«تريند» الطيبات يعبر الجزائر وتطهير مثير في تونس

«تريند» الطيبات يعبر الجزائر وتطهير مثير في تونس

13-05-2026 11:39 AM

المتابع لتطور حركة الرأي العام الرقمي سيلاحظ، من بين ما يلاحظ، عولمة «التريندات»، وهي الظاهرة التي رافقت تحول مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصا في الفضاءات ذات التقاليد الاستهلاكية المتقاربة. هكذا تتحول حلوى معينة إلى توجه استهلاكي عالمي كـ «سان سيباستيان»، و «كرومبولوني نيو يورك». تنفجر الطلبات على مواقع مواد التجميل حول كريم مرطب، لا يستطيع حتى أكثر الخبراء تخصصا مجرد محاججة لا جدواها مع مستهلكيها!
في الحقيقة يصعب التكهن بمستقبل صورة الاستهلاك هاته، مع تأكيد الخبراء نهاية العولمة كنظام سياسي واقتصادي، وفي ضوء آخر خرجات الرجل البرتقالي، لكن ذلك لا يمنع التمعن في تنويعاتها في المنطقة العربية عامة والمغاربية تحديدا.

في «التريندات» العابرة: نظام الطيبات

في المنطقة العربية تحول موت الطبيب المصري المثير للجدل ضياء العوضي إلى «تريند» في مصر وخارجها، لا كتفاعل مع رحيل رجل كرجل، ولكن كفرصة لاكتشاف وإعادة اكتشاف «ابتكارات استهلاكية».
الدكتور الذي منع في حياته من ممارسة مهنة الطب في بلاده، واضطر السلطات المصرية للتدخل لمعاقبة كل من يروج لخطابه بعد مماته، يبدو أن الصدى الذي خلفه رحيله قد تردد في بلدان كثيرة وبعيدة، ومن بينها الدول المغاربية عامة والجزائر تحديدا. يكفي لمتابع اهتمامات مواقع التواصل الاجتماعية في الجزائر وموضوعات ما يسمون بالمؤثرين ليلمس انتشارا واسعا بينهم ومريديهم حول «جدوى نظام الطيبات».
أسئلة وأجوبة، تعليقات وأسئلة حول «الدايت» المثير الذي يكون قد اقترحه الطبيب المصري الراحل تكون قد دشنت لفصل جديد، في ما يمكن أن يطلق عليه بـ»الاستهلاك المؤامراتي».
على الرغم من أن السلطات الجزائرية، كما نظيراتها المغاربية لم تجد في اهتمام الجماهير بالقضية خطرا على الصحة العامة، إلا أن مطالعة كثير من التفاعلات تجعل الملاحظ يتوقف عند حجج المدافعين عن هذا النظام الغذائي: «جربته، إنه مفيد جدا»، «أتابعه منذ سنوات وتخلصت من كل مشاكلي الهضمية»، «لم يتم منعه جزافا، يخفي أشياء وراءه»، «ككل مرة يخترع فيها أحدهم شيئا مفيدا في منطقتنا يتم منعه»، « الصناعات الدوائية هي التي تقف ضد مشاريع طموحة كنظام الدكتور العوضي».
البعض انهال على المؤثرين الذين جعلوا من «دايت الطيبات» مادة لفيديوهاتهم: «صرت طبيبا الآن، أنت مجرد كوتش رياضة لا تنسى نفسك» علق كثر على أحد المدربين، الذي أخذ ينتقد النظام الغذائي للرجل، أما من انتقد قدرة الطبيب الراحل على الإقناع والتي تكون سببا – حسبه – لكسب التأييد فتراوحت الردود بين: «لم تجدوا غير تفكيك خطابه وقدرته على الإقناع»، «على الأقل قدموا حججا مضادة»، «لما لا نجرب ما يقول ونرى».
يذكر تفاعل الجزائريين مع تريند «نظام الطيبات» المصري بحادثة مشابهة تعود لسنوات بعيدة، ادعى فيها طالب طب سابق جزائري اختراعه لدواء يقضي على مرض السكري، منحه اسم «رحمة ربي» وروجت له وسائل إعلام ثقيلة كبرى، ليتضح بعد فترة أنه مجرد مكمل غذائي، تكون تجربة أولى تعرف معها الجزائريون على ميوعة الـ»سوشيال ميديا» وقدرتها على التأثير حتى على أكثر المواضيع حساسية، وأعادوا اكتشافها مع الإغلاق الكبير الذي فرضه فيروس كورونا، ويبدو أنها تتحول إلى منطق جديد يفرض نفسه.

«تطهير» مثير في تونس!

«التطهير» أو «ذ بيورج» هو عنوان فيلم أمريكي صدر سنة 2013، يحكي قصة أمريكي يشرع فيها المشرع قانونا يمنح ليلة في السنة ليرتكب فيه الناس ما شاءوا من جرائم بكل «شرعية»، «هالوين تطبيقي»، يتقمص فيه البشر أجزاءهم الأكثر إرهابا، ليشبعوا غرائزهم الدموية، دون أي تدخل من الأجهزة الأمنية ولا الطوارئ، تاركا الحرية للأفراد في وضع القوانين التي ترصد قواعد أفعالهم، كما ضمان أمنهم.
يحتمل الفيلم قراءات كثيرة ومتعددة بين مكانة مؤسسات الدولة، وحضورها في حياة المواطنين، قدرة الإنسان على العيش منعزلا، وعن العلاقة ببني جنسه. يستحضر الفيلم هذه الأيام حين الحديث عن تونس، لا لأن الدولة التونسية قررت التنازل عن أدوار تقليدية لها، بل لأن كثيرا من مؤسساتها قررت إعادة ضبط اعداداتها، وقد قررت أن تمنح لنفسها «شهرا» لإعادة تعريف مفهوم الحرية وممارسته.
لا شك أن السنوات الأخيرة قد عرفت تراجعا للحريات السياسية، الفكرية والتعبير في أكثر من بلد، بل أن هناك ما يدعو جديا لإعادة تفكير ونقاش حول الحريات الإنسانية كافة اليوم، في عالم متغير، يتضاعف هذا التراجع في بلدان بمؤسسات وهيئات هشة، وبحث مستمر عن استقرار لها، في ظل اختلالات، ومشاكل على أكثر من صعيد.
ساعات قليلة فصلت بين قرار حل جمعيتين (خط ومنامتي) التونسيتين، منع والدي معارض سياسي من السفر، أيام قلائل بعد سجن زياد الهاني الصحافي التونسي المعروف.
توليفة من التضييقات تأتي كلها بعد أسبوع على الاحتفال باليوم العالمي لحرية الصحافة، والذي احتلت فيه تونس – حسب منظمات دولية – تراجعا واضحا في مؤشرها للحريات. إذ انتقلت حسب تقرير لمنظمة «مراسلون بلا حدود» من المركز 129 إلى المركز 137 في ظرف سنة واحدة، ثماني مراتب كاملة قد خسرتها الصحافة التونسية، التي قدمت نقابتها تقريرا ثقيلا عن التضييقات والتعسف، الذي طال مئات الصحافيين أثناء ممارستهم عملهم، كما الاستسهال في توجيه التهم وتكييف الجرائم في حقهم.
ممثلو النقابة وكثر من الصحافيين عبروا عن تفشي ظاهرة «الرقابة الذاتية»، التي صاروا يمارسونها على أنفسهم في إطار عملهم الصحافي لتفادي ملاحقات جزافية، كثير منها يفتقر للقانونية، ويثير الاستغراب في بلد كل مرة تسارع القوى فيه الى إيجاد مخارج وبناء مؤسسات في قطيعة مع ممارسات ما قبل الثورة، تجد نفسها محاصرة بقوى مضادة تراهن على المماطلة في فرض أجندتها.
على مواقع التواصل الاجتماعي تفاعل كثر من التونسيين مع الأخبار المتلاحقة، البعض وجد في سجن الهاني تعسفا، لم تغفل بعض التعليقات عن قراءة توجهات الجمعيات المحلة، خصوصا منامتي في ظل تنامي كراهية المهاجرين السود في البلاد، أما تراجع موقع البلد في مؤشر حرية الصحافة فقد طالته تفاعلات متنوعة: «أنملك صحافة؟». «كلهم يخدمون أجندات، لا يبحثون عن ممارسة صحافة حقيقية». لقد صاروا انفلونسرز»؟! «لقد ساهموا في وأد الصحافة»! «الأولوية للاقتصاد لسنا بحاجة إلى صحافة قوية». «لقد ساهموا في تخريب مكتسبات الثورة بسطحيتهم»! «نبقى أفضل من بلدان كثيرة».

كاتبة من الجزائر



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد