السردية الإعلامية العربية: بين الاستقطاب والانقسام

السردية الإعلامية العربية: بين الاستقطاب والانقسام

18-06-2026 07:27 PM


في زمن أصبحت فيه الأخبار تُصنع أحيانا بقدر ما تُنقل، أرى أن الحديث عن سردية إعلامية عربية مستقلة لم يعد ترفا فكريا، بل صار حاجة حقيقية.
الإعلام اليوم لا يكتفي بوصف الحدث، بل يشارك في تشكيل معناه، وفي تحديد من ينظر إليه بوصفه ضحية ومن يُقدَّم على أنه صاحب الرواية الأقوى؛ ولذلك، فإن أي نقاش حول الإعلام العربي لا بد أن يبدأ من سؤال بسيط ومربك في الوقت نفسه: من يكتب الحكاية، ولصالح من تُكتب؟

في رأيي، المشكلة الكبرى في الإعلام العربي ليست فقط في ضعف المهنية الإعلامية أو في ضيق الحرية، بل في هذا الميل المستمر إلى الاصطفاف؛ الكثير من القنوات لا تنقل الحدث كما هو، بل كما تريد له أن يُفهم؛ وهنا يبدأ الاستقطاب الحقيقي فبدل أن يكون الإعلام مساحة لشرح ما يجري فإنه يصبح جزءا من المعركة نفسها؛ وهذا ما نراه بوضوح في كثير من التغطيات التي تخرج من المنطقة العربية حيث تختلط السياسة بالموقف ويتحول الخبر أحيانا إلى رسالة غير معلنة.

ومن بين الأمثلة الواضحة على ذلك قناتا الجزيرة والعربية؛ ولا أقول إن الفارق بينهما مجرد اختلاف مهني عابر، بل أراه اختلافا في النظرة إلى العالم نفسه؛ فالجزيرة تميل، في وجهة نظري، إلى بناء خطاب أكثر قربا من الناس وأكثر حضورا للبعد الإنساني خصوصا في القضايا الكبرى .
أما العربية فتميل عادة إلى لغة أكثر تحفظا، وأقرب إلى التفسير السياسي البارد، حتى عندما يكون الحدث ملتهبا ومفتوحا على الألم والدم.

وعندما اندلعت الحرب على غزة في اكتوبر، ظهر الفارق بوضوح أكبر؛ فالجزيرة جعلت الحرب في صدارة تغطيتها وأعطت مساحة واسعة للصور والشهادات والضحايا كأنها تقول إن ما يجري ليس مجرد خبر، بل مأساة حية.
أما العربية في تقديري، فكانت أكثر ميلا إلى تقليل الحضور البصري المباشر والتركيز على خلفيات الحدث وتوازناته السياسية؛ ومثالنا في ذاك مجزرة رفح اثناء العدوان الاسرائيلي على غزة 2024، حيث بدا الفرق أوضح من أي وقت مضى، لأن الصورة نفسها كانت تحمل عبئها الثقيل وكل قناة قررت كيف تتعامل مع هذا العبء بطريقة مختلفة تماما.

ولا يتوقف الأمر عند غزة فقط؛ ففي الحرب الإيرانية الأمريكية/ الإسرائيلية، تبدو الجزيرة أكثر اندفاعا في المتابعة اللحظية، وفي تقديم الحدث بوصفه أزمة كبرى تمس المنطقة كلها مع اهتمام واضح بالأثر الإنساني والدبلوماسي. أما العربية وسكاي نيوز العربية فتبدوان من وجهة نظري أقرب إلى خطاب يوازن بين الخطورة والتهدئة ويحاول هذا الخطاب ألا يصطدم مباشرة بالروايات الرسمية الغربية؛ وهذا ليس حكما نهائيا ولكنه قراءة لما يظهر في النبرة، وفي اختيار التفاصيل، وفي طريقة ترتيب الأولويات.

ومع ذلك، فإنني لا أرى المشكلة في الجزيرة أو العربية وحدهما؛ المشكلة أعمق من ذلك بكثير فنحن أمام مشهد إعلامي عربي يعاني من التبعية ومن كثرة الحسابات ومن ضيق المساحة التي يُسمح فيها للضمير المهني أن يعمل بحرية.
ولهذا، فإن بناء سردية عربية مستقلة لن يتحقق بمجرد تغيير اللغة أو تحسين الشكل، بل يحتاج إلى شجاعة في قول ما ينبغي قوله وإلى قدر أكبر من الصدق مع الجمهور، وإلى تحرر من فكرة أن الحقيقة لا بد أن تُساق دائما في صفٍّ واحد.

وأنا أميل إلى أن السردية العربية المنشودة لا يجب أن تكون نسخة من أي سردية أخرى، لا الغربية ولا الإقليمية؛ وأن المطلوب هو إعلام يشرح، ويوازن، ويمنح المتلقي حقه في الفهم لا في التوجيه؛ إعلام لا يصرخ أكثر مما يفكر ولا يلوّن الواقع بما يخدم موقفا جاهزا. وحين نصل إلى ذلك يمكن أن نقول إننا بدأنا نكتب روايتنا بأيدينا.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد