المنتخب الأرجنتيني بين أسطورة «الدولة البيضاء» وعنصرية التبييض الرياضي

المنتخب الأرجنتيني بين أسطورة «الدولة البيضاء» وعنصرية التبييض الرياضي

07-07-2026 11:59 PM


لا أتابع كرة القدم إلا بحثاً عن جمال الأداء وروح المنافسة، غير أن أي سلوك يحمل نزعة عنصرية أو يمس القضية الفلسطينية يحوّل المباراة، بالنسبة إليّ، من مجرد حدث رياضي إلى امتحان أخلاقي وموقف سياسي.
لذلك، يبقى قلبي مع المنتخب المصري في مواجهته المرتقبة أمام الأرجنتين؛ ليس فقط انحيازاً لكرة عربية، بل لأن هذه المباراة تجاوزت حدود المستطيل الأخضر، بعد أن اكتسبت أبعاداً سياسية وإعلامية على خلفية المواقف المتباينة من الحرب على غزة. وقد زاد من هذا الجدل تداول وسائل إعلام إسرائيلية ومعلقين مقربين من الحكومة دعواتٍ صريحة إلى فوز الأرجنتين، بوصفه انتصاراً رمزياً في مواجهة الرسائل المؤيدة لفلسطين التي رافقت مشوار المنتخب المصري في البطولة،
ومن هنا يبرز الجدل حول المنتخب الأرجنتيني، الذي يُنظر إليه بوصفه انعكاساً لصورة الأرجنتين التاريخية كـ«دولة أوروبية» في أمريكا اللاتينية، في ظل الغياب شبه الكامل للاعبين من أصول أفريقية عن تشكيلته. ويقود المنتخب ليونيل ميسي، الذي أثارت زياراته إلى "إسرائيل" وحائط المبكى وعقود الرعاية مع شركات إسرائيلية انتقادات واسعة، رغم تأكيده أن علاقاته تقتصر على الجوانب التجارية، مستشهداً بإلغاء المنتخب مباراة ودية في القدس عام 2018 استجابة لحملات المقاطعة. وعلى النقيض، بقي دييغو مارادونا رمزاً للموقف المؤيد لفلسطين، حين أعلن خلال لقائه الرئيس الفلسطيني في موسكو عام 2018 على هامش كأس العالم: «قلبي فلسطيني».
لكن هذا الجدل يتجاوز كرة القدم إلى سؤال أعمق يتعلق بالهوية الأرجنتينية وكيف تشكلت صورة «الدولة البيضاء» التي تجلت بطابع المنتخب الأرجنتيني.
*من الإبادة إلى صناعة الهوية
لم تكن الأرجنتين أرضاً خالية عند وصول الإسبان، بل موطناً لشعوب أصلية، أبرزها شعب المابوتشي الذي حافظ على لغته وثقافته ورفض الخضوع للاستعمار. وخلال ما عُرف بـ«حملة الصحراء» في أواخر القرن التاسع عشر، تعرضت هذه الشعوب للقتل والتهجير والاستعباد، فيما كادت شعوب أخرى، مثل التيهويلتشي، تختفي بالكامل.
وترى الباحثة الأرجنتينية بيلار بيريز، أستاذة التاريخ بجامعة ريو نيغرو، أن محو ذاكرة المابوتشي كان جزءاً من مشروع سياسي هدف إلى تكريس صورة الأرجنتين بوصفها دولة أوروبية بيضاء.
ولم يقتصر الأمر على القوة العسكرية، بل امتد إلى الخطاب الرسمي؛ إذ أثارت تصريحات وزير التعليم الأسبق إستيبان بولريتش عام 2016، حين وصف إصلاح التعليم بأنه "حملة الصحراء الجديدة"، انتقادات واسعة باعتبارها امتداداً لخطاب يبرر السياسات الاستيطانية.
*مشروع «التبييض»
كرّس دستور 1853 تشجيع الهجرة الأوروبية، فاستقبلت البلاد بين عامي 1860 و1914 أكثر من ستة ملايين مهاجر، معظمهم من إيطاليا وإسبانيا وألمانيا، الأمر الذي غيّر البنية السكانية بصورة جذرية.
وترافق ذلك مع تغييب السكان الأصليين والأفارقة من المناهج الدراسية والإعلام الرسمي، وترسيخ سردية تقول إن «الأرجنتين جاءت من السفن الأوروبية»، وهي رواية لا تزال حاضرة في الوعي الوطني حتى اليوم.
*العنصرية في الحاضر
ورغم تغير الزمن، تشير دراسات صادرة عن جامعة بوينس آيرس إلى استمرار التمييز ضد المهاجرين القادمين من بوليفيا وباراغواي وبيرو في العمل والتعليم والحياة اليومية.
كما شهدت الملاعب الأرجنتينية وقائع أثارت انتقادات دولية، من بينها إيقاف مشجعين أرجنتينيين في بطولة «كوبا ليبرتادوريس» عام 2025 بسبب إساءات عنصرية للاعبين برازيليين، إضافة إلى التحقيق في مقطع فيديو ظهر فيه إنزو فرنانديز مع عدد من زملائه وهم يرددون هتافات اعتُبرت مسيئة للاعبي المنتخب الفرنسي من أصول أفريقية.
وتكشف هذه الوقائع أن النقاش حول العنصرية في الأرجنتين لم يعد مجرد قضية تاريخية، بل ما يزال حاضراً في الواقع الرياضي والاجتماعي.
*الأرجنتين وإسرائيل... جذور قديمة وتقارب جديد
تضم الأرجنتين أكبر جالية يهودية في أمريكا اللاتينية، واعترف الرئيس خوان بيرون بدولة الاحتلال اٌسرائيلي عام 1949، لكنه في الوقت نفسه سمح باستقرار عدد من النازيين الفارين، وفي مقدمتهم أدولف أيخمان الذي اختطفه الموساد عام 1960.
ومن اللافت أن تيودور هرتزل كان قد طرح في كتابه "الدولة اليهودية" عام 1896 خيار إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين أو الأرجنتين، قبل أن تستقر الحركة الصهيونية على المشروع الفلسطيني، رغم وجود مستعمرات زراعية يهودية أُنشئت في الأرجنتين منذ عام 1891.
ومع وصول الرئيس خافيير ميلي إلى السلطة، دخلت العلاقات الأرجنتينية الإسرائيلية مرحلة غير مسبوقة؛ إذ أعلن ما يسمى "إسرائيل" شريكاً استراتيجياً، وصنّف حركة حماس منظمة إرهابية، وصوت ضد منح فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة، وتعهد بنقل السفارة الأرجنتينية إلى القدس، كما أطلق مبادرة «اتفاقيات إسحاق» لتعزيز التعاون بين إسرائيل ودول أمريكا اللاتينية.
وقد أشاد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بهذه المواقف، في حين يرى محللون في صحف إسرائيلية أن هذا التقارب يرتبط بشخص ميلي أكثر من كونه تحولاً دائماً في السياسة الأرجنتينية، وهو ما قد يتغير مع أي انتقال للسلطة.
في المقابل، شهدت مدن أرجنتينية عديدة مظاهرات حاشدة تندد بالحرب على غزة، وتطالب بقطع العلاقات مع إسرائيل، على خلفية الاتهامات الموجهة إليها بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب بحق الفلسطينيين، في ظل الدعاوى المنظورة أمام محكمة العدل الدولية، ومذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق عدد من المسؤولين الإسرائيليين. ويعكس ذلك تباينًا واضحًا بين الموقف الرسمي للحكومة الأرجنتينية والرأي العام في البلاد.
وأخيراً فإن غياب اللاعبين السود عن المنتخب الأرجنتيني ليس مجرد مصادفة رياضية، بل هو امتداد لمسار تاريخي طويل ارتبط بسياسات الإقصاء وإعادة تشكيل الهوية الوطنية.
ورغم أن الأرجنتين ستظل واحدة من أبرز القوى الكروية والثقافية في العالم، فإن فهم هذه الصورة يقتضي العودة إلى تاريخها بكل ما يحمله من تناقضات، حيث تتجاور كرة القدم مع أسئلة الهوية، والإبادة، والهجرة، والسياسة، في قصة ما تزال آثارها ماثلة حتى اليوم.
7 يونيو 2026



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

حين خرجت مصر من البطولة… ودخلت التاريخ

أسعار برنت تصعد 3 بالمئة إلى 74 دولارا مع تجدد توتر هرمز

الأمم المتحدة: استمرار عمليات النزوح قرب الخط الأصفر في غزة

ألعاب أطفال تتحول إلى خطر قاتل عند تسخينها .. أطباء يحذرون!

المبادرة الفلسطينية: واشنطن لم تتخذ إجراءات جدية تجاه الاعتداءات الاستيطانية

مواجهة حادة بين حسام حسن ومشجع أرجنتيني استفزه بعلم إسرائيل

المنتخب الأرجنتيني بين أسطورة «الدولة البيضاء» وعنصرية التبييض الرياضي

الفساد .. النبع الذي يغذي اقتصاد الظل وغسل الأموال

فيدان يشارك في اجتماع مصغر على هامش قمة الناتو بأنقرة

محامٍ متقاعد يستكشف FT Mining وخدمات التعدين السحابي ذات العوائد المحتملة

حسام حسن يرجع الهزيمة لأسباب تسويقية .. وزيكو يرى المونديال موجها

رئيسة وزراء الدنمارك: غرينلاند ليست للبيع

الأردن يدين الاعتداء على ناقلة سعودية في مضيق هرمز

فضل شاكر أمام مرحلة مفصلية في قضيته مع اقتراب البت بطلبات إخلاء سبيله

السعودية تدين استهداف إيران ناقلتي نفط سعودية وقطرية في مضيق هرمز

موعد مباراة المغرب وكندا في كأس العالم 2026 .. التوقيت في الدول العربية والقنوات الناقلة والبث المباشر

ذهب وملابس داخلية ذهبية تهز العراق .. ماذا يحدث؟

قبول الدخالة في قضية طالب التوجيهي فهد أبو شايب .. والأردنيون ينتظرون العدالة

مباراة المغرب وفرنسا .. صدام الثأر والحلم العربي والقنوات الناقلة والبث المباشر

استقالة خالد البكار .. هل تؤسس أول استقالة بسبب تضارب المصالح لمرحلة جديدة من المساءلة الحكومية؟

موعد مباراة مصر وأستراليا في كأس العالم 2026 .. التوقيت والقنوات الناقلة والبث المباشر

التربية تكشف تفاصيل تصحيح الرياضيات وتطمئن طلبة التوجيهي

خالد البكار يعيد القضية إلى الواجهة .. قراءة في التطورات وتداعياتها السياسية

جريمة مروعة في الموقر .. تفاصيل مقتل الطفل عبد الحكيم على يد حدث

زوجة قتلت زوجها ودفنته في ابو نصير .. تفاصيل صادمة

علاقة مثلية بين طالبة وعميدة جامعة متزوجة تهز الوسط الأكاديمي .. صور

هيئة البث: إسرائيل ترفض تجديد اتفاقية المياه مع الأردن

إقامة إلزامية وتعليمات جديدة .. تفاصيل معادلة الشهادات بالأردن

شاب يشعل النار في جسده بجرش .. والبطالة تعود إلى الواجهة

أردنيون غير راضين عن أسعار المحروقات الجديدة رغم تراجع النفط عالميًا