"​نبضُ الحرية"

"​نبضُ الحرية"

25-05-2026 01:06 AM



​الاستقلالُ ليس تاريخاً في سجلاتِ الزمان، ولا حبراً باهتاً على ورقِ المعاهدات.. هو نَفَسٌ يملأ الرئةَ حين تدركُ أنَّك حرّ.
​أتأملُ ذلك الفجرَ البعيد، الخامس والعشرين من أيار، فأرى أرواح أجدادنا وهي تنفضُ غبارَ القيدِ عن معاصمِ الوطن. في تلك اللحظة، لم يكن الفرح مجرد ابتسامة، بل كان أشبه بإنسانٍ أُطلق سراحه فجأةً من زنزانةٍ مظلمة؛ انطلق يركضُ في الفضاء الواسع، يركضُ بكل ما أوتي من عزم، يلهثُ من شدة الفرح لا من التعب، يلهثُ وهو يشعرُ ببرودةِ الهواءِ لأول مرة في رئتيه، يلهثُ وهو ينظرُ خلفه بوجلٍ ثم يلتفتُ ليواصل ركضه الأبدي نحو أفقٍ لا حدود له. كان فرحاً يغسلُ تعبَ السنين، ويجعلُ الأرضَ تحت الأقدامِ تبدو أرحب وأجمل، فرحاً يرقصُ في العيون، ويجعلُ من الهتافِ للوطنِ صلاةً للحرية.
​لكنّ في أعماقِ هذا الفرح، يسكنُ شعورٌ آخر، رهبةٌ خفيةٌ تلاحقنا كلما نظرنا إلى الوراء؛ إنها كراهيةُ العودة. إننا ننظرُ إلى "القيد" الذي كسرناه نظرةَ من يخشى أن تُغلقَ في وجهه أبوابُ الشمسِ مجدداً. نحن نكرهُ في القيدِ كلَّ ما يحدُّ من طموحنا، نكرهُ فيه انكسارَ الروحِ أمامَ التبعية، ونرتجفُ من مجردِ فكرةِ أن نعودَ يوماً إلى حيث كان القرارُ بيدِ غيرنا، أو حيث كانت كرامتنا رهنَ إشارةٍ من خارج حدودنا. هذا الخوفُ النبيل هو الذي يجعلنا نتمسكُ باستقلالنا، ليس كذكرى، بل كعقيدةٍ لا تقبلُ المساومة.
​لذا، فإننا نكسرُ قيدَ الجهلِ بكتابٍ يرفعُ هامتنا، ونكسرُ قيدَ الحاجةِ بجهدِ أيدينا الذي يزرعُ الأرضَ ويصنعُ المستحيل. الاستقلالُ يا صديقي هو أن يكونَ عقلكَ حراً، وعملك يداً تعمرُ لا يداً تطلبُ العون. هو أن نرفضَ "الواسطة" لنصون عدالةَ القانون، لنظلَّ كما أرادنا الملكُ المؤسس حين قال: "إننا لا نستقبل الاستقلال كغاية تنتهي عندها المطالب، بل نعدّه وسيلة لعملٍ أكبر، وبناءٍ أعظم".
​والفرحُ بالاستقلال؟ هو نبضٌ يرتجفُ في صدورنا كلما رأينا عَلَمنا يطاولُ السحاب، هو شعورٌ بالانتماءِ لأرضٍ لم تركع، ولإنسانٍ لم يهن. هو صرخةُ طفلٍ يغني للأردن، ودمعةُ فخرٍ في عينِ شيخٍ يتذكرُ ملامحَ البداية.
​الاستقلالُ هو "أنا".. وأنت.. وهو ذاك الشابُ الذي يصنعُ حلمه بيده، وتلك الفتاةُ التي تقتبسُ من نورِ العلمِ شمساً. الاستقلالُ هو أن نكسرَ قيدَ الخوفِ من المستقبل، ونمضي كأننا الريح، نحملُ في قلوبنا فرحاً لا ينطفئ، وعهداً أبدياً: لن يعودَ القيدُ يوماً، ولن تنحني الهامةُ أبداً.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد