لا تجعلوا من الوطن نعجة لها ألف راعٍ

لا تجعلوا من الوطن نعجة لها ألف راعٍ

01-04-2026 12:43 PM

في لحظات التحولات الدقيقة التي تمر بها الدول، تبرز الحاجة إلى صوت عاقل، ورؤية مسؤولة، وخطاب وطني يضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار. غير أن ما نشهده في هذه الأيام يثير القلق؛ إذ يتكاثر المتنطعون، ويعلو صخب الباحثين عن الشهرة والمناصب، حتى بات كل من امتلك منبراً—ولو كان واهياً—ينصّب نفسه وصياً على الوطن، ومتحدثاً باسمه، ومفسراً لمصالحه.
هؤلاء لا يتحركون بدافع المسؤولية، بل بدافع الطموح الشخصي الضيق، فيبتكرون من أساليب الكذب والتضليل، ومن فنون النفاق السياسي، ما يظنون أنه يقربهم من مراكز القرار أو يعيدهم إلى واجهة المشهد. بعضهم ممن تقلدوا مناصب في السابق، وآخرون ينتظرون الفرصة، جميعهم يلتقون عند هدف واحد: إعادة إنتاج أنفسهم، ولو كان الثمن إرباك المشهد الوطني وتشويهه.
يتبارى هؤلاء في افتعال القضايا، وركوب الموجات المختلفة؛ فتارة يتحدثون باسم “السردية الوطنية” ويفصلونها على مقاساتهم، وتارة يلوحون بورقة العداء لدول أو حركات بعينها، ليس بدافع قراءة استراتيجية حقيقية، بل كوسيلة لإثارة الانتباه واستقطاب التأييد. وفي أحيان أخرى، يرفعون شعارات براقة مثل “الأردن أولاً”، لكنهم في الممارسة يضعون مصالحهم أولاً وأخيراً.
هذا الضجيج لا يمر دون ثمن. فحين يختلط الصوت المسؤول بالصوت الشعبوي، وحين تتعدد “المرجعيات الوهمية”، يتحول المشهد إلى حالة من التشويش العام. المواطن يصبح حائراً بين روايات متناقضة، والثقة بالمؤسسات تتآكل تدريجياً، فيما تتراجع القدرة على التمييز بين التحليل الرصين والدعاية المغرضة.
إن أخطر ما في هذا السلوك أنه لا يكتفي بإرباك الرأي العام، بل يمتد أثره إلى بنية الدولة نفسها. فعندما تُطرح القضايا الوطنية الحساسة بأسلوب انفعالي أو مزايد، تُدفع السياسات العامة إلى زوايا ضيقة من ردود الفعل، بدل أن تُبنى على أسس استراتيجية هادئة ومدروسة. كما أن اصطناع الخصومات مع دول أخرى، أو تضخيم الخلافات الداخلية، ينعكس سلباً على الاستقرار السياسي والاقتصادي، ويضعف موقع الدولة في محيطها الإقليمي.
اقتصادياً، يؤدي هذا الخطاب المتشنج إلى خلق بيئة طاردة للاستثمار، حيث يسود الانطباع بعدم الاستقرار وغياب وضوح الرؤية. واجتماعياً، يغذي الانقسام بين أبناء المجتمع، ويزرع الشكوك المتبادلة، ويُضعف النسيج الوطني الذي يُفترض أن يكون خط الدفاع الأول عن الدولة في وجه التحديات.
لقد تحول الوطن، في خطاب هؤلاء، إلى “نعجة لها ألف راعٍ”، كلٌّ يدّعي الحرص عليها، ”، لكنها في الحقيقة ليست مرعية بل مُستنزفة تضيع في متاهة لا تعرف فيها طريقاً ولا هدفاً. والنتيجة وطن مُرهق بالضجيج، ومواطن مُثقل بالحيرة، ومشهد عام يفتقر إلى البوصلة.
إن حماية الوطن لا تكون بكثرة الأصوات، بل بجودة الخطاب. ولا تكون بالمزايدات، بل بالمسؤولية. فالوطن ليس ساحة لتصفية الحسابات، ولا منصة لتسويق الطموحات الشخصية، بل كيان جامع يحتاج إلى وعي جمعي يحميه من العبث، ويصونه من الفوضى.
ما نحتاجه اليوم هو إعادة الاعتبار للعقلانية، وللتحليل القائم على المعرفة لا الادعاء، وللنقد المسؤول الذي يبني ولا يهدم. كما نحتاج إلى وعي شعبي يميز بين من يخدم الوطن ومن يستخدمه، وبين من ينصح بإخلاص ومن يناور لتحقيق مكاسب.
في النهاية، الوطن أمانة في أعناق الجميع. وإذا لم يُدرك كلٌّ حدوده، ويعرف موقعه، ويضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار، فإننا سنبقى ندور في حلقة من الضجيج، بينما تتآكل الحقيقة، ويضيع الاتجاه.
فلنكفّ عن ادعاء الوصاية، ولنُحسن الإصغاء، ولنجعل من الوطن مسؤولية مشتركة لا وسيلة للارتقاء الشخصي. فالأوطان لا تُدار بالصخب، بل بالهدوء والعقلانيه


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد