صرخة وادي الحجارة: "واحكماه"
15-05-2026 01:54 AM
في أطراف الأندلس القاصية، وتحديداً في "مدينة الفرج" بوادي الحجارة، كان الصمت يلف الدروب المنكوبة، لولا صرخة مدوية شقت عنان السماء؛ صرخة امرأة مكلومة، فقدت الأهل والسكن تحت حوافر خيل العدو الذي استأسد على الثغور غدراً ونهباً. وقفت تلك المرأة والدموع تحرق وجنتيها، ونادت بأعلى صوتها وكأنها تخاطب الغيب: "واغوثاه يا حكم! قد ضيعتنا وأسلمتنا للأعادي واشتغلت عنا بمُلكك، حتى استباح العدو دماءنا واستضعف حالنا!".
كان الشاعر الرقيق عباس بن ناصح يمر بتلك الديار، فوقعت الكلمات في أذنيه كوقع الصواعق، وحمل مرارة تلك الصرخة في قلبه حتى وصل إلى قرطبة، ودخل على أمير المؤمنين الحكم بن هشام بن عبدالرحمن الداخل. لم يبدأ عباس بمديح القصور أو غزل الجواري، بل انتفض منشداً قصيدةً تقطر وجعاً، وصف فيها حال الثغور المتردية، ونقل للخليفة صرخة تلك المرأة بحروفٍ تهز الرواسي، مستنهضاً فيه نجدة الملوك وغيرة الفرسان.
اربدَّ وجه الحكم، وسكنت الحاشية هيبةً لغضبه؛ فقد رثى لحال رعيته، واشتعلت في صدره نار العزيمة لنصرة الدين وحماية الذمار. لم يكتفِ بإصدار الأوامر، بل نادى في الجند: "الرحيل! الرحيل!"، وخرج بنفسه يقود الجيش المظفر نحو أرض العدو.
أوغل الحكم في بلاد الشرك، فدكَّ حصونهم التي ظنوها مانعة، وهدم معاقلهم، وأذاق مقاتليهم مرارة الهزيمة قتلاً وأسراً، حتى ارتجت الأرض تحت أقدام خيله. وفي طريق عودته المظفرة، تعمد الأمير أن يمر بذات الناحية التي انطلقت منها صرخة المرأة بـ"وادي الحجارة".
أمر الحكم بتوزيع غنائم الغزوة على أهل تلك المنطقة ليجبر كسرهم، وأغدق عليهم الأموال ليفدوا أسراهم وسباياهم ويصلحوا ما خربه العدو. وبحث عن تلك المرأة خصيصاً، فآثرها بالعطاء الجزيل، ووهب لأهل القرية عدداً من أسرى الأعداء ليكونوا عبيداً يخدمونهم ويعينونهم على مشاق الحياة، جزاءً وفاقاً لما ذاقوه.
وبينما القلوب تلهج بالدعاء، التفت الحكم بن هشام إلى الجمع وإلى تلك المرأة وسألهم بصوتٍ يملؤه الفخر والتواضع: "هل أغاثكم الحَكم؟". فانطلقت الألسنة بصدق اليقين: "والله لقد شفيتَ الصدور، ونكيتَ في العدو نكايةً بليغة، وعلمنا أنك ما غفلتَ عنا يوماً منذ بلغك أمرنا! فأغاثك الله كما أغثتنا، وأعز نصرك كما حفظتَ ذمارنا!". عاد الحكم إلى قرطبة، لا بكنوز الذهب، بل بكرامة امرأة رُدَّت، وثغرٍ حُفظ بحد السيف. [1]
من أمعن النظر في تفاصيل هذه الواقعة، استبانت له صلات وثيقة، وظلال ممتدة تشابكت خيوطها مع الحادثة التاريخية المدوية لامرأة عمورية؛ تلك التي أطلقت صيحتها الخالدة "وامعتصماه" في جوف الأسر، فاهتزت لها نواحي بغداد، وحرك لها الخليفة العباسي المعتصم بالله فيالق الجيش وجحافل الرجال صوناً لعرضها.
وقد سطر المؤرخ القلقشندي هذه الملحمة في مصنفاته مشيراً إلى أنه في عام اثنين وعشرين ومائتين للهجرة، تهيأ للمسلمين فتح عمورية الحصينة في بلاد الروم. وكان المبتدأ في ذلك، بلاغ تناهى إلى مسامع الخليفة، يفيد بأن امرأة هاشمية وقعت في إسار ملك الروم بـعمورية، فلما ضاقت بها السبل صاحت مستغيثة باسم الخليفة، فما كان من علج الروم إلا أن سخر منها متهكماً: "لا يأتيكِ المعتصم ليفك وثاقكِ إلا على خيل بلق (بيضاء تشوبها خطوط سوداء)". فلما بلغ الأمر المعتصم، عظمت الكلمة في صدره، واستشاط غيرة ونخوة، فنهض من فوره ونادى في عساكره ألا يركب أحد إلا فرساً أبلق. واستوى هو على متن جواد أبلق، وتقدم جيشه أربعة آلاف فارس على خيول بلق، مدججين بأعتدة وأسلحة لم يشهد العصر مثيلاً لها. ومضى يطوي البيداء حتى حاصر عمورية، ونصبت المجانيق تضرب أسوارها بقذائف من جمر، حتى تهاوت حصونها، واقتحمها المسلمون عنوة، فكان الفتح والنصر، ودامت تلك الملحمة خمسة وخمسين يوماً حتى أُعتقت المرأة وردت إليها كرامتها. [2]
بيد أن العجب الممزوج بالأسف يتملك المرء حين يرى كيف استبدت هذه الرواية بوجدان الناس، خاصتهم وعامتهم على حد سواء، حتى تحولت قصة المعتصم إلى الرمز الأوحد والمثال المضروب للشهامة والعزة الإنسانية، وتناقلتها ألسن الخطباء فوق أعواد المنابر، في حين أطبقت الغفلة على قصة "الحكم بن هشام بن الداخل" الأموي، وطويت صفحته المشرقة في نصرة الحرة التي استغاثت به في الأندلس. وكأن ليل السلطان العباسي ما زال ممتداً بظلاله الحاضرة، وسيوفه لم تزل مصلتة فوق الرقاب، تترصد كل أثر أموي بالطمس، وتتعمد إسقاط كل مجد تليد سطره بنو أمية في سجلات التاريخ.
الباحث في التاريخ الأندلسي
________
[1] البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب / الجزء ٢ / ص ٧٣.
[2] مآثر الإنافة في معالم الخلافة / الجزء ١ / ص ٢٢٠ – ٢٢١.
مباحثات في طهران مع باكستان حول جهود الوساطة والتهدئة الإقليمية
ولي العهد يرعى ختام بطولة العالم الثانية للقدرة الدولية للهجن الأربعاء
الملك تشارلز الثالث يستقبل سلطان عمان في قلعة ويندسور خلال زيارة دولة تاريخية
"إدارية النواب" تناقش أوضاع الموظفين الملحقين بدائرة الجمارك
البدء بتنفيذ إعادة تأهيل "حديقة العبداللات" في ماركا
الزرقاء: اختتام فعاليات مهرجان مسرح الطفل العربي
زيت الزيتون الأردني ينافس عالميا .. دعوات لشراء المنتج من المصادر الموثوقة والمعاصر
غزة: شهيد ومصابون بقصف للاحتلال على جباليا
7 إصابات بحادث اصطدام شاحنة بعدة مركبات على طريق الحزام الدائري بعمان
الوزراء يقر مشروع قانون التصديق على اتفاقية تسليم الأشخاص مع المغرب
إدراج موقع المغطس ضمن الشبكة الوطنية للمناطق المحمية
مشروع نظام جديد يُعيد تنظيم مديريات دائرة الإفتاء .. تفاصيل
نظام حكومي لتنظيم إدارة وصلاحيات الكليات الرسمية والخاصة
الحكومة تحيل معدل نظام الاتحادات إلى ديوان التشريع والرأي
تحديث البنية التحتية وتعزيز الوقاية .. إطلاق استراتيجية وزارة الصحة للأعوام (2026-2030)
17 ألف تنكة زيت فارغة تثير الشبهات في إربد .. ما القصة؟
التربية توضح للسوسنة السبب وراء حذف صور طالبات مدرسة جرش
خدمة جديدة من الضمان الاجتماعي للمشتركين والمتقاعدين .. تفاصيل
عطلة الـ3 أيام لموظفي الحكومة .. ما حقيقة تطبيقها نهاية الشهر
ترفيع وإحالات إلى التقاعد في الحكومة .. أسماء
اعتداء جماعي على طفل في إربد .. تفاصيل
لا تسلم مركبتك لغير المرخصين .. الأمن العام يوضح العقوبات
زيادة 30 دينارا لرواتب الموظفين والمتقاعدين .. تفاصيل موازنة 2027.
الأمن العام يفتح باب التجنيد للذكور والإناث في الأردن .. تفاصيل
مقاطعة أربع جهات تأمينية الأحد .. ماذا ينتظر المرضى؟
تصريح عن تصفيق الأردنيين لصواريخ إيران يشعل ردود الفعل
خبر هز الوسط الفني .. وفاة نجم أردني كبير .. صورة
عرّوه وصوّروه وكسروا جمجمته .. تفاصيل صادمة عن خطف طالب إعلام في إربد
عنوان رقمي مرتبط بهويتك .. تعديل جديد على التبليغات القضائية في الأردن
تقاعدات وترفيعات وإنهاء خدمات في التربية .. التفاصيل والأسماء