في اليوم العالمي للشباب…من جيل المستقبل إلى صُناع الحاضر

في اليوم العالمي للشباب…من جيل المستقبل إلى صُناع الحاضر

12-08-2026 10:58 PM



إن الشباب قادر على أن يكون رمز حين ينجز، وقدوة حين يلتزم، وقوة حين يشارك، ورافعة حين يمنح الفرصة.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي في اليوم العالمي للشباب ليس: ماذا نريد من شبابنا؟
بل السؤال الأكثر أهمية هو:

ماذا أعددنا لشبابنا كي يكونوا قادرين على صناعة الأردن الذي نطمح إليه؟

في اليوم العالمي للشباب، لا تكمن أهمية المناسبة في الاحتفاء بالشباب بوصفهم الفئة الأكثر حيوية في المجتمع فحسب، بل في إعادة النظر إلى موقعهم في معادلة الدولة والمجتمع والتنمية. فالشباب ليسوا رقم في الإحصاءات، ولا فئة عمرية عابرة، ولا «جيل المستقبل» الذي يُطلب منه الانتظار؛ بل هم قوة الحاضر، ورافعة التحول، وأحد أهم مرتكزات بناء المستقبل.
وبالذات في الأردن ، تكتسب قضية الشباب بعد استراتيجي؛ لأن الدولة تمتلك رأس مال بشري شاب قادر على تحويل المعرفة إلى إنتاج، والطموح إلى مبادرة، والتحديات إلى فرص. ومن هنا، فإن التعامل مع الشباب لا ينبغي أن يقوم على منطق الرعاية وحده، وإنما على منطق التمكين والشراكة والاستثمار في الإنسان.

يمتلك الشباب الأردني مقومات تجعل منه قوة وطنية حقيقية: التعليم، والقدرة على التعلم، والانفتاح على التكنولوجيا، والمرونة في التعامل مع التحولات، والقدرة على التواصل مع العالم.

لكن قيمة هذه المقومات لا تتحقق بمجرد امتلاكها؛ بل بتحويلها إلى رأس مال معرفي واقتصادي واجتماعي. فالشباب الذي يمتلك المعرفة ولا يجد فرصة لتوظيفها، أو يمتلك المهارة ولا يجد البيئة الحاضنة له، يبقى يبحث عن الفرصه.
ولهذا فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل في زيادة أعداد المتعلمين فقط، بل في بناء منظومة قادرة على تحويل التعليم إلى مهارة، والمهارة إلى إنتاج، والإنتاج إلى تنمية، والطموح إلى إنجاز.
لا يمكن قراءة واقع الشباب الأردني بمعزل عن التحديات الاقتصادية وسوق العمل. وتظهر بيانات البنك الدولي، المستندة إلى تقديرات منظمة العمل الدولية، استمرار ارتفاع بطالة الشباب في الأردن، بما يجعل التشغيل وتمكين الشباب اقتصاديًا من أكثر الملفات إلحاح. لكن الخطأ يكمن في اختزال الشباب في مفهوم البطالة.
فالشاب الأردني ليس «عاطل عن العمل» فقط؛ إنه طاقة إنتاجية غير مستثمرة بالكامل. وهذه زاوية مختلفة في التفكير؛ لأنها تنقل القضية من خانة المشكلة الاجتماعية إلى خانة الأولوية الاقتصادية والاستثمار الوطني.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس مجرد توفير وظيفة، وإنما إعادة بناء مفهوم الفرصة نفسها؛ من خلال دعم ريادة الأعمال، والاقتصاد الرقمي، والعمل الحر، والمهارات المستقبلية، والابتكار، وربط التعليم باحتياجات الاقتصاد الحقيقي.
وقد أظهرت برامج مدعومة من البنك الدولي في الأردن نتائج في هذا الاتجاه، شملت توفير فرص عمل رسمية وتدريب أثناء العمل، إلى جانب تدريب أكثر من أربعة آلاف شخص في المجال الرقمي وخلق أكثر من 3,200 فرصة عمل رقمية.
والتمكين الحقيقي لا يعني أن نقدم للشباب برامج وأنشطة ثم نطلب منهم التصفيق لها؛ بل يعني إشراكهم في تحديد الأولويات وصناعة السياسات وتقييم النتائج.
وهنا تبرز أهمية التحرك الأردني لإعداد الاستراتيجية الوطنية للشباب للأعوام 2026–2030، والتي اعتمدت في بنائها على المسح الوطني للشباب 2025، وعلى مشاورات وجلسات شارك فيها الشباب في مختلف محافظات المملكة. كما تم اعتماد الإطار الاستراتيجي للأولويات والمحاور تمهيدًا للانتقال إلى صياغة الاستراتيجية وخطتها التنفيذية. وهذا النهج يمثل تحول مهم من التخطيط للشباب إلى التخطيط مع الشباب.
فالسياسة الشبابية الفاعلة لا تُقاس بعدد المبادرات التي تُطلق، وإنما بقدرتها على إحداث أثر مستدام في حياة الشباب، وبمدى حضورهم الحقيقي في عملية صنع القرار.
وفي عصر تتسع فيه الفضاءات الرقمية وتتداخل فيه الثقافات والأفكار، تصبح مسؤولية الشباب أكبر من أي وقت مضى. فالشباب الأردني يعيش في عالم مفتوح، لكنه في الوقت ذاته يحمل هوية وطنية لها جذورها وخصوصيتها.
والتحدي هنا ليس في الاختيار بين الهوية والانفتاح، بل في بناء جيل قادر على الجمع بينهما: جيل يثق بهويته، وينفتح على العالم، ويستفيد من المعرفة العالمية دون أن يفقد بوصلته الوطنية.
ومن هنا تأتي أهمية بناء المواطنة الواعية التي تجعل الانتماء ممارسة ومسؤولية، لا مجرد شعار وتجعل الوطنية سلوك يومي يقوم على العمل والإتقان واحترام القانون والمشاركة وخدمة المجتمع.
إن وصف الشباب الأردني بأنهم «رمز وقدوة» يجب ألا يتحول إلى عبارة احتفالية تُقال في المناسبات. فالقدوة الحقيقية تُصنع بالإنجاز.
القدوة هو الشاب الذي يحول فكرته إلى مشروع، والباحثة التي تجعل من المعرفة أداة للتغيير، والرياضي الذي يرفع اسم الأردن، والمبرمج الذي يبتكر، والمتطوع الذي يخدم مجتمعه، والصحفي الذي يمارس مهنته بمسؤولية، والشابة التي ترفض أن تكون الظروف سقف لطموحها.
هؤلاء هم النماذج التي تحتاجها المجتمعات؛ لأنهم يقدمون للشباب رسالة عملية مفادها أن النجاح ليس امتياز محصور بفئة معينة، بل نتيجة للإرادة والمعرفة والمثابرة والفرصة.
ولا يمكن تجاهل الدور المحوري للإعلام في تشكيل صورة الشباب داخل المجتمع. فالإعلام يستطيع أن يقدم الشباب باعتبارهم قوة تغيير وابتكار، كما يستطيع، إذا غلبت عليه السطحية، أن يحصر صورتهم في البطالة أو الترفيه أو الاستهلاك.
لذلك يحتاج الإعلام الأردني إلى الانتقال من الحديث عن الشباب إلى الاستماع إليهم، ومن تقديمهم كجمهور إلى التعامل معهم باعتبارهم شركاء في إنتاج المحتوى وصناعة الرأي العام.
وفي البيئة الرقمية، أصبح الشاب ليس متلقي فقط، بل منتج للمعلومة، وصانع للمحتوى، ومؤثر في الرأي العام، وشريك في تشكيل السردية الوطنية.
وهنا تصبح مسؤولية الوعي الرقمي والتفكير النقدي ضرورة؛ لأن قوة الشباب في العصر الرقمي لا تقاس فقط بقدرتهم على استخدام التكنولوجيا، وإنما بقدرتهم على تمييز الحقيقة من التضليل، والمعلومة من الشائعة، والتأثير من التلاعب.
ربما آن الأوان للتخلي عن العبارة التقليدية التي تقول إن الشباب هم «قادة المستقبل». فالشباب الأردني لا يحتاج إلى أن يُؤجل دوره إلى المستقبل إنه شريك في الحاضر.
وإذا كانت الدولة الأردنية تمضي في مسارات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري، فإن نجاح هذه المسارات يرتبط بقدرة الشباب على المشاركة فيها، وبقدرة المؤسسات على فتح المجال أمامهم ليكونوا جزءًا من عملية التغيير.
وقد أكدت وزارة الشباب أن تعزيز مشاركة الشباب في الحياة العامة يأتي في صلب عملية التحديث، وأن الشباب يمثلون عنصر جوهري في مسارات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري.
وهذا يعني أن الرهان على الشباب ليس اختيار بل ضرورة وطنية واستثمار استراتيجي في استقرار الدولة وقدرتها على المنافسة والتجدد.
في اليوم العالمي للشباب، لا يحتاج الشباب الأردني إلى مزيد من العبارات المنمقة بقدر ما يحتاج إلى ثقة حقيقية، وفرص عادلة، وتعليم نوعي، ومهارات مستقبلية، وتمويل للمبادرات، ومساحات أوسع للمشاركة، ومؤسسات تؤمن بقدرتهم على صناعة الفرق. فالشباب لا يريدون أن يكونوا مجرد مستفيدين من السياسات؛ بل يريدون أن يكونوا شركاء في صياغتها وصناعة نتائجها.
والأردن الذي يستثمر في شبابه لا يستثمر في الحاضر وحده؛ بل يبني منظومة مناعة وطنية قوامها المعرفة والانتماء والإبداع والمسؤولية.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

غداً أول أيام شهر جمادى الأولى

بيل غيتس يحذر من تصاعد الهجمات الإلكترونية المدعمة بالذكاء الاصطناعي

100 شخص يحصلون على الجنسية الأردنية و17 ألف قرار إبعاد .. التفاصيل

للجن وزراء وأطباء وعندهم جاهات وعطوات .. تصريحات أم عبدالله تثير الجدل

من هو نضال حسن الذي وافق ترامب على إعدامه رميا بالرصاص؟

الأردن لم يستورد النفط العراقي مجانا .. وزير الطاقة يكشف الحقيقة

اتفاق لوقف استهداف منشآت الطاقة بين روسيا وأوكرانيا

الفائزة بنوبل للسلام تسخر من ترامب: صفّقوا أكثر وسأمنحه نصف جائزتي

189 مقبوضا عليهم في قضايا الكريستال بالأردن خلال أسبوع

مجلس الوزراء يقرر تعيين أمينين عامين في وزارتين

الزواج والطلاق والتبني .. تعديلات جديدة على قانون الطوائف المسيحية

الأخضر والأصفر والبرتقالي والأحمر .. نظام إنذار جديد في العقبة

قرار جديد من الضمان بشأن فترات الاشتراك والراتب التقاعدي

مجلس الوزراء يقر قرارات جديدة بشأن الضمان والضرائب وأمانة عمّان

نوير بعد تلقيه أسرع هدف في تاريخ الدوري الألماني: ارتكبت خطأ غبيا

الأردنيون على موعد مع رسوم عبور هذا الطريق .. توضيح آلية الدفع

بعد 18 عاماً من أول محاولة .. هل يصنع الأردن سياراته أخيراً وكم ستنخفض أسعارها؟

قطع أراضٍ سكنية بانتظار الأردنيين .. من يحق له الاستفادة

إعفاء السيارات الأميركية يقترب .. هل تنخفض الأسعار وتتغير الخريطة؟

الأردنيون على موعد مع أمطار وسيول .. وهذا موعد الذروة

أمطار رعدية وبرد وعواصف رملية في الأردن

شتوة الزيتون ليست كما يعتقد الأردنيون .. خبراء يحسمون الجدل

جملة للفنان زهير النوباني تشعل ردود الفعل .. ماذا قال وكيف رد الأردنيون

جماجم بشرية ورفات في الكرك تحيّر الأردنيين .. ما القصة

يزن النعيمات يعود إلى العشب .. نجم ينتظره الأردنيون قبل كأس آسيا

الكشف عن هوية القتيل الاردني بمطار الرياض

ملامحه صينية ولهجته أردنية .. قصة يوسف يو الذي حوّل اختلافه إلى جسر بين عالمين

انخفاض جديد على أسعار الذهب في الأردن .. وهذا سعر عيار 21

الأردنيون متفائلون .. ما القصة

إطلاق نار على شاب أردني في الفلبين .. والشرطة تكشف مفاجأة أثناء ملاحقة المتهم