه أحداثاً مشابهة لأحداث الماضي، والحكيم هو من يتعلم من دروس الماضي ليواجه تحديات الحاضر. إن تاريخ الأمم ليس مجرد تتابع لسنوات وأحداث، بل هو سجل وعبر، تولد فيه دول من رحم العزيمة، وتموت أخرى بجريرة الاستعلاء وسوء التدبير.
ولعل في تاريخ المغرب والأندلس صفحة شديدة السواد، خطّت تفاصيلها الدامية في العام التاسع بعد الستمائة للهجرة، لتعلن بداية النهاية للوجود الإسلامي في تلك البقاع القاصية. كانت تلك الفاجعة هي "معركة العقاب"، الحدث الجلل الذي لم يكسر شوكة الموحدين فحسب، بل يتَّم الأندلس وأخلى ديار المغرب من حاميها، وترك جرحاً غائراً في الوجدان العام أورث الوهن والشتات.
بدأت فصول هذه المأساة التاريخية خلف ستائر البلاط الموحدي، وتحديداً عقب وفاة السلطان القوي يعقوب المنصور في عام خمسة وتسعين وخمسمائة للهجرة. ترك المنصور خلفه دولة مترامية الأطراف، لكنه ترك أيضاً فراغاً سياسياً كبيراً غصّ بتبعاته ولده وخلفه، محمد الناصر. لم يكن الناصر يحمل من صفات أبيه حزم الملوك ولا حكمة القادة، فصار شؤماً مستطيراً على المسلمين عامة، وعلى أهل الجزيرة الأندلسية على وجه الخصوص.
يروي صاحب كتاب "الذخيرة السنية في تاريخ الدولة المرينية" واصفاً الحشد الموحدي المهيب، بأن الناصر استنفر الأجناد وصاح في القبائل، فاجتمع تحت لوائه جيش عرمرم كبحر زاخر، قُدِّر زهاؤه بستة مائة ألف مقاتل. غير أن هذا العدد الضخم، الذي كان كفيلاً بزلزلة الأرض تحت أقدام الإفرنج، تحول إلى لعنة على صاحبه؛ إذ تسرّب الإعجاب والزهو إلى نفس السلطان الشاب، وظن أن الغلبة رهن بكثرة السواد لا بحسن الإعداد، فداخله الغرور وأعماه بريق السلاح عن سنن الحروب وتقلبات الأيام.
لم تكن الكثرة وحدها سبب الهزيمة، بل إن الداء الحقيقي الذي نخر في جسد ذلك الجيش كان سوء التدبير والاستخفاف بأهل الخبرة. دخل الناصر ساحة المعركة مستصحباً وزيراً بطّاشاً ضيّق الأفق، فما كان منهما إلا أن استخفا بقادة الأندلس وفرسانها الشجعان؛ أولئك الرجال الذين قضوا أعمارهم في ثغور الجهاد، وخبروا دروب قتال الإفرنج ومكائدهم. ولم يقف الأمر عند رد نصحهم وتسفيه رأيهم، بل تجاوز ذلك إلى الطغيان حين أقدم السلطان على شنق بعض وجهاء الأندلس وقادتها لإسكات أصواتهم. في تلك اللحظة الحرجة، فسدت النيات، وانكسرت النفوس، وتشتتت القلوب قبل أن تتشتت الصفوف، ودخل الجند المعركة بوجوه كالحة وعزائم منثلمة.
حين التقى الجمعان في موقعة "العقاب" المشهورة، التهمت نيران المعركة ذلك الحشد الذي ظن صاحبه أنه لن يُغلب. فكانت الدائرة على المسلمين، وحلّت بهم طامة كبرى طارت بذكرها الركبان. تحولت كثرة الجيش إلى وبال في مضايق تلك المنطقة الجبلية الوعرة، فتمزقت الأوصال، وحصدت سيوف الإفرنج الرقاب حصداً. وتذكر الروايات التاريخية، على هولها، أنه لم ينجُ من ذلك الجيش الجرار إلا عدد يسير جداً، قيل إنه لم يبلغ الألف مقاتل، ليرجعوا إلى ديارهم يحملون أنباء الفاجعة ونعير الهزيمة.
تجاوزت أصداء "العقاب" حدود الانكسار العسكري المباشر، لتحدث زلزالاً نفسياً مدمراً وسياسياً عاصفاً عصف بكيان الأمة؛ فقد تبخرت في وديان تلك المعركة الهيبة السياسية التي بناها الموحدون على مدى عقود، وظهرت الدولة بمظهر العاجز الذي فقد درعه وسيفه. هذا الانهيار المفاجئ للسطوة المركزية فتح الباب على مصراعيه لتنامي حركات التمرد الداخلي، وانفرط عقد الولاء بين القبائل، مما عجل بتفكك الدولة المغربية وانقسامها إلى دويلات تتنازع الفتات.
أما على الصعيد النفسي، فقد خيمت أجواء من اليأس القاتل والشعور بالإحباط والخذلان على عامة الناس وخاصتهم. تبددت الثقة بالقيادة السياسية والعسكرية، وساد شعور جارف بالانكسار والمهانة بعد أن تحول ذلك الجيش العرمرم إلى أثر بعد عين في طرفة عين. هذا الإحباط النفسي الجمعي شلّ إرادة المقاومة لدى حاميات المدن، وغرس في النفوس عقيدة الاستسلام وعقدة النقص أمام العدو، فغدت الحواضر الأندلسية العريقة تسقط تباعاً كسقوط أوراق الخريف، دون تدافع أو مدافعة تذكر.
كانت موقعة العقاب، بلا ريب، القاصمة التي انحنى لها ظهر الإسلام في المغرب والأندلس معاً. فبسببها خلت حواضر المغرب من رجالها وحماتها، وغدت الثغور الأندلسية مستباحة بلا منعة ولا دفاع، وتهاوت القلاع الكبرى كقرطبة وإشبيلية وجيان في يد النصارى بفضل هذا التداعي النفسي والسياسي. ولم تقم للمسلمين بعد تلك الوقعة المشؤومة قائمة تحمد أو راية تجمع الشتات. لقد صرع الغرورُ الجيشَ والنفوسَ قبل أن تصرعه السيوف، وصدق الله العظيم إذ يقول: {والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون}.


الباحث في التاريخ الأندلسي.

_________

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب / الجزء ٤ / ص ٣٨٣.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد