كلنا آخَر

كلنا آخَر

15-05-2026 01:23 AM

كتبت الأسبوع الماضي عن معضلات الهوية البشرية، مشيرة إلى معلومات علمية حول التكوين الكروموسوماتي للبشر، الذي قد يتفرع عن تكوين XX وXY إلى تكوينات نادرة مثل XXY التي «تميِّع» التصنيف الجسدي، إن صح التعبير، بل وكذلك التصنيف النفسي لهذا الإنسان إلى ما بين، وأحياناً، خارج التقسيم القطبي لذكر وأنثى. ذكرت كذلك حالات علمية موثقة لبشر يولدون بأعضاء خاصة متعددة أو بنسب هرمونية متضاربة وتصنيفهم الجنسي أو بتشكيلات نفسية، وتلك هي الأصعب توثيقاً، لا تتواءم بل وتغترب تماماً عن الأجساد التي تحملها. التصنيف البشري الجسدي والنفسي عملية غاية في الصعوبة والتعقيد والتي لم يفك العلم الحديث بعد، رغم كل تطوره، شفراتها وأسرارها.
ورغم أن أحداً من معلقي المقال السابق، سواءً كتابياً على منصات وسائل التواصل أو شخصياً في حديث مباشر معي، لم ينف بشكل مباشر الحقائق العلمية المثبتة حول الموضوع، لم يستطع أحد مثلاً إنكار ولادة بعض البشر بأعضاء متعددة أو منتقصة، أو بمعاناة البعض الآخر من اختلالات هرمونية. إلا أن رفض الموضوع وتكذيب نتائجه والتهرب من التعامل مع حيثياته بقيت كلها العنوان الرئيس في التجاوب، أو في الواقع انعدام التجاوب، معه. أن تكون بشراً «محظوظاً» بولادتك بتصنيف بيولوجي قطعي مقبول ومرحب به في المجتمع الإنساني فتلك ضربة حظ موفقة لا أكثر، وما الرفض التام للنظر لمعاناة الآخرين وغربتهم عن المجتمع الإنساني التقليدي سوى قصر نظر وخوف من المواجهة مُؤَيَّديْن بقراءات مجتمعية ودينية تعد بالنفي الدنيوي والعذاب الأخروي لكل من يخرج عن الفكرة التصنيفية التي بَنَت المجتمعات المحافظة والقراءات الدينية التقليدية كل القيم والأخلاقيات، بل والقوانين الشخصية والاجتماعية عليها.
لا تديروا رؤوسكم عما يزعجكم ليختفي من أمامكم، فإن ما لا ترونه بالعين أو تحيونه بالتجربة لا يعني أن آخرين لا يرونه ولا يحيونه. علينا أن نعي أننا حين ندير ظهورنا «للآخر»، مع التحفظ على هذا التوصيف الذي يجعل منا الحالة الطبيعية الأساسية، سيأتي يوم وتدار لنا الظهور كذلك، فكلنا «آخر» في مرحلة ما، في لحظة ما، في قصة ما، وأما الذي يتجنب منا تماماً أن يكون آخر مختلفاً في حكايته، فلن تكون له حكاية منفردة، ولن يكون يوماً أكثر من رقم في قطيع. يبدو التفرد عند الغرب، رغم عيوب الفردانية الملحوظة، أشد احتراماً وتقديراً وأكثر قبولاً في مجتمعاته، حيث اتسعت الرؤية العامة عند الغربيين بشكل عام وفي كل مناحي الحياة ليتفهموا أن البشرية بكل مفاهيمها الجسدية والنفسية والحياتية والاختياراتية أوسع بكثير من كل تقليدي مقبول. أما في عالمنا المنغلق على نفسه وخياراته بل وحتى زمنه الذي لا يتحرك، فنحن نخشى كل مواجهة ونتهرب دوماً من القضايا المزعجة التي تفرض علينا ملاقاة مباشرة بالأفكار والمعتقدات والثوابت، وأحياناً تحدياً مؤلماً لها.
ليست هناك قطعيات نهائية في هذه الحياة، حتى تلك الدينية منها، والدليل أن التأويل والتفسير منهجيتان مهمتان ومستمرتان في كل عقيدة دينية. لقد كان المسيح الكاثوليك يقتلون «المختلف» جنسياً أو جندرياً، وذلك ربما حتى أوائل القرن التاسع عشر، إلا أن تغييراً عارماً غير متوقع حدث حين أعلن البابا، قبل سنوات قليلة، قبول الكنيسة بهذا الاختلاف واحترامه وتفهمه. هذه التغيرات ليست عصية على أي دين أو عقيدة ثيولوجية أو فلسفية؛ ففي الإسلام على سبيل المثال، كان هناك تحريم قطعي للتصوير، ثم في ثمانينيات القرن الماضي كان هناك تحريم صارم «للستلايت» على أسطح البيوت التي كانت تعدّ كافرة بوضع «أداة الشيطان» هذه على أسطحها، وفي التسعينيات كان هناك تحريم للعلوم الجينية وفكرة الاستنساخ، إلى آخرها من تحريمات، إما انتهت أو لانت بتغير معطيات الحياة والظروف المعيشية للناس، أو ببساطة، باستحالة تلافي هذا المحرم أو عزله التام عن الحياة اليومية.
إن الإصرار على اضطهاد وعزل هؤلاء «المخلوقين» بشكل «مغاير» للسائد أو المقبول أو المعتاد هم كذلك صنع الخالق، وهم كذلك ضحية ظروف بيولوجية ليس لهم يد فيها، وهم كذلك ملزمون بحظ بيولوجي لم يختاروه، مع تحفظي على التعابير التي تعلن هؤلاء مختلفين أو معزولين أو أقلية بشرية. لا يمكن أبداً تصور التعقيدات الإنسانية والحياتية التي يعانيها هؤلاء بدافع من جبننا عن المواجهة وتفضيلنا أن نبقى على «ما وجدنا عليه آباءنا» ورفضنا للأدلة العلمية القطعية، والذي هو رفض إن دل على شيء فلا يدل على وقوع إثم أو ارتكاب محرم عند الطرف المعني، إنما يدل على خوفنا وتفضيلنا لراحتنا الشخصية وتجنبنا لما يكشفه لنا العلم وما سيبقى يكشف لنا من تعقيدات وتنوعات في حياتنا البشرية.
لربما إحدى المشكلات الرئيسية عند المسلمين تحديداً، إصرارهم على تقديم القرآن الكريم على أنه كتاب إعجاز علمي، كما هو كتاب إعجاز لغوي وتوجيهي أخلاقي وقيمي. ولأن العلم متغير ومتطور ومتناقض طوال الوقت، في حين أن الدين ثابت مقاوم للتغيير والتحول، تقع التضاربات والتناقضات المؤلمة لمسلمي هذا العصر المتسارع في تقدمه وكشفه العلمي. يرفض المسلمون وضع الكتاب المقدس في إطاره التاريخي، ما يعسر عليهم تفسير الكثير من فحواه، ويضعهم في حرج الإقرار بمفاهيم يفترض أن التقدم العلمي والمجتمعي قضى عليها. في ذلك، يتناسى مسلمو العصر أن الشريعة، بمعناها الذي يرمي إلى أنها مجرى ماء متجدد ومتغير، قابلة دوماً للتفسير المتجدد وللتأويل بما يناسب بشر كل زمان ومكان. هذا التناسي يعقِّد حياة «المختلفين» من البشر جسدياً ونفسياً، بل وفكرياً وأيديولوجياً كذلك، كما أنه يتسبب في تأزيمات حياتية يومية مبنية على رؤى قديمة ما عادت تتواءم وهذا العصر، مثل تشريعات الأحوال الشخصية وفيما يخص قضايا المرأة وحقوقها وواجباتها.
علينا أن نواجه المستجد لا أن نختبئ منه، أن نطيع القراءات الدينية لا أن نعقدها ونغربها عن العصر والمجتمع والضرورات الحياتية اليومية. وأول ما علينا مواجهته هو حقيقة طبيعة جنسنا البشري بتصنيفاته وما يكشفه العلم من مستجدات في هذا المجال، بما يحمي حقوق الناس وأمنهم الجسدي والنفسي. من يريد أن يختلف ويناقش، وأنا منهم، فعلينا بالتبارز العلمي والقيمي والمنطقي العقلاني. أما فرض فكرة أن الدين يقول ولا مجال لمخالفة القراءة الشرعية، فهذا تعامل الخائف مع الموضوع، المتشكك في قدرة إيمانه في التعامل معه، هذا سلوك لإخراس الآخر وقمع رأيه، لا سلوك إثبات صحة رأي أو تناظر حقيقي للوصول للحقيقة. الخوف لم يعد ينفع، المستقبل سيكون صارماً وحاداً وقاسياً، وعلينا أن نستعد له.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد