ما وراء طوابير التأشيرات

ما وراء طوابير التأشيرات

18-06-2026 08:50 PM



في كل زيارة إلى الأردن، يتكرر المشهد نفسه: شاب يحمل شهادة جامعية وطموحاً واضحاً، يسأل عن فرصة عمل، أو عن إمكانية الدراسة في الخارج، أو أحياناً عن طرق الهجرة بكل تفاصيلها. لم تبدأ هذه الأسئلة مع كأس العالم، ولا أعتقد أنها تتعلق بمباراة كرة قدم فحسب، لكنها ظهرت هذه الأيام بصورة أكثر وضوحاً.

ومع ازدياد الحديث عن السفر إلى الولايات المتحدة لحضور مباريات كأس العالم عامة والأردن خاصة، تقدّم عدد من الشباب الأردنيين بطلبات تأشيرة سياحية، وعاد كثير منهم بخيبة أمل بعد الرفض. قد يبدو الأمر في ظاهره إجراءً قنصلياً عادياً، لكن من يستمع إلى أحاديث الشباب أو يتابع ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي يدرك أن المسألة تتجاوز رحلة لم تتم أو مباراة لم تُشاهد.

فكثير من هؤلاء الشباب لا تنقصهم المهارات أو الطموح، وإنما ينقصهم الشعور بأن الفرصة متاحة لهم بالقدر نفسه الذي تتاح فيه لغيرهم. وخصوصاً بعد سنوات من الدراسة والاجتهاد، يجد بعضهم نفسه عالقاً بين مؤهلات اكتسبها بصعوبة وسوق عمل لا يفتح أبوابه بسهولة. ومع مرور الوقت يتحول الانتظار إلى شعور متراكم بالإحباط، ويتحول السؤال عن السفر إلى سؤال أكبر عن المستقبل نفسه.

ولهذا، حين تُرفض تأشيرة السفر، فإن الألم لا يتعلق دائماً برحلة سياحية أو حدث رياضي، بل بإحساس متجدد بأن الأبواب تضيق أكثر مما تتسع. وحين يتكرر هذا الإحساس، يبدأ الشاب بالتساؤل عن قيمة كل ما بذله من جهد خلال سنوات الدراسة والعمل.

وفي المقابل، تكشف قصص الأردنيين في الخارج جانباً آخر من الحكاية. فهناك أستاذة جامعات وأطباء ومهندسون وباحثون ورواد أعمال حققوا نجاحات لافتة في الولايات المتحدة وأوروبا ودول أخرى. وما حققوه لم يكن نتيجة قدرات استثنائية نادرة، بل نتيجة بيئات منحتهم فرصة عادلة لإظهار ما يمتلكونه من معرفة وخبرة وطموح. وهذا ما يدفع إلى الاعتقاد بأن المشكلة ليست في الشاب الأردني، بل في حجم الفرص المتاحة أمامه.

القضية في رأيي ليست فقط تأشيرة سفر ولا حلم هجرة. القضية أن يشعر الشاب الأردني بأن مستقبله يمكن أن يُبنى هنا أيضاً، وأن جهده قد يجد التقدير الذي يستحقه، وأن أبواب التقدم تُفتح بالكفاءة والعمل لا بالانتظار الطويل أو العلاقات الشخصية والواسطة.

لهؤلاء الشباب لا أملك جواباً سهلاً. لكنني أتمنى أن يأتي يوم لا تكون فيه السفارات هي المكان الذي يبحثون فيه عن مستقبلهم، بل أن يجدوا ذلك المستقبل داخل الوطن، وحينها يمكن أن تتحول أحلامهم إلى مشاريع، وطموحاتهم إلى إنجازات، وقدراتهم إلى قوة تدفع الأردن إلى الأمام.

باحث في الأدب المقارن والدراسات الثقافية


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد