تعديلات قانون الملكية العقارية .. بين تسريع المعاملات وحماية المالكين

تعديلات قانون الملكية العقارية ..  بين تسريع المعاملات وحماية المالكين

12-08-2026 12:53 AM

تأتي التعديلات التي أقرها مجلس النواب على مشروع القانون المعدل لقانون الملكية العقارية لسنة 2026 في وقت يشهد فيه القطاع العقاري الأردني حاجة متزايدة إلى تطوير التشريعات وتبسيط الإجراءات، بما يواكب التحول الرقمي ويعالج بعض الإشكالات التي ظهرت خلال السنوات الماضية.

ولا تبدو أهمية هذه التعديلات في عدد المواد التي جرى تعديلها فحسب، وإنما في طبيعة الملفات التي تناولتها، من إزالة الشيوع، إلى المعاملات الإلكترونية، والبيع على المخطط، والاستملاك والتعويض، وتملك غير الأردنيين.

ومن هنا، فإن قراءة هذه التعديلات تستحق أن تتجاوز فكرة تأييدها أو معارضتها بصورة مطلقة، إلى محاولة فهم مدى قدرتها على تحقيق التوازن بين تسهيل المعاملات والاستثمار من جهة، وحماية الحقوق والمراكز القانونية للمالكين من جهة أخرى.

إزالة الشيوع.. خطوة لمعالجة الجمود العقاري

يُعد ملف إزالة الشيوع من أبرز الملفات التي عالجتها التعديلات، نظراً لما تسببه الملكية المشتركة في بعض الحالات من صعوبة في استثمار العقار أو التصرف فيه، خصوصاً عندما تتعدد أعداد الشركاء وتختلف مواقفهم.

ومن أبرز ما جاء في التعديلات تخفيض نسبة الموافقة المطلوبة في بعض حالات قسمة العقارات المقام عليها أبنية إلى ثلاثة أرباع الحصص بدلاً من الإجماع.

ومن الناحية العملية، يمكن أن يسهم ذلك في الحد من تعطيل العقارات بسبب اعتراض عدد محدود من الشركاء، وأن يفتح المجال أمام استثمار عقارات بقيت لفترات طويلة في حالة من الجمود.

لكن في المقابل، فإن تقليص نسبة الموافقة يجعل من الضروري التأكيد على وجود ضمانات إجرائية فعالة تحمي أصحاب الحصص الأقل، بحيث تكون عملية القسمة قائمة على معايير واضحة وعادلة، مع تمكين أصحاب العلاقة من ممارسة حقهم في الاعتراض والطعن وفقاً للقانون.

وهنا تبرز أهمية نقل بعض الصلاحيات إلى لجان إزالة الشيوع، مع بقاء قراراتها قابلة للطعن أمام القضاء، بما يحقق قدراً من السرعة دون إلغاء الرقابة القضائية.

قسمة الجمع.. تبسيط للإجراءات أم حاجة إلى مزيد من الضبط؟

من التعديلات التي تستحق التوقف عندها أيضاً السماح بقسمة عدد من العقارات المملوكة على الشيوع للشركاء أنفسهم والواقعة ضمن مديرية تسجيل واحدة كمعاملة واحدة، وفق الشروط التي حددها القانون.

ويبدو أن الغاية الأساسية من هذا الاتجاه هي تقليل الإجراءات وتسهيل التعامل مع الملكيات المتعددة التي تجمع الشركاء أنفسهم.

وهو توجه يمكن أن يوفر الوقت والجهد، إلا أن فاعليته ستبقى مرتبطة بمدى وضوح الإجراءات والمعايير المعتمدة في تقدير الحصص وتوزيعها، وبقدرة الجهات المختصة على ضمان عدم الإضرار بأي من أصحاب الحقوق.

التحول الرقمي.. عندما تنتقل الملكية إلى البيئة الإلكترونية

أحد الجوانب المهمة في التعديلات هو توسيع نطاق التحول الرقمي في معاملات دائرة الأراضي والمساحة، بما يشمل تقديم الطلبات والموافقات والتوقيع ووسائل الدفع الإلكترونية.

