اتفاق لبنان بين مطرقة المقاومة وسندان المشروع الإسرائيلي

اتفاق لبنان بين مطرقة المقاومة وسندان المشروع الإسرائيلي

05-07-2026 07:45 PM

لسنا هنا بصدد الحديث عن لبنان الذي رسمه الرحابنة في الوجدان العربي، ذلك لبنان الذي تغنّت به فيروز، حيث يعانق الجبل البحر، وتنام القرى على أنغام الناي، ويجد الإنسان في الحلم ملاذًا كلما اشتدت عليه قسوة الواقع. لقد عرفته عن قرب عندما زرته عقب حرب يوليو 2006، ورأيت كيف استطاع، رغم جراحه، أن يحتفظ بشيء من روحه التي أسرت الذاكرة العربية. غير أن ذلك لبنان، بكل جمال صورته ورمزيته الثقافية، أصبح اليوم أسير تحولات سياسية وأمنية عميقة، تجاوزت حدود الرومانسية الوطنية إلى صراع مفتوح بين المحاور الإقليمية والدولية، حتى غدا ميدانًا لإعادة رسم خرائط النفوذ وموازين القوة في المشرق العربي.
إننا نتحدث عن لبنان آخر، تشكلت ملامحه الحديثة من رحم الحرب الأهلية، وعن أجيال سياسية وأمنية وُلدت في أتون الصراع الذي اندلع عام 1975، وترعرعت خلال سنواته الطويلة، ثم أعادت إنتاج نفسها بعد اتفاق الطائف، لتدخل اليوم مرحلة جديدة من إعادة التموضع في ظل التحولات التي يشهدها الإقليم منذ الحرب على غزة، وانهيار كثير من قواعد الاشتباك التقليدية.
في هذا السياق، يدخل لبنان مرحلة سياسية شديدة الحساسية عقب توقيع اتفاق الإطار مع الاحتلال الإسرائيلي برعاية أمريكية، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من أن يتحول هذا الاتفاق إلى بوابة لإعادة تشكيل المشهد اللبناني بما يخدم المشروع الإسرائيلي أكثر مما يخدم استقرار لبنان وسيادته. وقد لفتت صحف غربية، من بينها واشنطن بوست وفايننشال تايمز، إلى أن المرحلة المقبلة ستكون اختبارًا لقدرة الدولة اللبنانية على فرض سلطتها في الجنوب، وسط استمرار التنافس بين الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية وتعقيدات الواقع اللبناني.
ولا تنفصل هذه التطورات عن الرؤية الأمريكية الأشمل لإعادة هندسة الإقليم، إذ سبق للرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن دعا الرئيس السوري أحمد الشرع إلى مواجهة حزب الله ضمن ترتيبات إقليمية جديدة، إلا أن دمشق، ووفق ما تداولته تقارير إعلامية غربية، فضّلت عدم الانخراط في هذا المسار، في ظل اعتبارات داخلية وإقليمية كان للموقف التركي تأثير واضح فيها، الأمر الذي أبقى لبنان الساحة الأكثر عرضة لمحاولات استنزاف المقاومة عبر أدوات سياسية وأمنية داخلية.
وتشير المعطيات إلى أن الاتفاق لم يحقق إجماعًا داخليًا، بل فتح الباب أمام مواجهة سياسية ودستورية واسعة بين القوى المؤيدة والمعارضة، وسط تحذيرات من محاولات استغلال الانقسام الداخلي لإحداث شرخ بين الدولة والمقاومة، أو الدفع نحو صدامات قد تمتد تداعياتها إلى سوريا وتركيا عبر محاور إقليمية مشبوهة تسعى إلى خلط الأوراق وإعادة إنتاج الفوضى في المشرق العربي.
وفي هذا السياق، يقود رئيس مجلس النواب نبيه بري، بالتنسيق مع حزب الله، حراكًا سياسيًا يهدف إلى عرقلة تمرير الاتفاق بصيغته الحالية، مع التشديد على حماية السلم الأهلي ورفض تحويل لبنان إلى منصة لتنفيذ الأجندة الأمريكية والإسرائيلية.
وقد جاءت اللقاءات التي عقدها بري مع عدد من الشخصيات السياسية، وفي مقدمتها رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل، في إطار بناء موقف وطني يرفض الانزلاق نحو الفتنة الداخلية، ويؤكد أهمية دعم الجيش اللبناني باعتباره المؤسسة الضامنة لوحدة البلاد.
وفي موازاة ذلك، برزت محاولات لاستهداف قائد الجيش العماد رودولف هيكل عبر حملات إعلامية وضغوط سياسية متزايدة، الأمر الذي دفع بري وقوى سياسية أخرى إلى توفير غطاء وطني للمؤسسة العسكرية، ورفض أي محاولة لجرها إلى مواجهة مباشرة مع حزب الله أو بيئته الحاضنة، إدراكًا لما قد يترتب على ذلك من تداعيات خطيرة على وحدة الجيش والاستقرار الداخلي.
في المقابل، يتمسك الرئيس جوزيف عون بالاتفاق باعتباره إطارًا تفاوضيًا لا يمس الحقوق اللبنانية، مؤكدًا أن تفاصيله التنفيذية ما تزال قيد البحث مع الجانب الأمريكي، وأن الهدف المعلن يتمثل في تثبيت الاستقرار ومنع تجدد المواجهات العسكرية.
غير أن المعركة الحقيقية تبدو متجهة نحو مجلس الوزراء، حيث ينتظر أن يشهد نقاشًا حادًا حول الصيغة النهائية للاتفاق، خصوصًا أن إقراره يتطلب موافقة الحكومة على ترتيبات أمنية وعسكرية تتجاوز مجرد إعلان المبادئ.
وتزداد المخاوف مع التصريحات التي أطلقها السفير الإسرائيلي في واشنطن، يحيئيل لايتر، الذي تحدث صراحة عن استعداد الجيش اللبناني لمواجهة حزب الله، وربط ذلك بإعادة هيكلة داخل المؤسسة العسكرية. وتكشف هذه التصريحات أن الهدف الإسرائيلي يتجاوز تثبيت وقف إطلاق النار أو تنظيم الترتيبات الأمنية، ليصل إلى محاولة تفكيك قوة المقاومة عبر توظيف الجيش اللبناني في مواجهة داخلية، وهو ما يرفضه قطاع واسع من اللبنانيين. وقد أشارت صحيفة هآرتس إلى أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تنظر إلى الجيش اللبناني باعتباره أحد المفاتيح الرئيسية لإنجاح أي ترتيبات مستقبلية في الجنوب، مع إدراكها أن نجاح هذا الخيار يبقى رهين التوازنات اللبنانية الداخلية.
وفي الوقت نفسه، تتمسك إسرائيل بشروط تجعل أي انسحاب من الجنوب مرهونًا بسيطرة الجيش اللبناني الكاملة على المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني ومنع أي وجود مسلح لحزب الله، بما يعكس استمرار الرؤية الإسرائيلية القائمة على تجريد لبنان من عناصر قوته قبل تنفيذ أي التزامات مقابلة. كما نقلت جيروزاليم بوست عن أوساط إسرائيلية أن أي تفاهم مستقبلي يجب أن يقود إلى تقليص القدرات العسكرية لحزب الله بصورة دائمة، وهو ما يفسر جانبًا من التشدد الإسرائيلي في إدارة هذا الملف.
ومن هنا، تبدو العلاقة بين الجيش اللبناني وحزب الله أمام اختبار بالغ الحساسية؛ فالجيش يسعى إلى ترسيخ سلطة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، بينما يرى حزب الله أن الضغوط الدولية تستهدف نزع سلاح المقاومة وإنهاء معادلة الردع التي فرضها على الاحتلال خلال العقود الماضية.
ورغم هذا التباين، يحرص الطرفان حتى الآن على تجنب أي صدام مباشر، إدراكًا لما قد يقود إليه من تفكك داخلي لن يكون المستفيد الأول منه سوى الاحتلال الإسرائيلي. وقد رأت مجلة الإيكونوميست أن استقرار لبنان سيظل رهينة قدرة القوى المحلية على إدارة خلافاتها دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية.
إن أخطر ما يواجه لبنان اليوم لا يتمثل في الاتفاق بحد ذاته، وإنما في احتمال توظيفه لإعادة رسم موازين القوى الداخلية بما يفتح الباب أمام صراعات أهلية ومذهبية، ويمنح إسرائيل فرصة لتحقيق ما عجزت عن فرضه بالحرب العسكرية.
ومن هنا، فإن نجاح اللبنانيين في حماية وحدتهم الوطنية، وصون المؤسسة العسكرية من الاستقطاب، ومنع استدراج البلاد إلى مواجهة داخلية، سيبقى العامل الحاسم في إفشال أي مشروع يستهدف إعادة هندسة لبنان سياسيًا وأمنيًا بما يتوافق مع المصالح الإسرائيلية، ويمنع في الوقت ذاته انتقال شرارة الفوضى إلى سوريا وتركيا وبقية ساحات الإقليم. فالتجارب أثبتت أن الحروب العسكرية قد تعجز أحيانًا عن تحقيق أهدافها، بينما تستطيع الانقسامات الداخلية أن تمنح الخصوم ما عجزوا عن انتزاعه بالقوة، وهو ما يجعل الحفاظ على التماسك الوطني اللبناني اليوم معركة لا تقل أهمية عن أي مواجهة على الحدود.
7 يوليو 2026


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الإمارات: قتيل و8 جرحى في هجوم إيراني على ناقلات بمضيق هرمز

ترامب بشأن إيران: نشن هجوما كبيرا آخر الليلة

دوي سلسلة انفجارات في كييف بعد تفعيل صافرات الإنذار

انفجارات في كيش وبندر عباس تزامنا مع ضربات أميركية ضد إيران

الجيش الأميركي يعلن بدء ضربات جديدة على إيران

إصابة شخصين بانفجار قنبلة يدوية قديمة في العاصمة

الاتحاد الأوروبي يخصص 310 ملايين يورو لدعم السلطة الفلسطينية

الجامعة الأردنية تستضيف نخبة علماء العالم بملتقى الأستاذة الفخريين

انطلاق معسكرات التوعية المرورية في مراكز شباب العاصمة

ترامب: ستتلقى إيران ضربات قاسية الليلة وغدا

من مضارب بني صخر مبادرة خليفات وتحويل الحوار إلى مشروع وطني

واشنطن تسعى لفرض عزلة دبلوماسية على المحكمة الجنائية الدولية

دول أوروبية تؤيد حظر واردات المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية

انفجارات تهز بندر عباس وتفعيل الدفاعات الجوية جنوبي إيران

لمدة 3 أيام .. البعثات الأميركية في الإمارات تعلّق خدماتها القنصلية

مقتل أميركية في إيرلندا .. البحث عن أردني غادر البلاد قبل اكتشاف الجريمة

وفاة سيدة أثناء الولادة تستنفر الأجهزة الأمنية في إربد

بعد مقتل جيمي كارني .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يصدر بيانًا رسميًا

زوجة قتلت زوجها ودفنته في ابو نصير .. تفاصيل صادمة

السلامي يوجّه رسالة مؤثرة للأردنيين بعد رحيله

هيفاء وهبي تصل الأردن وتشعل الاهتمام قبل حفل الليلة .. ومفاجأة تجمعها بسانت ليفانت

جريمة تهز المواقع .. قتلت زوجها لأنه يحبها ويهتم بها .. صورة

استقالات مفاجئة تهز مجلس جامعة اليرموك .. ومصادر تكشف كواليس الخطوة

مصر تودع كأس العالم وسط جدل تحكيمي .. ماذا قالت الصحافة الأرجنتينية عن حسام حسن؟

وفاة الإعلامي سعود العتيبي بحادث سير مروع

مدعوون لاختبار التوظيف في التربية .. التفاصيل

أول ثمار "مجلس السلام " خمط .. ؟

قتيل واصابة بمحافظة جرش

تحذير من إحداث بلبلة والطعن في الغذاء الأردني عند إغلاق منشأة

بعد المصادقة على حبسه .. الرياطي يفقد عضويته في النواب