الموازي في الجامعات الأردنية، بين ضبط الإنفاق وصون الكفاءات وحماية الاستقرار المعيشي
21-07-2026 11:24 PM
لم يكن الجدل الذي رافق تعديل قانون الجامعات الأردنية مجرد خلاف حول بند مالي، بل كشف عن سؤال أعمق يتعلق بمستقبل التعليم العالي في الأردن: كيف يمكن تحقيق الانضباط المالي دون أن يكون ذلك على حساب رأس المال البشري الذي يمثل جوهر الجامعة، ودون التغاضي عن الظروف المعيشية التي يعيشها الموظفون؟ فالتعديل الذي قصر صرف الحوافز على الرسوم المحصلة من البرنامج الموازي والبرنامج الدولي لمرحلة البكالوريوس، مع استبعاد الدراسات العليا والبرامج الخاصة والاتفاقيات، فتح نقاش واسع حول فلسفة إدارة الجامعات، وحدود الحوافز، واستدامة الموارد، ودور عضو هيئة التدريس والإداري في بناء الجامعة، في وقت يئن فيه المواطن الأردني تحت وطأة التضخم وارتفاع تكاليف المعيشة.
تنطلق الحكومة في دفاعها عن التعديل من رؤية إصلاحية أوسع تتعلق بإعادة هيكلة التعليم العالي وتعزيز الحوكمة المالية. فمن وجهة نظرها، لا ينبغي أن تتحول الإيرادات الاستثنائية للجامعات إلى التزامات مالية دائمة، لأن ذلك يحد من قدرة الجامعات على الاستثمار في البنية التحتية، والبحث العلمي، والتحول الرقمي، وتحسين البيئة التعليمية، كما ترى أن توجيه جزء أكبر من الإيرادات نحو تطوير المؤسسة الجامعية يحقق منفعة عامة تتجاوز المنفعة الفردية، ويعزز الاستدامة المالية في ظل الضغوط المتزايدة على الموازنات العامة. وتستند الحكومة أيضًا إلى أن البرنامج الموازي أُنشئ بالأصل بوصفه مورد مالي لدعم الجامعات وتمكينها من مواجهة تحديات التمويل، وليس باعتباره أداة دائمة لزيادة الدخول. وبالتالي، فإن إعادة تنظيم آلية توزيع الإيرادات وربط الحوافز بضوابط أكثر صرامة ينسجم، بحسب هذا المنظور، مع مبادئ الحوكمة والشفافية وكفاءة إدارة الموارد.
ولا يمكن تجاهل أن الجامعات الرسمية تواجه تحديات مالية حقيقية نتيجة ارتفاع كلف التشغيل، وتراجع بعض مصادر التمويل، والحاجة المستمرة إلى الاستثمار في البحث العلمي والبنية التحتي، لذلك فإن الحفاظ على الوضع القائم دون مراجعة قد لا يكون خيار مستدام، كما أن الإصلاح المفاجئ قد يخلق آثار اجتماعية ومؤسسية غير محسوبة.
في المقابل، يرى أعضاء الهيئتين التدريسية والإدارية أن القضية لا تتعلق بامتيازات مالية بقدر ما تتعلق بحقوق ومراكز قانونية استقرت عبر سنوات طويلة من العمل، بل وبقدرتهم على الحفاظ على استقرارهم المعيشي في ظل موجة ارتفاع تكاليف المعيشة، فهم يؤكدون أن البرامج الخاصة والدراسات العليا لم تكن لتتوسع أو تحقق نجاحها الحالي لولا الجهد الإضافي الذي يبذله الأكاديميون والإداريون خارج نطاق واجباتهم الاعتيادية، سواء في التدريس أو الإشراف أو الامتحانات أو إدارة البرامج وخدمة الطلبة، وهنا يكمن الخطر الأكثر إلحاحاً: فالكثير من هؤلاء الموظفين والأكاديميين بنوا التزاماتهم المالية وقروضهم الإسكانية وأقساط أبنائهم الدراسية على مدى سنوات بناء على هذه المستحقات المستقرة، وفي ظل ارتفاع الأسعار وتضخم تكاليف السلع الأساسية، فإن أي اقتطاع مفاجئ أو تخفيض جذري لهذه الحوافز لن يكون مجرد نقص في الدخل، بل سيُفقد القدرة على الوفاء بالالتزامات البنكية والكمبيالات، وقد يضع بعض الأسر أمام ضغوط مالية وقانونية صعبة نتيجة الالتزامات التعاقدية والقروض التي ترتبت في ظل النظام السابق، مما يحوّل الحياة الجامعية إلى أزمة إنسانية وقانونية تهدد كرامة آلاف الأسر، وينعكس حتماً على بيئة العمل والإنتاجية.
ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن الجامعات الأردنية تواجه بالأصل تحديات متزايدة في الاحتفاظ بالكفاءات الأكاديمية والإدارية، في ظل المنافسة الإقليمية والدولية على الخبرات المؤهلة، لكن الأخطر هو أن تطبيق قرار بهذه الصورة المفاجئة، دون مراعاة الظروف الاقتصادية الاستثنائية، سيُحدث شرخ نفسي ومهني عميق؛ فالعضو الذي يشغل باله بتدبير قوته وقسط بيته بدلاً من البحث العلمي والتدريس المبدع، يتحول إلى مجرد أداة جامدة، وهنا يتراجع التعليم بشكل خطير، لأن جودة المخرجات التعليمية ترتبط ارتباط وثيق بالاستقرار النفسي والمالي للعضو التدريسي والإداري. وبناء على ما سبق، فإن أي إجراءات تؤدي إلى تراجع الحوافز دون توفير بدائل مناسبة قد تدفع بعض الكفاءات إلى البحث عن فرص أكثر جاذبية، وقد تدفع البعض الآخر إلى الإحباط والقنوط، بما ينعكس بشكل سلبي على أدائهم داخل القاعات، ويُفقد الطلبة حقهم في تعليم نوعي، ويُضعف مكانة الجامعات الأردنية في مؤشرات التنافسية والتصنيف الدولي.
أما ما حدث تحت قبة مجلس النواب فقد أثار تساؤل أكثر إلحاحاً يتجاوز مضمون التعديل إلى طريقة اتخاذ القرار نفسه. فالمتابع للجلسة، والمنطق السليم، لا يمكنه إلا أن يستغرب كيف لقرار بهذه الضخامة، يمس شريحة عريضة من الأكاديميين والإداريين ويؤثر في مستقبل قطاع التعليم العالي برمته، أن يُحسم في دقائق معدودة بعد تداول سريع لعدة صيغ، لينتهي التصويت إلى اعتماد صيغة تخالف جذريا بعض المقترحات الأولية التي نوقشت باستفاضة سابقة.
وهنا تبرز المفارقة الجوهرية التي تبعث على الاستغراب: فمجلس النواب، بوصفه الممثل الشرعي للشعب والناطق باسم فئات المجتمع كافة، من المفترض أن يكون المرآة العاكسة لانشغالات هذه الفئة الحيوية (الأكاديميين والإداريين)، وأن يخوض نقاش معمق يستوعب تداعيات القرار الاقتصادية والاجتماعية قبل المصادقة عليه. فكيف يمكن لهيئة تشريعية بهذه المكانة، وهي التي يفترض أن تعكس إرادة الناخبين، أن تقلب توجهاتها بهذه السرعة المذهلة، متجاوزةً دورها الرقابي والحوار المجتمعي المطلوب، وتخلي مسؤوليتها في تمثيل الطبقة التي من المفترض أنها صوتها ونائبها؟ هذا التساؤل لا يوجه اتهاماً بقدر ما يكشف عن خلل جوهري في آليات التداول التشريعي، حيث تطغى الديناميكيات السياسية اللحظية وضغوط التصويت الآني أحياناً على المصلحة العامة المستدامة، مما يضعف الثقة في قدرة المؤسسة التشريعية على التعامل مع الملفات المعقدة التي تتطلب رؤية بعيدة المدى، ويُشعر الأكاديميين والإداريين بأن مصيرهم المهني والمعيشي يمكن أن يُلعب به في غفلة من الزمن، رغم أن هؤلاء النواب هم ممثلوهم المفترضون. وهكذا يتحول المشهد النيابي من منبر للدفاع عن الحقوق إلى ساحة لتغيير المبادئ والمواقف في لمح البصر، وهو ما يضاعف من حالة الإحباط ويزيد من حدة الجدل، ويعيد طرح التساؤلات حول أفضل السبل لإدارة الملفات التي تمس شريحة واسعة من العاملين في مؤسسات التعليم العالي، خصوصا عندما تتداخل مع الملفات الاقتصادية الكبرى كالتضخم وغلاء المعيشة.
من ناحية اقتصادية، يمتلك كلا الطرفين مبررات يمكن الدفاع عنها. فالحكومة تسعى إلى تعزيز الاستدامة المالية للجامعات وتقليل الالتزامات التشغيلية المتنامية، بينما ينظر الأكاديميون والإداريون إلى الحوافز باعتبارها جزء من منظومة التعويض المرتبطة بحجم العمل والمسؤوليات الإضافية، وأداة للبقاء في وجه أعباء الحياة المتصاعدة. لذلك، فإن جوهر القضية لا يكمن في الانتصار لطرف على حساب آخر، بل في البحث عن صيغة توازن بين كفاءة الإنفاق والمحافظة على رأس المال البشري، مع إدراك أن التغيير المفاجئ في بيئة تتسم بعدم الاستقرار الاقتصادي يشبه العبث بأوتار حساسة لكيان اجتماعي بكامله.
ولعل الحل الأكثر واقعية وتوازن، والذي يحقق الإصلاح دون هدم الحقائق المكتسبة، يتمثل في اعتماد مبدأ التطبيق التدريجي، أو قصر الأثر على المعينين الجدد، بدل من إحداث تغيير مفاجئ قد يربك العاملين والجامعات معًا، فهذا التوجه يُعد الضمانة الأهم لحماية الاستقرار الوظيفي والأسري الذي بُني خلال سنوات طويلة، ويُجنب العاملين الوقوع في ضائقة مالية لا تحمد عقباها، هذا الاقتراح يؤدي الى خفض عجز موازنات الجامعات تدريجيا نتيجة تقاعد العاملين الذين كانوا يحصلوا على حوافز موازي وتعيين عاملين جدد دون حوافز موازي، وفي الوقت ذاته، يمكن تخصيص جزء من فوائض البرامج الخاصة والدراسات العليا لدعم مشاريع التطوير والبحث العلمي والتحول الرقمي، مع الإبقاء على حوافز عادلة ترتبط بمؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس، بحيث يشعر الموظف بأن أي تعديل يرافقه تحسن في بيئة العمل والبنية التحتية، ما يحقق التوازن بين متطلبات الإصلاح المالي والحفاظ على الكفاءات واستقرارها النفسي والمهني.
في النهاية، فإن قوة الجامعات لا تُقاس فقط بحجم إيراداتها، ولا بحجم ما يُصرف من حوافز، وإنما بقدرتها على تحقيق توازن ذكي بين الاستدامة المالية، والعدالة الوظيفية، وجودة التعليم، والبحث العلمي، واستقطاب الكفاءات. فكل إصلاح تشريعي يحقق وفورات مالية لكنه يؤدي إلى خسارة العقول وتهديد استقرار الأسر قد يكون ربحًا قصير الأجل وخسارة استراتيجية طويلة الأجل، أما الإصلاح الحقيقي فهو الذي يرفع كفاءة الإنفاق، ويحافظ على الثقة المؤسسية، ويصون رأس المال البشري الذي يمثل الثروة الأهم لأي جامعة، ويأخذ بالاعتبار أن الموظف المستقر ماديا ونفسيا هو وحده القادر على زرع بذور التميز في عقول الطلبة، وأن النائب الحقيقي هو من يترجم همومهم لا من يغير موقفه في دقائق، فالجامعات لا تُبنى بالموازنات وحدها، بل بالكفاءات التي تديرها والعقول التي تصنع مستقبلها، وبكرامة العاملين فيها الذين هم خط الدفاع الأول عن حاضر الأمة ومستقبلها.
عون وترامب يتفقان على مواصلة التنسيق الأمني والدفاعي والاقتصادي
الدفاعات الجوية الكويتية تتصدى لطائرات مسيّرة إيرانية
تكلفة الحرب مع إيران بلغت 37.5 مليار دولار حتى الآن
إيران تحذر من أي هجوم على المراكز النووية والحساسة
إسرائيل تحتجز قياديا بمنظمة التحرير بالقدس لساعات وتفرج عنه بشروط
الدولار يصعد مع زيادة سعر النفط جراء التطورات بالشرق الأوسط
فنربهتشه التركي يكتفي بهدف في الفوز على غورنيك زابجة البولندي
الموازي في الجامعات الأردنية، بين ضبط الإنفاق وصون الكفاءات وحماية الاستقرار المعيشي
إسرائيل تفرج عن 3 لبنانيين بعد ساعات من احتجازهم بالجنوب
الحنيطي يبحث مع خبراء مراكز الفكر الأميركية مستجدات المنطقة
بعد حظر لعقود .. ترامب يوجه بالسماح برحلات أمريكية مباشرة إلى لبنان
لقطات من استقبال الطاقم التحكيمي الأردني المشارك بكأس العالم 2026 .. صور
الفيصلي يتعاقد مع إحسان حداد لموسمين
التعليم: آلية جديدة لتوزيع منح وقروض الطلبة تحقق عدالة أكبر بين الألوية
«الجنرال» يشعل فضول الأردنيين .. هل صنعت قيود الإعلام نجومية الحسابات المجهولة؟
لماذا أثارت المادة (21) من قانون الجامعات الجدل؟ .. قراءة في مخاوف آلاف العاملين
فيديو .. حادث سير مروع في الزرقاء
الإطاحة بأكبر سارق للمياه في العقبة
حقيقة التصريحات المنسوبة للصفدي حول مقتل جنديين أمريكيين بالأردن
البوتاس والفوسفات توقعان اتفاقية لإنشاء مجمع صناعي
بيان مهم صادر عن القوات المسلحة الأردنية
الاعتداء على الجنرال The General Inspector .. حين تصبح كرامة المواطن الأردني قضية وطن
تنقلات بين كبار ضباط الأمن العام .. أسماء
بحضور جو جيوهيغان .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يؤكد تعزيز التواصل ويدين مقتل الأميركية جيمي كارني
السعودية : تأشيرة عمرة متعددة الدخول .. تفاصيل
وفاة الفنانة الأردنية فتحية الفاعوري
بعد التطورات الأمنية الأخيرة .. مهم من موانئ العقبة