ولا شك أن رقمنة المعاملات العقارية يمكن أن تسهم في تقليل الوقت والكلفة، وتخفيف الحاجة إلى المراجعات الورقية، وتحسين كفاءة الخدمات الحكومية.

لكن المعاملة العقارية تختلف عن كثير من المعاملات الإدارية الأخرى، لأنها ترتبط بحقوق مالية وقانونية ذات قيمة كبيرة.

لذلك فإن نجاح التحول الرقمي لا يعتمد فقط على توفير الخدمات إلكترونياً، وإنما يحتاج كذلك إلى أنظمة قوية للتحقق من الهوية، وحماية البيانات، وتوثيق العمليات، ومعالجة الأخطاء والاعتراضات، بما يحافظ على الثقة بالمعاملة العقارية الإلكترونية.

البيع على المخطط.. فرصة استثمارية تحتاج إلى حماية المشتري

ومن الملفات الجديدة التي تناولتها التعديلات تنظيم البيع على المخطط، وهو موضوع يرتبط بصورة مباشرة بالسوق العقاري والمطورين والمشترين.

وتنظيم هذا النوع من التعاملات يمكن أن يوفر أدوات جديدة للتمويل والاستثمار، ويساعد في تنشيط القطاع العقاري، إلا أن نجاح التجربة يحتاج إلى توازن دقيق بين احتياجات المطور العقاري وحقوق المشتري.

ومن هنا تأتي أهمية الضمانات القانونية المرتبطة بالتخصيص والتوثيق والتمويل، بحيث لا يتحول تسهيل البيع على المخطط إلى زيادة في المخاطر على المشترين.

الاستملاك.. التوازن بين المنفعة العامة والملكية الخاصة

يبقى الاستملاك من أكثر الموضوعات حساسية في أي تشريع عقاري، لأنه يتعلق بحالة تتقدم فيها المنفعة العامة على حق الملكية الخاصة ضمن الإطار الذي يحدده القانون والدستور.

وقد تناولت التعديلات موضوع التعويض عن العقارات المستملكة، بما في ذلك تحديد مدة زمنية لدفع التعويض، وتنظيم معايير تقدير قيمة العقار.

كما أشارت التعديلات إلى الاستناد إلى القيمة الإدارية للعقار وإلى معدلات عمليات البيع الفعلية عند تقدير التعويض، وفق الضوابط التي حددها القانون.

وتكمن أهمية هذه المسألة في تحقيق معادلة دقيقة: فمن جهة، تحتاج الدولة إلى تنفيذ مشاريع الطرق والمرافق والخدمات العامة دون تعطيل طويل، ومن جهة أخرى، يجب أن يحصل صاحب الملكية المستملكة على تعويض عادل ومنصف وفق المعايير القانونية.

ولهذا فإن الرقابة القضائية على تقديرات الخبرة تظل عنصراً مهماً في ضمان سلامة تطبيق النصوص، خصوصاً في الحالات التي يكون فيها اختلاف بين التقدير الإداري والقيمة الفعلية للعقار.

تملك غير الأردنيين.. الاستثمار ضمن ضوابط الدولة

وتناولت التعديلات كذلك تملك غير الأردنيين للعقارات لغايات السكن خارج حدود التنظيم، وفق ضوابط وإجراءات محددة وبالتنسيق مع الجهات المختصة.

وهذا الملف يجمع بين البعد الاقتصادي والبعد التنظيمي، إذ يمكن أن يسهم تسهيل بعض أشكال التملك في جذب الاستثمارات وتنشيط قطاع العقار والإنشاءات، في الوقت الذي تتطلب فيه عملية التملك مراعاة الاعتبارات التنظيمية والأمنية والمصلحة العامة.

لذلك فإن أهمية النص لا تتوقف عند السماح بالتملك أو تقييده، وإنما في مدى فاعلية الضوابط التي ترافقه وقدرتها على تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار وحماية المصلحة العامة.

ما بعد إقرار التعديلات

إن تعديلات قانون الملكية العقارية تمثل محاولة لمعالجة مجموعة من القضايا العملية التي واجهت القطاع خلال السنوات الماضية، ولا سيما في ملفات إزالة الشيوع والتحول الرقمي والاستملاك وتنظيم بعض صور الاستثمار العقاري.

غير أن نجاح أي تعديل تشريعي لا يقاس بالنص وحده، وإنما بآليات التطبيق ومدى وضوح الإجراءات وفاعلية الرقابة وسرعة الفصل في الاعتراضات والمنازعات.

فالتحديث التشريعي الحقيقي لا يعني فقط تسريع الإجراءات، وإنما يعني أيضاً بناء منظومة تحقق الثقة.

والثقة في القطاع العقاري تقوم على معادلة واضحة: إجراءات أسرع، استثمار أكثر مرونة، ورقابة أكثر فاعلية، مع حماية حقيقية للحقوق.

وفي النهاية، فإن التحدي أمام تطبيق هذه التعديلات يتمثل في تحقيق التوازن بين تحرير العقار من الجمود وتسهيل الاستثمار من جهة، والحفاظ على استقرار الملكية وضمان حقوق أصحابها من جهة أخرى.

فالأرض ليست مجرد أصل اقتصادي، وإنما حق قانوني واجتماعي، وكلما نجح التشريع في الجمع بين كفاءة السوق وحماية الحقوق، أصبح التحديث التشريعي أكثر قدرة على تحقيق أهدافه وخدمة المصلحة العامة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

كورينثيانز البرازيلي يعلن رحيل ممفيس ديباي عن صفوفه

مفوض أممي: إلغاء لبنان عقوبة الإعدام التزام قوي بالحق في الحياة

بعد منتصف الليل انظروا إلى السماء .. مشهد فلكي لافت فوق الأردن

ولي العهد يرعى حفل تخريج الفوج السادس من طلبة جامعة الحسين التقنية

رئيس وزراء فلسطين يطلع وزير خارجية بريطانيا على اعتداءات إسرائيل بالضفة

تعديلات قانون الملكية العقارية .. بين تسريع المعاملات وحماية المالكين

شهادات تناثرت وحفل أُلغي .. ماذا جرى في تخريج كلية عجلون؟ ـ فيديو

الضفة .. اعتقال 3 فلسطينيين ومواجهات في اقتحامات للجيش الإسرائيلي

فنربهتشه يتأهل إلى الدور الفاصل بدوري أبطال أوروبا

السيطرة على حريق خزان وقود استهدفته مسيرة في غرب ليبيا

سنتكوم تعلن اعتراض سفينة في مضيق هرمز

صقور الأردن يختتم تحضيراته للمشاركة في ويليام جونز

الحوثي تدعي سقوط قتلى وجرحى بقصفها تحشيدات عسكرية في مأرب والمخا

كريستيانو رونالدو يتزوج جورجينا رودريغيز

واشنطن: أطلقنا صواريخ لإيقاف سفينة حاولت خرق الحصار البحري على إيران

منع مواطن من السلام على العيسوي .. وما فعله رئيس الديوان يشعل التفاعل

بعد انتشار فيديو مؤثر لها .. آخر تطورات قضية نور برغل

122 موقعاً مزيفاً تنتحل مؤسسات أردنية .. تقرير رسمي يكشف أخطر أبواب الاختراق

موجة حر قوية تضرب المنطقة بحرارة تلامس 50 مئوية .. ماذا عن الأردن؟

نتائج التوجيهي 2026 في الأردن اليوم .. رابط الاستعلام الرسمي

احتراق 3206 مركبات في الأردن خلال عامين

الحيصة: أراضي مشروع سكة العقبة ستسجل باسم خزينة الدولة

التربية تحدد موعد إعلان نتائج التوجيهي

الأمن السيبراني يحذر من رسائل واتساب احتيالية باسم الضمان الاجتماعي

اسرار تكشف لاول مرة .. لماذا انسحبت ياسمين صبري من مسلسل الشادر

الأردن يستقبل 3.15 مليون زائر ويحقق 2.47 مليار دينار دخلاً سياحياً

الأردنيون يترقبون عطلة رسمية في آب

مقتل مدنيين وعسكرين بهجمات للحوثيين في اليمن

بعد تصدر الترند .. رحلة لجين خليفة من الطب الى الرقص

مفاجأة منة شلبي واحمد الجنايني تشعل مواقع التواصل