لطفية الدّليمي/ المنفى… ذلك المرض الخلاّق
13-05-2026 11:37 AM
قد يبدو هذا العنوان متناقضاً ومرتبكاً، إذ كيف للمنفى الذي يقتل صاحبه بالتقسيط، أو يقوده إلى العدمية بسبب الهشاشة التي تتأسس على صعوبة تحمل الشرطيات الجديدة، أن يكون خلاقاً؟ ومع ذلك، الحقيقة الموضوعية تعلمنا كل يوم الكثير في هذا الموضوع. لقد كان المنفيون الكبار سنداً فنياً وأدبياً حقيقياً لبلدانهم الأصلية وللعالم بسبب قسوة التجربة الإنسانية. يكفي أن نسترجع في هذا السياق طوماس مان، فلاديمير نابوكوف، ميلان كونديرا، والقائمة تطول.
يضاف إلى هؤلاء جيل من الكتاب العرب الموزعين عبر العالم، بالخصوص في فرنسا وبريطانيا وروسيا، وفي السنوات الأخيرة، أوروبا الشمالية. ما قدموه للثقافة العربية، الإبداع على وجه الخصوص، كان كبيراً ومذهلاً. من بين هؤلاء الكاتبة العربية الكبيرة لطفية الدليمي، التي اضطرتها ظروف الحياة والأمن على مغادرة العراق في ظروف شديدة القهر والصعوبة. علمتها قسوة الحياة ومنافي الخوف أن ترى الحياة بمنظار المتأمل.
لحظات تاريخية مؤلمة وأحياناً تراجيدية، ولكنها ليست دائمة. بعد تصاعد حملات العنف والاغتيالات في العراق، اضطرت مرغمة إلى التفكير في الهجرة مع كل ما تحمل من قهر وخسارات داخلية عميقة، وهي التي ترسخت في تربة العراق بقوة من الحضارة البابلية إلى اليوم. فغادرت العراق في سنة 2006 إلى عمان ومن ثم إلى فرنسا لحضور مؤتمر حرية الإعلام بدعوة من اليونيسكو وهيئة الإعلام العراقية، قبل أن تطلب اللجوء وتعيش هناك على مدار السنتين من 2006 إلى 2008 كانتا مهمتين في حياتها تفكيراً وقهراً أيضاً. «عندما تترك أرضك الأولى أنت لا تغادر وطناً، ولكنك تترك نصفك وتهرب بما تبقى من النصف الثاني». لم تتحمل الغربة الوجودية واللغوية، وبدأت تبحث عما يرمّم الجزء الثاني الذي تركته وراءها في بغداد، فتغادر من باريس إلى عمان، فالأراضي تضيق دوماً على المنفي. فتقيم هناك حتى وفاتها.
وقد شكل هذا المنفى موضوعة أدبية للكثير من نصوصها، فنلمس ذلك الحزن الداخلي الذي يبدأ صغيرا ويتسع كالمرض القاتل. يتبدى ذلك بوضوح في مذكراتها «كراساتي الباريسية» (2023) «ذات ليلة في فندق عدن الصغير، في شارع بلوميه، باريس 15، في غرفتي الحزينة، اكتشفت أنها ليست بلادي، التي كانت تنتحب، ليست بغداد التي تبكي، كم أوهمتني غشاوة العاطفة، كان قلبي هو الذي ينتحب وحيداً ويتفطر، ولكنه يقاوم ليبقي نبضه حياً. توقف أيها القلب واصمد، قلت له لا بدبل لك، كل البلاد تقوم على التمييز وتبديد كرامة الإنسان. بطرق معلنة أو ناعمة مموهة». تبدو المذكرات سنداً لحماية ذاكرة الألم من الاندثار والتبدد.
فقد حملت معها في منفاها الباريسي كل أحلامها المسروقة وغربتها. فكان قسوة أخرى تضاف إلى مواجع الخيبات والاحتلال التي ارتحلت بها، «المنفى كان تجربة اقتلاع كاملة لا تترك للإنسان أي ثبات؛ فلا يستطيع أن يستقر في المكان الجديد ولا يستطيع أن يعيش، وكما قال المتنبي: على قلق كأن الريح تحتي، توجهني شمالاً أو جنوباً. في المنفى شعرت كأني مضطرة لإعادة ترتيب حياتي كلها من جديد وكأن كل جذور الأمان قد اقتلعت» (حوار أجراه معها كمال الضيف في 18. 05. 2008.).
يبرز في الحوار وجع فراق الوطن. كان رهان لطفية الدليمي ليس الشهرة والتحول إلى شهيدة وضع عانى منه ملايين العراقيين، ولكن كيف تحافظ على إنسانيتها في عالم شرس، لا يرحم أبداً، بحثاً عن سكينة بدت مستحيلة. وهو ما ظهر واضحاً في آخر مقالة لها: الوصية.
الجميل في تجربة لطفية الدليمي الروائية والأدبية هي أنها استوعبت المأساة وحولتها إلى قيم أدبية وجمالية أخرجتها من الذات لتعطيها أدبياً طابع العمومية. وعلى الرغم من قسوة الارتحال والعزلة لم تتوقف عن الكتابة، ظلت مساهمة دائمة في جريدة العرب اللندنية من 2015 حتى 2019، وجريدة المدى، وصحيفة الشرق الأوسط، ومواقع إلكترونية كثيرة. تأمل الأشياء بالكثير من السكينة والعقل ليس استسلاماً، ولكن شكل من أشكال المصالحة مع الذات الهشة، والعمل على عدم السقوط في اللاجدوى.
ولعل المقالة الأخيرة التي كتبتها تعبير صادق عن هذا الوجدان الذي كثيراً ما استنزف في حروب لا تفيد في شيء، بالخصوص في مجتمعات اليوم، حيث أصبح أي نجاح في المجالات الثقافية وصمة عار، وأي جائزة وزراً ثقيلاً على الكاتب تحمله. تقول: «الضغينة ليست انفعالًا عابراً ولا غضباً لحظيّاً. إنها غضبٌ توطّن القلب، وألمٌ رفض أن يَشفى، وجرحٌ قرّر أن يتحوّل إلى هوية. الضغينةُ هي الذاكرة حين تفقد قدرتها على النسيان الذي يرحمُ أرواحنا وأرواح سوانا من البشر، حينها تغدو الذاكرةُ مستودع نفايات مسمومة. ما من شيءٍ يدمّرُ سلام الروح ويزعزعُ سكينة القلب كما تفعل الضغينة. نخطئ حين نعتقدُ أنّ الضغينة تُرهق الآخر. في الحقيقة، هي تُنهكُ حاملها أولاً. تُثقِلُ الصدر، وتُعكّر النوم، وتُفسِدُ حتى اللحظات التي كان يمكن أن تكون جميلة.
نضحك، نعم؛ لكنّ الضغينةُ تتربّعُ في زاوية القلب تراقب، ننجح؛ لكنّها تهمسُ لنا بأنّ النجاح ناقص ما دام الغريم لم يُهزَمْ. نهدأ ظاهريّاً؛ غير أنّ دواخلنا في حالة استنفار دائم بفعل الضغينة. أيُّ سلامٍ هذا الذي لا يتحقّقُ إلّا مقترناً بمقادير مميتة من التوتّر الصامت؟ الضغينة عدوّة السّكينة لأنّها تُبقي الإنسان في حالة دفاعيّة متواترة فتنهكه. تُعيد تشغيل الحوارات القديمة، والمشاهد المؤلمة، والخصومات المنتهية زمنيّاً لكنّما المستمرّة في إعطابِنا نفسيّاً. يبدو الأمرُ كأنّ العقل يرفضُ أن يُغلق ملفّاً ما، فيظلّ يفتحه ليلاً عندما نتوسّلُ السكينة، بلا فائدة، بلا نتيجة. ليس سوى استنزافٍ جديدٍ لأرواحنا وقوانا. الأخطرُ من هذا أنّ الضغينة تتبدّى لحاملها شكلاً من أشكال القوّة أو الكرامة.
نخلطُ بينها وبين حفظ الحقوق، وبينها وبين الوعي بالظلم؛ بينما الفارق شاسعٌ بين الاثنين. أن تعرف ما جرى لك، وأن تضعه في مكانه الصحيح، هذا وعيٌ؛ أمّا أن تسمح له بأن يحتلّ قلبك ويستوطن ذاكرتك فهذا خراب ذاتيّ وتدميرٌ غير مسوّغٍ لا بطولة فيه… الإنسان الذي يعيشُ السكينة المديدة في داخله ليس إنساناً ضعيفاً أو واهناً أو عاجزاً عن المقاومة وخوض الصراعات. هو إنسانٌ اختار ألا يخسر نفسه». (من مقالتها الأخيرة «الوصية»، منصة الديرة. 8 مارس 2026)
في النهاية، استطاعت لطفية الدليمي أن تجعل من الكتابة رهانها الأول والأخير. وليست السكينة التي توختها ووجدتها في آخر نص كتبته إلا محصلة تجربة إنسانية طويلة. فقد كتبت كثيراً وبنهم كبير وبشكل متنوع جداً في الموضوعات وفي الأجناس التي اختارتها تعبيراً عن هاجس الحرية، لإيصال أفكارها التي كانت تشغلها بقوة. ومنها قضية المرأة وشرطيتها التاريخية الصعبة، التي أعطت لتجربتها الإبداعية تواتريه دائمة إذ لم تتوقف عن الكتابة والنشر حتى في أصعب الظروف وأقساها، كما لو كان الأدب أكثر من إبداع، فهو نافذة مشرعة كلياً على الحياة.
جولة بمعبر الكرامة – طريبيل للاطلاع على واقع الحركة والخدمات
«تريند» الطيبات يعبر الجزائر وتطهير مثير في تونس
لطفية الدّليمي/ المنفى… ذلك المرض الخلاّق
البوتاس العربية تبحث مع السفير الصيني آفاق التعاون
أسعار الذهب عيار 21 محلياً اليوم
توغل إسرائيلي وانسحاب بعد تفتيش منازل بالقنيطرة
طرح أرقام مركبات مميزة بالمزاد الإلكتروني
إسرائيل تحتجز وتستجوب مسؤولاً أممياً بشأن زيارة لغزة
قائد المونوسكو يزور مخيم العمليات الأردني ويتابع تمريناً مشتركاً
الاحتلال ينذر بإخلاء 6 بلدات لبنانية تمهيداً لهجمات
ضبط اعتداءات على خطوط مياه في الجيزا وصويلح
رفع تعرفة التكسي اعتباراً من الغد
نقيب الأطباء يكشف مفاجآت صادمة حول طبيب التجميل المتهم بهتك عرض أحداث
غموض نتائج الفحوصات يثير التساؤلات حول حادثة تسمم طلبة “اليرموك النموذجية”
للأردنيين .. غرامة تصل إلى 5 آلاف دينار لمرتكب هذه المخالفة
طبيب تجميل شهير يواجه تهمة هتك عرض أحداث في الأردن .. تفاصيل صادمة
تطورات جديدة بقضية المتهم بهتك عرض 3 أحداث
رفع تعرفة عداد التكسي والتطبيقات الاثنين المقبل
الأمن العام يوضّح قضية هتك عرض أحداث من قبل أحد الأشخاص
قبل أن تخطط للتنزه الجمعة .. انتبه هذه المناطق تحت تأثير رياح قوية
الأردنيون يحسمون موقفهم من عودة حبس المدين
القبض على المشتبه به بتصوير ونشر فيديو مسيء لنادٍ رياضي
نزوح قرابة 50 ألفا من ولاية النيل الأزرق خلال العام
ملاحقة أمنية لمنتجي وناشري فيديو مسيء لنادٍ أردني

