الشذوذ الجنسي في الحضارة الأندلسية

الشذوذ الجنسي في الحضارة الأندلسية

06-06-2026 11:42 PM

تُمثل بعض الخطايا والمسالك في جوهرها هدمًا للفطرة الإنسانية السوية، وانقلابًا دمويًا على منطق الطبيعة ومسار الحياة النقي، وتأتي في مقدمة هذه الموبقات تلك الفاحشة الشنيعة التي لطخت تاريخ قوم نبي الله لوط—على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام. إن مجتمعاتنا العربية والإسلامية، في عموم بنيتها الثقافية والقيمية والنفسية، تستنكر هذا الفعل تلقائياً، وتأنف منه العقول والنفوس السليمة التي لم تتبدل قيمها؛ بل إن المرء منا ليتأمل جدران التاريخ وصحائف الوحي، فيكاد يجزم بأنه لولا أن الله سبحانه وتعالى قد قصّ علينا نَبأهم في محكم تنزيله كعبرة للمعتبرين، لَما خُيّل إلى عاقل أن هناك بشراً يمتلك مسكة من عقل أو رذاذاً من كرامة يمكن أن يهوي في هذا المستنقع الآسن، فالنفوس الصحيحة لا تستسيغ هذه القذارة أبداً، وتنظر إليها بكراهية ونفور فطري أصيل لا يحتاج إلى تبيين.بيد أن مشهد العالم المعاصر يضعنا اليوم أمام مفارقة مريرة؛ حيث نرى كيف يُبرر الغرب، الذي يعيش أوج انهياره الأخلاقي المريع، لمرتكبي هذه الجريمة ويختلق لهم الأعذار تلو الأعذار، واصفاً إياهم بالمرضى الذين يجب مداراتهم والتربيت على أكتافهم، ومنحهم فائق الحقوق والحريات ليتسنى لهم تلويث المجتمعات النظيفة، وهدم عنصري الطهارة والأخلاق في أوساط شبابها، وتحويل الشذوذ من انحراف سلوكي فردي إلى منظومة مشروعة ومحمية بقوة القانون والبروباغندا الثقافية.وقد كان الظن السائد قبل التعمق في قراءة أدبيات التاريخ الأخلاقي، أن هذا التساهل المخزي مع هذه الشراذم القذرة هو نبتة شيطانية حصرية لزماننا هذا، وأن الغرب المنحل في العصر الحديث هو بدع في هذا الباب ولم يسبقه إليه أحد في مواراة الانحراف وتمريره؛ غير أن الصدمة المعرفية تتجلى حين يقرأ المرء في كتاب "طوق الحمامة في الألفة والألّاف" للإمام ابن حزم الأندلسي ما تشيب له الولدان، حيث يدرك القارئ أن الضعف الإنساني والتهاون المجتمعي قد يبلغان مبلغهما في أي عصر إذا غابت عين الرقابة الصارمة وحلت العاطفة الملتوية محل الإنكار القيمي.ومن أغرب ما ساقه ابن حزم في مأثوره، قصة أحمد بن كليب النحوي؛ وهو أديب وشاعر أندلسي مشهور الشعر وملأت فصاحته الآفاق، وكان يشار إليه بالبنان في مجالس العلم بقرطبة، لكنه أفرط في حب وهيام عشيقه الفتى "أسلم" إفراطاً تجاوز حدود العقل، حتى أدى به هذا الوجد المتطرف في نهاية المطاف إلى الموت كبداً وأسفاً، والأغرب من ذلك كله والأنكأ على النفس هو موقف المجتمع الذي يحتويه؛ إذ بدلاً من أن يأخذ على يديه، ويقرّعه، ويوبخه على هذا المسلك المستهجن والمجاهرة بالفاحشة، تهاون معه وتسامح لأبعد الحدود، وكأن رقة شعره شفت له عن قبيح فعله وغيبت وعي المجتمع عن استهجان الفعل.وتعود وقائع هذه الحكاية الغريبة إلى دروب قرطبة العتيقة، حيث كان يمتزج عبق الياسمين برنين القوافي في الحلقات، ويتناقلها الرواة كقطعة من أدب الوجد الصافي دون التفات كافٍ لخطورتها الأخلاقية، حيث يرويها لنا محمد بن الحسن المذحجي مسترجعاً أياماً خلت كان فيها طلبة العلم يغدون ويروحون إلى مجلس الشيخ أبي عبدالله محمد بن خطاب النحوي طلباً لعلوم اللسان العربي ومقاييس البلاغة.وكان من بين رفاق ذلك المجلس شاب يدعى أبو الحسن أسلم بن أحمد، وهو سليل بيت قضاء ورفعة ومجد حظي باحترام الجميع، ويذكر الرواة في وصفه أنه كان فتنة تمشي على الأرض، وآية في الجمال والحسن كأنما صيغ من نور خالص، وفي نفس المجلس، كان يتردد أحمد بن كليب، الشاعر البارع رقيق الحاشية، الذي لم تكن له طاقة أو مناعة إيمانية أمام ذلك الجمال، فسقط في حب "أسلم" صريعاً من أول نظرة، وامتلك الهوى مجامع قلبه حتى أضاعه ونزع عنه جلباب الحياء والتستر.ومع الأيام، اشتد الوجد بابن كليب حتى نفد صبره، واستبد به العشق حتى لم يعد يكتم سراً في صدره؛ فبدأ الأمر بأبيات يهمس بها في خلوته، لكن نار الافتتان لا تخفى وإن حُجبت، فشاعت قصائده في أزقة قرطبة وتلقفتها الألسن حتى وصلت إلى المحافل العامة وبيوت الأعراس، ويذكر الرواة أن مغنياً في عرس بقرطبة جلس يتوسط الجمع وهو يزمر ببوقه وينشد بأعلى صوته أبيات ابن كليب الشهيرة في أسلم، والتي يقول فيها:

أسلمنـــي فــــي هـــــواه أسلـم هــــذا الرشــــا
غـــــزالٌ لـــــه مُقلــة يُصـــيب بهـــا مـن يشـــا
وشــــى بيننا حاســــد سيُســـأل عمّـــا وشـــى
ولو شاء أن يرتشي على الوصل روحي ارتشى

وحين بلغ هذا الخبر مَسامع الفتى "أسلم"، وعلم أن اسمه صار يتردد في حانات الغناء ومحافل الأفراح مقترناً بهذا العشق الشاذ، اعتراه حياء شديد وضاقت به الدنيا بما رحبت؛ فما كان منه إلا أن اتخذ قراراً قاطعاً بالانقطاع عن مجالس العلم وهجر رفاقه، ولزم بيته لا يبرحه أبداً تلافياً للفضيحة والمواجهة، مكتفياً بالجلوس عند بابه في أوقات الخلوة لعل ضيق صدره ينجلي وتخبو نار الأحدوثة التي طالت عرضه.أما العاشق الولهان، أحمد بن كليب، فلم يزده هذا الصد والانقطاع إلا إصراراً وعناداً؛ فصار يقضي بياض يومه كاملاً ذهاباً وإياباً، يذرع الطريق أمام دار معشوقه ويقتات على وهم نظرة خاطفة أو طيف يمر خلف الشقوق، غير آبهٍ بملامة لائم أو زجر زاجر، ليموت صريعاً لهذا الهوى الملتوي، تاركاً وراءه وثيقة تاريخية تكشف لنا أن التهاون المجتمعي مع بوادر الانحراف الأخلاقي ليس وليد اليوم، وأن تحصين الفطرة يتطلب حزماً قيمياً صارماً يمنع تمدد الجريمة الأخلاقية تحت أي مسمى أو مبرر.
وتستمر فصول هذه النازلة الأخلاقية في الكشف عن المدى الذي يمكن أن ينحدر إليه المرء حين يتخلى عن كرامته وفطرته في سبيل نزوة عابرة. فبعد أن تيقن أسلم أن أنفاس ابن كليب تطارده في غدوه ورواحه، لم يجد ملاذاً سوى الانحباس التام خلف جدران بيته طوال ساعات النهار، معتصماً بالظلام، فإذا جنّ الليل وهدأت حركة المارة في الأزقة، خرج إلى عتبة داره ليتنسم بعض الهواء الذي حُرم منه. بيد أن الهوى الملتوي—بما يملكه من قدرة على الترصد—قاد ابن كليب لمعرفة هذا المتنفس الليلي الوحيد، فدبّر حيلة تنم عن خروج تام عن مقتضيات المروءة والرزانة الأدبية التي يُفترض بأهل العلم التحلي بها.لقد تخلّى الشاعر عن رداء الأدباء، وتنكر في زي أهل البادية، لابسًا جبتهم الغليظة وعمامتهم الضخمة، حاملاً بين يديه دجاجاً وقفصاً مليئاً بالبيض ليظهر في صورة فلاح بسيط يقصد دار سليل القضاء في غسق الليل. ولم يقف الابتذال عند هذا الحد، بل تقدم من أسلم منحنياً وقبل يده في تذلل مهين داعياً إياه لقَبول هذه الهدية الرمزية، مدعياً بمكر أنه أحد عمال ضياعه البعيدة، مستغلاً في ذلك معرفته السابقة بأسماء ضياع أسلم وعماله لِيُحكم حبكة الخديعة.لكن الصنعة المصطنعة لا تدوم؛ فحين قبل أسلم الهدية وبدأ يستفسر منه عن أحوال الزرع والضيعة، خانت ابن كليب براعته الفصيحة، فما هو بفلاح يعلم شؤون الأرض، ولا صلة له بالزراعة. هنا تعثر الشاعر في جوابه واضطربت كلماته، مما دفع أسلم إلى تأمله ملياً تحت ضوء القنديل الشاحب حتى تبينت له ملامحه وعرف حقيقته، فصاح به بمرارة تفيض حسرة على ما آلت إليه الأخلاق، مستنكراً بلوغ الحيلة هذا الحد المقيت من التتبع والترصد، ومعتبراً أن هذا المسلك قد أفسد عليه خلوة ليله بعد أن حرمه من مجالس العلم ونهب منه حرية نهاره، مؤكداً أنه بات يعيش في سجن حقيقي بسبب هذا الإلحاح المنحرف، واختتم قوله بقسم غليظ ألا يفارق قعر منزله بعد تلك الليلة، وألا تراه عين ابن كليب قعوداً على باب أبداً.انصرف ابن كليب بعد هذا الموقف كسيراً يجر أذيال الخيبة والمهانة، وحين علم رفاقه بما جرى من سقوط خطته وضياع دجاجه وبيضه دون نيل أي وصل، لم يجدوا غضاضة في السخرية من موقفه المخزي؛ إلا أن رده عليهم جاء كاشفاً عن حالة التيه القلبي التي تملكت كِيانه، حيث أعلن بقلب لوعان أنه يفديه بكل ما يملك، وأنه لو ظفر بقبلة يده كل ليلة لخسر أضعاف ذلك بطيب نفس، وهو ما يعكس كيف يسلب الانحراف الفطري من صاحبه عزة النفس ويصيّر العزيز ذليلاً.وكشأن هذه المسالك الملتوية، لم تكن النهاية إلا وبالاً وأسى؛ إذ برّ أسلم بقسمه الصارم ولم يظهر بعدها قط، وحين يئس ابن كليب من رؤيته، انطوى على نفسه في عزلة مظلمة، فأنهكته العلة وهدّه السقم، حتى صار طريح الفراش يعاني من مرض لا يرجى شفاؤه، لأن دواءه الوحيد كان يكمن في نظرة واحدة ممنوع تداولها بحكم الدين والعرف والفطرة.وينقل لنا الشيخ أبو عبدالله محمد بن خطاب النحوي الفصل الأخير من هذه الفاجعة، وهو الذي أوجعه أن يرى تلميذه يذبل كزهرة أصابها الصقيع رغم انحراف مسلكه. يروي الشيخ أنه ذهب لعيادة أحمد بن كليب في مرضه، فلفحته نار زفراته ووجده في حال تبكي الصخر؛ جسد ناحل وعينان غائرتان ونفس متردد يشي بالوداع. وحين سأله عن سبب عزوفه عن التداوي والأطباء، أجابه ابن كليب بيأس مطبق بأن الأطباء يداوون علل الأبدان فحسب، أما علته فكامنة في الروح ولا حيلة لمخلوق فيها إلا أسلم، راجياً من شيخه أن يسعى في انتزاع زيارة منه، معتبراً إياها إحياءً لنفس أشرفت على الهلاك.ورغم بشاعة الموقف الأخلاقي، إلا أن رقة حال المريض جعلت قلب الشيخ يرق لحاله، فمضى من فوره إلى دار أسلم بن أحمد، الذي استقبله بالحفاوة والتبجيل اللذين يليقان بمقام الشيخ وعلمه. لكن ما إن علم أسلم بالغاية من هذه الزيارة حتى تغيرت ملامحه واعتصرته المرارة، مذكراً شيخه بأن هذا الرجل قد فضحه وشهر باسمه في المحافل العامة وآذاه أذى بليغاً في عرضه؛ فما كان من الشيخ إلا أن خاطبه بلهجة الواعظ الرحيم، مشيراً إلى أن جلال الموت يستوجب تجاوز مثل هذه الإساءات، وأن الرجل يلفظ أنفاسه الأخيرة وما الزيارة إلا عيادة مريض لا أكثر. وما زال الشيخ يرفق به تارة ويشتد عليه أخرى، مستدعياً وازع الشفقة، حتى انتزع منه في نهاية المطاف وعداً بزيارة ذلك الجسد المتهالك.
وعند هذا الحد من النازلة، سارع الشيخ ابن خطاب بنقل هذه البشرى إلى تلميذه المريض، فكان لوقع الكلمات أثر السحر في نفسه؛ إذ استبشر باللقاء وارتدت إليه الروح بعد طول انقطاع. وفي صبيحة اليوم التالي، توجه الشيخ لوفاء الوعد واستصحاب الفتى "أسلم" إلى هذه العيادة، غير أنه وجده واجماً متردداً، يعتصره الضيق والتحرج، معلناً لشيخه بصريح العبارة أنه يحمله على خطة صعبة تفوق طاقته وقدرته على الاحتمال؛ لما فيها من مواجهة لمسلك مستهجن تأباه مروءته ونفسه السوية.ومع ذلك، انطلق الاثنان معاً حتى ولجا الدرب الطويل الموحش الذي يقع فيه منزل ابن كليب. وفي منتصف الطريق، وأمام ضغط الموقف الأخلاقي والنفسي، توقف أسلم بغتة، واعتراه خجل شديد ارتبكت معه مشاعره، وأفصح لشيخه بصوت متهدج أنه يشعر بضيق يكاد يداهمه، وأنه عاجز عن نقل قدم واحدة نحو دار أفسدت سمْعته، ولا يطيق مواجهة موقف يكرّس الشذوذ والانحراف. ورغم محاولات الشيخ لاستمالته وتذكيره بأنهم غدوا على عتبة الدار ولم يبق إلا خطوات معدودة، إلا أن مناعة الفطرة والنفور الكامن في نفس الفتى انتصرا في نهاية المطاف؛ فانهار تماماً رافضاً التقدم، ثم التفت وأطلق ساقيه للريح هارباً من هول الموقف. وحين حاول الشيخ الإمساك ببردائه ليثنيه عن الهرب، كانت سرعة الفتى أقوى، فتمزق الرداء وبقيت قطعة منه في يد الشيخ، بينما توارى الشاب سريعاً في منعطفات الطريق، معلناً بفراره انتصار الحياء الفطري على الضغوط الخارجية.عاد الشيخ بقلب واجف وخاطر مكسور إلى حجرة المريض، في وقت كان فيه غلام ابن كليب قد استبشر برؤية القادمين من أول الدرب وبشر سيده بالوصول. ودخل الشيخ وحيداً، فشحب وجه الشاعر وانقبضت أساريره، وسأل بصوت مخنوق عن غياب "أبي الحسن"، وحين قص عليه الشيخ حقيقة الفرار وما جرى في الدرب، كانت تلك الكلمات بمثابة الضربة القاضية التي بددت أوهامه؛ إذ اشتد عليه الوجع، وبدأ يهذي بعبارات غير مفهومة، حتى استوحش الشيخ من هول المشهد وضيق العاقبة وهمّ بالقيام من مجلسه.وفي تلك اللحظات الحرجة من سكرات الموت، ناداه ابن كليب بصوت واهن، طالباً منه السماع والحفظ، لينشد بيقين المحتضر الأبيات التي كشفت عن السقوط المعرفي والعقدي المريع الذي يقود إليه الافتتان الأعمى، حيث قال:

أسلـم يــا راحــةُ العلــيلِ
رفقاً علـى الهائم النحـيلِ
وصلك أشهى إلى فؤادي
من رحمة الخالق الجلـيلِ
فزع الشيخ من هول هذه الجرأة العظيمة والشرك اللفظي المقيت، وصاح به زاجراً ومذكراً إياه بتقوى الله في مثل هذا المقام، إلا أن الشاعر أجابه بأخر رمق له في الدنيا: "قد كان ما كان"، لتكون هذه الكلمة خاتمة أفعاله ومقالاته. وخرج الشيخ من الدار والدموع تغالب عينيه أسفاً على هذه الخاتمة المأساوية، فما كاد يتوسط الدرب حتى شق سكون المدينة صراخ وعويل يعلن فياض روح أحمد بن كليب، ليوارى الثرى صريعاً لهوى ملتوي، وتُسدل الستار على قصة تاريخية مليئة بالمرارة.إن هذه النهاية الفاجعة، بما تحمله من تجرؤ على المقام الإلهي في لحظات الاحتضار، تقدم دليلاً قاطعاً على أن الانحراف الأخي والافتتان بغير الفطرة لا يقف عند حدود السلوك، بل يتمدد ليفسد العقيدة ويسلب الإنسان رشده وعقله عند الخاتمة. وهي وثيقة تاريخية تثبت أن التهاون في الإنكار المجتمعي، والتربيت على أكتاف المنحرفين تحت دعاوى المرض أو رقة العاطفة، لا يقود إلا إلى هلاك الفرد وضياع دينه، وهدم الطهارة المجتمعية التي هي صمام الأمان لكل حضارة إنسانية راشدة. [١]
ولا تقف شواهد التاريخ عند حدود الانكسار النفسي والعاطفي الذي يصيب آحاد الأدباء، بل تتعدى ذلك لتكشف كيف تسلل هذا الانحراف السلوكي إلى علية القوم ورجال السياسة والوزارة في بعض الحقب، وكيف تحول التهاون الأخلاقي إلى نوع من الترف والمجون الفكري الذي يُتداول تحت مسمى "الطرائف الأدبية". ومن ذلك ما ساقه الفقيه أبو العرب إسماعيل بن معوشة الكناني، ناقلاً عن شيخ وقور من أهل إشبيلية، بانت عليه آثار السنين ونطق شيبه بصدق الحديث حتى كأن وجهه صفحة من صفحات التاريخ الموثوقة، حيث يسترجع هذا الشيخ أيام صباه الغض حين كان في مقتبل العمر، بديع الخلقة وآية في الحسن والجمال، لا تلمحه عين رائد إلا استرقت قلبه، ولا يبصره ذو لب إلا سلبته عقله وتركته في كرب الوجد يتقلب.وفي سياق هذه المروية، يذكر الشيخ أنه كان واقفاً ذات يوم بباب داره يتأمل العابرين، وإذا بموكب مهيب يقبل كالسيل، يتوسطه الوزير الداهية والشاعر أبو بكر بن عمار، يمتطي فرساً شامخاً كأنه صخرة صماء قُدّت من أعالي الجبال. وحين حاذى ابن عمار الموكب، وقع بصره على ذلك الصبي، فاشرأب عنقه وتسمرت نظراته، وبهت أمام ذلك الحسن فما استطاع أن يجاوز مكانه إلا وقد ملكه الذهول؛ وبحركة يملؤها الدلال والمجون الشاعري المنافي لرزانة المسؤولية وهيبة المنصب، مدّ "مخصرته" التي كانت بيده—وهي سوط من خشب مزخرف—فوخز بها الصبي في صدره وخزة رقيقة، ثم ارتجل ببديهته الحاضرة بيتين من الشعر صارا فيما بعد حديث الركبان، حيث قال:

كفَّ هـذا الـنـهـدَ عنـي
فـبـقـلـبـي مـنـه جُـرحُ
هـو فـي صـدرِكَ نهــدٌ
وهو في صـدريَ رُمحُ

وقد ألقى الوزير هذين البيتين والابتسامة تعلو ثغره، ثم مضى بموكبه الرسمي تاركاً وراءه صبيّاً مبهوتاً، وأبياتاً من الغزل الشاذ بقيت تتردد في أزقة إشبيلية دهراً كدليل على الانفصال بين القيمة الأخلاقية والسلوك العام لدى بعض رموز ذلك العصر.إن هذه الحادثة، برغم إدراجها القديم في باب ملح الأدب ونوادر الشعراء، تحمل في عمقها التحليلي مؤشراً خطيراً على مظاهر الترف الأخلاقي والانحلال الذي أصاب الأندلس في عهد ملوك الطوائف (وخاصة أندلس آل عباد)؛ إذ يكشف مشهد سير الوزير بموكبه الرسمي ومجاهرته بمثل هذا الغزل العابر بـالصبيان على قارعة الطريق، عن المدى الذي وصل إليه التساهل المجتمعي مع بوادر انتكاس الفطرة. فالخطورة هنا لا تكمن في مجرد وقوع الذنب، بل في تحويله إلى مادة للتندر والافتخار الأدبي الذي يزيل الحواجز النفسية بين المجتمع وبين هذه الفواحش، وهو ما يفسر كيف تهاوت تلك الحواضر العظيمة حين فقدت حصانتها الأخلاقية، تماماً كما يسعى الغرب المعاصر اليوم إلى تطبيع هذه السلوكيات وجعلها جزءاً من الثقافة اليومية المقبولة. [٢]




الباحث في التاريخ الأندلسي


____________


[١] طوق الحمامة في الألفة والألاف – المؤسسة العربية للدراسات والنشر - ط ٢، سنة النشر: ١٩٨٧م. / ص ٣١٥ – ٣١٨.
[٢] بدائع البدائه – طبعة مصر – سنة النشر: ١٨٦١م. / ص ٢١٠ – ٢١١.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الأمن العام ينفي وقوع جريمة قتل في جرش ويحذر من الشائعات

نيويورك تايمز تنشر مشاهد استخدام إسرائيل الفوسفور الأبيض بلبنان

الولايات المتحدة ستستخدم أصول إيرانية مجمدة لتعويض حلفائها

تعليق دوام مدارس في لواء ناعور الأحد لأسباب طارئة

صراع الهدافين يشتعل في مونديال 2026 .. والأردن يترقب المنافسة التاريخية

الشذوذ الجنسي في الحضارة الأندلسية

اختتام منافسات الجولة السادسة من دوري الشابات

المنتخب الوطني تحت 20 عاما يتعثر أمام بنما وديا

تقرير رسمي يحسم الجدل حول وفاة هالك هوغان .. تفاصيل

رابطة العالم الإسلامي تدين العدوان الإيراني على البحرين والكويت

غزة .. 6 شهداء و10 جرحى بينهم أطفال بقصف إسرائيلي لخيمة نازحين

8 ضحايا جرائم قتل خلال أسبوع واحد في الأردن

الاتحاد الأوروبي يدعو إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي اللبنانية

القاضي يستقبل الحلبوسي في أول زيارة خارجية عقب توليه رئاسة البرلمان العراقي

مطران الأردن: الهاشميون الأحق بالوصاية على المقدسات في القدس

وزارة العمل تنفي أنباء متداولة بشأن البكار وتصدر توضيحاً

الأمانة تحذّر .. غرامة تصل إلى 500 دينار لمرتكب هذه المخالفة

قبيل مباراة النشامى بالمونديال .. الأردنيون على موعد مع عطلة رسمية

من 50 إلى 115 ديناراً .. تفاصيل رسوم التأمين الصحي الاختياري في الأردن

الأمن العام: حادثة الأشرفية نتجت عن خلاف بحكم الجوار

حكم بحبس أمين عام وزارة .. ما السبب

الأمن العام: وفاة مطلق النار بعد إصابة ثلاثة مواطنين في الأشرفية

درجة الحرارة تصل إلى 40 بهذه المنطقة اليوم

سؤال نيابي حول الشذوذ والتحول الجنسي داخل السجون

دائرة الإفتاء توضح أحكام "الإقالة" وإعادة المصوغات الذهبية للبائع

فاجعة في إربد .. 3 وفيات وإصابتان بحادث تصادم

وظائف شاغرة ومدعوون للاختبار التنافسي في الحكومة

الأمن العام : وفاة أحد المصابين بحادثة الأشرفية متأثرا بإصابته

بعد 6 عقود من الغياب .. ثمانيني يعود لمقاعد الدراسة لتحقيق حلمه

وفاة شاب طعناً في دير أبي سعيد والأمن يلقي القبض على الجاني