حركة فتح في مؤتمرها الثامن بين المعنى والمبنى

حركة فتح في مؤتمرها الثامن بين المعنى والمبنى

15-05-2026 01:23 AM

أتساءل، مثلي مثل الملايين من الفلسطينيين والعرب، ما هي الأسباب وراء دعوة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إلى عقد المؤتمر الثامن لحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) في رام الله والقاهرة وبيروت، بحضور 2500 مشارك؟ ما هو الهدف من هذا الاجتماع الأقرب إلى المهرجان؟ هل سيقف المؤتمرون وقفة تاريخية مسؤولة لتقييم الوضع الحالي في ظل حرب الإبادة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني في غزة والضفة والقدس، ويستخلصون الدروس، ويطلقون برنامجا وطنيا جادا يحدد مسار القضية الفلسطينية، بعيدا عن الانهيار والمراهنة على المجتمع الدولي، ومقولة حل الدولتين في ظل أكبر حملة استيطان في تاريخ الاحتلال الصهيوني؟
هل عقد المؤتمر هو الهدف بحد ذاته لتوزيع بعض المناصب، وإقحام أسماء جديدة من بينها نجل الرئيس وأمثاله ممن ليس لهم تاريخ نضالي، لا داخل فتح ولا خارجها؟ هل هناك رؤية حقيقية لإخراج القضية الفلسطينية من مأزقها الوجودي، بعد كل هذا الرهان على الدول العربية المطبعة والحليفة للولايات المتحدة؟
لقد أثبتت حرب الإبادة، أن القضية الفلسطينية لم تعد أولوية للنظام العربي، كانت مهرجانات الترفيه تقام في ظل المجازر، ويمنع رفع العلم الفلسطيني أو تنظيم مظاهرة للتعبير عن التضامن مع غزة. ما الذي سينجزه المؤتمر في ظل هذا الانهيار الشامل للسلطة الفلسطينية، ودخولها في صراع المحسوبيات والشللية والفساد، الذي أزكم الأنوف والسباق على تجريم المقاومة وتعميق التنسيق الأمني «المقدس» مع الكيان، وفي الوقت نفسه تكميم الأفواه وتضييق مساحة حرية التعبير والنقد والاحتجاج؟
هذا هو المؤتمر الثالث الذي ينعقد تحت سلطة الاحتلال بعد اتفاقيات أوسلو. ماذا قدم مؤتمر فتح السادس في بيت لحم عام 2009 للقضية الفلسطينية إلا تقنين التخلي تماما عن الكفاح المسلح؟ وماذا قدم المؤتمر السابع في رام الله عام 2016، إلا طرد بعض القياديين وتثبيت الزعامة الفردية المطلقة وحماية البطانة القريبة من الرئيس؟ قدموا لنا جردا بإنجازات المؤتمرين السابقين لنرحب بالمؤتمر الجديد ونصفق للحضور.

مراجعة لفتح: من الفكرة إلى الثورة وصولا إلى السلطة

أود في البداية أن أؤكد أن حركة فتح التي فجرت الثورة الفلسطينية المعاصرة وقادت حركة التحرر الفلسطيني وقدمت آلاف الشهداء، بمن فيهم رهط من قياداتها التاريخية، والتف حولها الشعب الفلسطيني، تغيرت كثيرا ولم يبق من ماضيها المشرف شيء تقدمه للشعب الفلسطيني الآن إلا الاسم. إنها أشبه بالقلعة التي أبقت على اسمها الخارجي، لكنها غيرت كل محتوياتها الداخلية، وقياداتها ومنشوراتها وبرامجها وخططها وأهدافها، لكن بعض المنتمين لها والمستفيدين من تاريخيتها ما زالوا يكابرون ويصرون على أنها لم تتغير، مستشهدين بالماضي فقط، وكأننا لم نشهد ذلك غرباء عن ذلك الماضي أو لم نكن جزءا منه. وسأمر هنا على ثلاث مراحل مرت بها حركة فتح: الثورة والتحول التدريجي نحو فكر التسوية مع إبقاء بعض أشكال النضال ثم الانتقال النهائي إلى مرحلة السلطة مع وهم تحولها إلى دولة.
أطلقت حركة فتح أعظم فكرة لمواجهة المشروع الصهيوني الذي ابتلع 78% من أرض فلسطين. فكرتها تقوم على نقض إستراتيجية الكيان الصهيوني التي تلخصها الحركة وترد عليها بندا بندا: يعتمد الكيان الصهيوني على الحرب الخاطفة، تعتمد الحركة على الحرب طويلة الأمد. يعتمد الكيان على الحرب خارج الحدود، الحركة تعتمد على نقل المعركة داخل الحدود. يعتمد الكيان على التكنولوجيا المتطورة، تعتمد الحركة على الكفاح المسلح القائم على الإنسان المؤمن بقضيته. يعتمد الكيان الصهيوني على عزل الفلسطينيين والاستفراد بهم والتعامل مع الدول العربية ككيانات متفرقة، تعتمد الحركة في استراتيجيتها على الجماهير العربية صاحبة المصلحة الحقيقية في التحرير والتحرر وليس على الأنظمة العربية غيـر القادرة على حسم المعركة بالحرب الكلاسيكية، نتيجة لاختلال موازين القوى لصالح الكيان الصهيوني المدعوم من المركز الإمبريالي الغربي. يعتمد الكيان على جلب مزيد من المهاجرين اليهود لسد الخلل الديموغرافي، تؤكد الحركة أن ضرب الاستقرار الأمني لهذا الكيان لا يوقف تدفق المهاجرين فحسب، بل سيؤدي إلى هجرة معاكسة.
لقد أكدت فتح في نظامها الداخلي على أن احتلال فلسطين لا يموت بالتقادم، وأن «المشاريع والقرارات التي تنفي أو تنتقص من حق الشعب الفلسطيني في وطنه وأيا كان مصدرها دولياً، عربياً أو فلسطينياً هي باطلة ومرفوضة ومدانة» حسب البند 6 من النظام. أما أهداف الحركة فتتلخص في تحرير فلسطين تحريراً كاملاً، وتصفية الكيان الصهيوني اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وثقافيا، وإقامة دولة فلسطينية ديمقراطية مستقلة ذات سيادة على كامل التراب الفلسطيني، تحفظ للمواطنين حقوقهم الشرعية على أساس العدل والمساواة، دون تمييز بسبب العنصر أو الدين أو العقيدة، وتكون القدس عاصمة لها.
هذه حركة فتح الفكرة والثورة، التي انطلقت في الأول من يناير 1965 لتمارس الكفاح المسلح وتعبئ الجماهير، وتهيئ الظروف لمعركة التحرير. نستطيع بشيء من التغاضي عن بعض الهنات، أن نقول إن الحركة مارست هذه النظرية لغاية عام 1974 حيث بدأ التغير الاستراتيجي في مشروع التحرير ليدخل متاهة التسوية.
بدأت التغيرات تطرأ على المشروع الوطني، والتراجع عن المبادئ الأساسية الأربعة، وحدة الأرض والشعب والهدف والأسلوب، بعد الخروج من الأردن عام 1971 والتمركز في لبنان. وبدأت فكرة التسوية تدخل في أدبيات منظمة التحرير، تحت غطاءات ثورية، ولغة خطابية وفن الممكن، من خلال المجلس الوطني الفلسطيني الفضفاض، خاصة بعد حرب أكتوبر 1973 وتزايد الضغوط العربية على القيادة الفلسطينية لقبول التسوية. ففي عام 1974 أقر المجلس الوطني في دورته الثانية عشرة في القاهرة مشروع النقاط العشر، الذي تضمن فكرة قيام «سلطة وطنية» على أي أرض يتم تحريرها. لكن القيادة الرسمية استطاعت أن تتحلل تماما من المشروع الوطني الأول خلال الانتفاضة الأولى. فقد عقد المجلس الوطني الفلسطيني دورته التاسعة عشرة في الجزائر، بين 12 و15 نوفمبر1988 وأعلن عن قيام دولة فلسطين وعاصمتها القدس الشريف. وفي صخب البهرجة الإعلامية، تم الاعتراف بقرار 242 (1967) أساسا لحل الصراع، والاعتراف بحق جميع الدول في العيش ضمن حدود آمنة معترف بها، ونبذ الإرهاب والعنف. لقد تراجعت القيادة عن مشروع التحرير: فالأرض لم تعد كل فلسطين والشعب لم يعد كل الشعب الفلسطيني، والحقوق لم تعد كل الحقوق، وتم شطب الكفاح المسلح واعتبر ذلك نوعا من العنف والإرهاب. تلك الدورة كانت الفيصل النهائي بين مشروع التحرير ومشروع التسوية. ذلك المؤتمر الذي مهد الطريق إلى لقاء مدريد عام 1991 وصولا إلى اتفاق أوسلو الكارثي عام 1993.
أين هو المشروع الوطني بعد اتفاقيات أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية؟ هل بقيت أرض تقام عليها الدولة؟ هل تفكيك أكثر من 500 مستوطنة يسكنها نحو 850000 مستوطن ممكن؟ هل تهويد القدس قابل للوقف وعكس اتجاهه؟ هل تفكيك الجدار ممكن؟ هل إطلاق السجناء ممكن؟ هل الرباعية أو المفاوضات أو المجتمع الدولي سيحقق للشعب الفلسطيني قيام دولة مستقلة وعاصمتها القدس؟ أبعد مجازر غزة وما تبعها من مجازر في الضفة الغربية ولبنان وسوريا وإيران بقي واهم يعتقد أن السلم القائم على الحقوق والعدل والكرامة ممكن مع هذا الكيان؟ أبعد قرار الكنيست عام 2024 بمنع إقامة الدولة الفلسطينية بقي من يعتقد بخدعة حل الدولتين؟ سأتوقف هنا وأنتظر الإجابات من مؤتمر فتح الثامن. فإذا عاد المؤتر وتبنى السردية الأصلية: وحدة الشعب ووحدة الأرض ووحدة الهدف والنضال المتواصل والمتراكم والمتعاظم لتحقيق ذلك سنقف خلف القيادة الجديدة.
أيها الإخوة والأخوات في المؤتمر الثامن: الحقوق تنتزع ولا توهب. وواهم من يظن أن عدوك المتغطرس الدموي الفاشي سيمنحك الحقوق إن لم يجبر على ذلك.

كاتب من فلسطين



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد