حرجٌ على أعتاب الفرح

حرجٌ على أعتاب الفرح

28-05-2026 01:16 PM

​في صبيحة يومٍ يُفترض به أن يكون عنواناً للفرح، وحيث تتهيأ البيوت لاستقبال بهجة العيد بضحكات الصغار وأثوابهم الزاهية، كنتُ أقفُ على الجانب الآخر من المشهد، حيث الحكايةُ لا تُكتب بمدادِ الفرح، بل بمرارةِ الواقع.
​طرقت بابي فتاةٌ في الخامسة عشرة من عمرها، لكنها تحملُ على كتفيها هماً لا يشبهُ عمرها الغض؛ فقد رمتها الحياةُ في تجربة "الزواج المبكر"، لتصبح اليوم زوجةً غارقة في تفاصيل الحاجة، ومعها أختها الصغيرة التي لا تزالُ طفلةً غضة، كلاهما تمتهنان التسول في هذا الصباح. كانت ملابسهما مرتبةً بإتقان، محاولةٌ بائسةٌ لترميم واجهة الفقر، وإخفاءِ شقوقِ الحاجة خلفَ قناعٍ من كبرياءِ المتسول الذي يحاول أن يسترَ فاقته.
​ثم جاءت اللحظة التي لم أكن مستعداً لها. "هل معك عيدية؟".. سألت الصغرى ببرائتها المعهودة. في تلك اللحظة، تجمدت في مكاني، وشعرتُ بغصّةٍ خانقة؛ لم يكن الحرجُ لبخٍ في نفسي، بل كان عجزاً مريراً ينهشُ روحي؛ فقد كنتُ مثلهما تماماً، أقفُ على الضفةِ ذاتها من الفاقة، لا أملكُ في جيبي ما أجبرُ به كسرَ خاطرهما، ولا في يدي ما أهديه ليطفئ لظى احتياجهما، وأنا الذي كنت أحلمُ أن أكون يداً ممدودة بالعطاء لا يداً تنتظر الفرج.
​في تلك اللحظة، رأيتُ شيئاً لا يُنسى في أعينِهما؛ انطفأ ذلك البريقُ الخافت الذي كان يملأ وجه الطفلة، وحلَّ مكانهُ انكسارٌ عميق، بينما نظرت إليّ الزوجةُ الصغيرة بنظرةٍ مُثقلةٍ بالخيبة، تلاشت معها كلُ محاولاتِ التظاهر بالثبات. رأيتُ فيهما "كسرة" لا تُجبر، حين أدركتا أنَّ هذا الباب أيضاً -مثل غيره- لن يفتحَ لهما نافذةً للفرح. انسحبتا بهدوء، تاركتين خلفهما ثقلاً في صدري، وعجزاً ينهشُ ما تبقى من كبريائي.
​يا لهذا الشعورِ القاسي! أن يحمل الإنسان قلباً يفيضُ رغبةً في الجود، بينما تكبله أغلال العجز. أن تحلم بأن تكون سبباً في ذبح أضحية تُدخل السرور على قلب مسكين، فتجدُ أن ثمنها أبعدُ من سقفِ طموحك، فتكتفي بدمعةٍ حبيسةٍ ترفضُ السقوط. وتراودني في تلك اللحظات ألف غصةٍ وتساؤل: متى ستنفرجُ هذه الغمة؟ متى سيصلحُ الحال وتتبدلُ الأحوال، لأخرجَ من دائرةِ الاحتياج إلى رحابةِ العطاء؟ متى يأتي ذلك اليوم الذي أكون فيه قادراً على دفعِ تكاليف العيد، لا أعتذرُ فيه عن "عيديةٍ" بسيطة، بل أكون سبباً في زرعِ فرحةٍ غامرةٍ في قلوبِ من يطرقون بابي؟
​إننا يا صديقي نعيش في عالمٍ يقدسُ القشور؛ ننفقُ أعمارنا وأموالنا في استعراضٍ زائفٍ للبهجة، ونحرقُ مواردنا في كمالياتٍ لا تسمن ولا تغني من جوع، بينما نغض الطرف عن أرواحٍ كُسرت تحت أثقال الحياة. لقد أدركتُ أن العيد ليس في الملابس الجديدة التي نتباهى بها، بل هو في انتشال "عروسٍ طفلة" من مهانة التسول، وفي ستر "أختها الصغيرة" من جحيم الحاجة. إنَّ حرجنا حين نعجز عن العطاء ليس إلا صدىً لتخاذلنا الاجتماعي؛ فنحن لا نملكُ المال لأننا استنزفناه في تفاهاتٍ برّاقة، وتركنا الجوهر يذبل.
​يا لهذا التناقض المرير! نذبحُ الأضاحي ونتحدث عن التراحم، بينما "أضاحي الحياة" الحقيقية، من الفتياتِ الصغيراتِ اللواتي سُلب منهنَّ طفولتهنَّ، يقفنَ على أعتابنا يستجدينَ فتاتَ عيدٍ لا نملكُه. فليكن عيدنا القادم صحوةً، لا مجرد طقسٍ عابر؛ فالعيد الحقيقي ليس لمن يملك الثوب الجديد، بل لمن يملكُ قلباً يرفضُ أن يرى الطفولة تُباع في أسواق الحاجة، وعيناً لا تنامُ حتى تعيدَ للكرامةِ بريقها المهدور.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد