الهيمنة الثقافية: من يكتب قواعد اللعبة؟

الهيمنة الثقافية: من يكتب قواعد اللعبة؟

11-07-2026 09:54 AM

أحياناً تكشف مباراة كرة قدم عن طريقة تفكير العالم أكثر مما تكشفه كتب السياسة. فما إن يحقق فريق أو دولة من خارج الدائرة التقليدية للقوى الكبرى إنجازاً لافتاً، حتى يبدأ التشكيك في استحقاقه أو البحث عن تفسير استثنائي له، وكأن النجاح أكثر قابلية للتصديق إذا جاء من الأسماء المعتادة، وأقل قبولاً إذا جاء من غيرها.

ولست من المتابعين المهووسين بكرة القدم، لكن ما شهدناه في الأيام الماضية يقدّم مثالاً على هذه الفكرة يصعب تجاهله. فقد أثارت مباراة منتخب مصر أمام الأرجنتين والتي انتهت بخسارته نقاشاً واسعاً، ليس بسبب النتيجة وحدها، بل بسبب قرارات تحكيمية رأى كثيرون أنها أثرت في مجريات اللعبة. وأعتقد ما بقي عالقاً في الأذهان لم يكن "الريمونتادا" وحدها، بل قرارات تحكيمية أثارت اعتراضات لم تهدأ بين هدف مصري ملغى بتدخل مثير للخلاف من تقنية الفيديو الى ركلة جزاء طالب بها كثيرون لمحمد صلاح قبل هدف الفوز لم تُحتسب. ووصف نجوم عالميون ما جرى بالظلم، كما انتقد حكام دوليون عدم الاتساق في تطبيق القوانين، حتى أعلن الاتحاد الدولي لكرة القدم فتح "تحقيق" في أداء الحكم. وليس هذا الأول من نوعه؛ ففي كأس العالم 2022، حين أزاح المنتخب المغربي إسبانيا والبرتغال وبلغ نصف النهائي، كانت الدهشة على وجوه كثيرين لافتة بحد ذاتها، وكأن وصول منتخب عربي وإفريقي إلى تلك المرحلة يحتاج إلى تفسير لا يُطلب من غيره.

بالطبع، لا تُحسم المباريات بالهيمنة الثقافية، بل بالأداء في الملعب. لكن ردود الفعل على هذه المباريات، والسرعة التي يُقبَل بها نجاح بعض المنتخبات فيما يُستغرب من غيرها، تطرح سؤالاً يتجاوز الرياضة. وقد يساعد مفهوم "الهيمنة الثقافية" الذي طرحه المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي على فهم جانب من هذه الظواهر؛ فخلاصته أن القوة لا تقوم على الاقتصاد أو السلاح وحدهما، بل على القدرة على جعل رؤية معينة للعالم تبدو وكأنها الرؤية الطبيعية الوحيدة. ومن يملك أدوات صياغة المعايير، يملك تبعاً لذلك القدرة على تحديد من يستحق الفوز، ومن تكون هزيمته أكثر قبولاً. وحين تتراكم هذه المعايير عبر السنين، تتحول إلى مسلّمات يصعب مساءلتها في كثير من الأحيان.

ولا يقتصر الأمر على الرياضة. ففي الأدب والسينما والجامعات والإعلام، كثيراً ما تُقاس قيمة الأفكار والأعمال بجهة صدورها قبل مضمونها. وقد يحظى كتاب صدر عن جامعة غربية مرموقة باهتمام يفوق كتاباً لا يقل عنه جودة نُشر في بلد غير غربي، فقط لأن المؤسسة التي تقف وراءه تمتلك رصيداً تاريخياً من النفوذ والرمزية. فالهيمنة لا تفرض نفسها بالقوة دائماً، بل عبر تشكيل معايير الاعتراف والقبول.

غير أن هذا الإدراك لا يعني رفض كل ما يأتي من الغرب، ولا الانزلاق إلى خطاب الضحية. فالحضارات تتقدم بالحوار والتبادل المعرفي، لكن الحوار المثمر هو الذي ندخله بثقة لا بعقدة نقص، وبقدرة على تقييم الأفكار بمعيار قيمتها لا بعنوان مصدرها.

والتحدي الأكبر أمام مجتمعاتنا اليوم هو أن تستعيد ثقتها بإمكاناتها. فالإبداع ليس امتيازاً جغرافياً وحكرا على فئة معينة، بل ثمرة تعليم جيد، ومؤسسات عادلة، وبيئة تتيح للعقول أن تعمل وتُكافأ. فالأمه لا تصنع مكانتها حين تكتفي باستهلاك ما ينتجه الآخرون، بل حين تصبح قادرة على إنتاج المعرفة، وصياغة سرديتها، والمشاركة في رسم صورة العالم، لا الاكتفاء بالعيش داخل السرديات التي يكتبها الآخرون.

باحث في الأدب المقارن والدراسات الثقافية


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

مباراة المغرب وفرنسا .. صدام الثأر والحلم العربي والقنوات الناقلة والبث المباشر

مقتل أميركية في إيرلندا .. البحث عن أردني غادر البلاد قبل اكتشاف الجريمة

قبول الدخالة في قضية طالب التوجيهي فهد أبو شايب .. والأردنيون ينتظرون العدالة

زوجة قتلت زوجها ودفنته في ابو نصير .. تفاصيل صادمة

السلامي يوجّه رسالة مؤثرة للأردنيين بعد رحيله

جريمة مروعة في الموقر .. تفاصيل مقتل الطفل عبد الحكيم على يد حدث

بعد الجدل .. نقابة الفنانين الأردنيين تعلق قرار شطب 46 عضوًا بينهم صبا مبارك

التربية تكشف تفاصيل تصحيح الرياضيات وتطمئن طلبة التوجيهي

خالد البكار يعيد القضية إلى الواجهة .. قراءة في التطورات وتداعياتها السياسية

مصر تودع كأس العالم وسط جدل تحكيمي .. ماذا قالت الصحافة الأرجنتينية عن حسام حسن؟

وظائف شاغرة ومدعوون للاختبار التنافسي في الحكومة .. تفاصيل

وفاة الإعلامي سعود العتيبي بحادث سير مروع

هيئة البث: إسرائيل ترفض تجديد اتفاقية المياه مع الأردن

إنهاء خدمات مدير عام المركز الوطني للبحوث الزراعية إبراهيم الرواشدة

شاب يشعل النار في جسده بجرش .. والبطالة تعود إلى الواجهة