حين لا يعود القمع ضروريًا: كيف تُنتَج اللامبالاة السياسية؟
09-08-2026 11:11 PM
مقدمة
ثمة مفارقة لافتة في الحياة السياسية المعاصرة يصعب تجاهلها: لم يمتلك الإنسان في أي مرحلة سابقة هذا الكم الهائل من وسائل الاتصال، ومنابر التعبير، ومصادر المعلومات، والقدرة على الوصول إلى الشأن العام، كما يمتلكه اليوم. ومع ذلك، تشهد مجتمعات عديدة تراجعًا في المشاركة السياسية التقليدية، وانخفاضًا في الثقة بالمؤسسات، وضعفًا في الانخراط الحزبي والنقابي والمدني، وتناميًا لشعور عام بأن الفعل السياسي لا يغير شيئًا.
وهنا تبرز مفارقة أكثر عمقًا: كيف يمكن أن يصبح الإنسان أكثر قدرة على التعبير، وأقل قدرة على الفعل؟
قد لا تكون المشكلة في نقص المعلومات، ولا في غياب قنوات التعبير، ولا حتى في غياب الرغبة في التغيير. وربما تكمن المشكلة في مستوى أسبق من ذلك كله: في الطريقة التي يُعاد بها تشكيل تصور الإنسان لما هو ممكن سياسيًا.
من هذه النقطة تنطلق نظرية «إنتاج الإمكانات المغلقة» التي تقترح إعادة النظر في ظاهرة اللامبالاة السياسية، لا باعتبارها مجرد نقص في الاهتمام أو ضعفًا في الوعي، وإنما بوصفها نتيجة محتملة لعملية مركبة يجري من خلالها تضييق المجال الإدراكي للممكن السياسي.
اللامبالاة: غياب الاهتمام أم نتيجة لبنية اجتماعية؟
اعتادت الأدبيات السياسية تفسير العزوف عن المشاركة من خلال مجموعة واسعة من العوامل؛ فبعضها يربطه بالظروف الاقتصادية، وبعضها بتراجع الثقة بالمؤسسات، وبعضها بالتحولات الثقافية والفردانية، وبعضها الآخر بتغير طبيعة الإعلام والاتصال السياسي.
وتقدم هذه المقاربات إسهامات مهمة، لكنها غالبًا ما تجيب عن سؤال: لماذا لا يشارك الفرد؟ أما السؤال الذي تقترحه هذه النظرية فهو مختلف: كيف يصبح عدم المشاركة هو الخيار الأكثر عقلانية في نظر الفرد؟ والأهم: كيف يصبح التغيير السياسي نفسه أقل قابلية للتصور؟
فالإنسان قد لا يصل إلى مرحلة اللامبالاة لأنه فقد الرغبة في التغيير، وإنما لأنه يمر بتجارب متراكمة تجعله أقل ثقة بقدرته على إحداثه. ومع تكرار الفشل، وضعف الاستجابة المؤسسية، وارتفاع تكلفة المشاركة، وضغط الحياة الاقتصادية، قد يتحول الاعتقاد من «أستطيع أن أغير» إلى «لا شيء سيتغير».
وعند هذه النقطة لا تعود اللامبالاة مجرد موقف نفسي، وإنما تصبح نتيجة لمسار اجتماعي وسياسي وإدراكي متراكم.
من الاقتصاد إلى إعادة تشكيل الإنسان
يمثل الاقتصاد أحد المداخل الأساسية لفهم هذه الظاهرة.ففي ظل النيوليبرالية، لم يعد السوق مجرد آلية لتنظيم النشاط الاقتصادي، وإنما أصبح منطقًا يمتد إلى مجالات واسعة من الحياة الاجتماعية. ويتحول الفرد بصورة متزايدة إلى مشروع ينبغي عليه أن يديره باستمرار: أن يطور مهاراته، ويحافظ على قدرته التنافسية، ويستثمر في ذاته، ويواجه مخاطر العمل والحياة. وهنا يصبح الوقت موردًا سياسيًا أيضًا.
فالإنسان الذي يعيش تحت ضغط العمل والدخل والمنافسة والاستقرار المهني قد يجد أن المشاركة العامة تمثل تكلفة إضافية لا يستطيع تحملها. ومع مرور الوقت، يمكن أن يتحول الاهتمام بالشأن العام من أولوية جماعية إلى نشاط هامشي أمام ضرورات البقاء والمنافسة.
لكن التفسير الاقتصادي، مهما كانت أهميته، لا يفسر الظاهرة كاملة.
فهو يستطيع أن يشرح لماذا تصبح المشاركة أكثر تكلفة، لكنه لا يفسر بصورة كافية لماذا يصبح التغيير نفسه أقل قابلية للتخيل .وهنا ننتقل من الاقتصاد إلى الإدراك.
الإمكان الموضوعي ليس هو الإمكان المُدرَك
تنطلق النظرية من تمييز أساسي بين مستويات مختلفة من الإمكان السياسي.هناك أولًا الإمكان الموضوعي (Objective Possibility)، أي مجموع البدائل التي تسمح بها الشروط الواقعية والتاريخية والقانونية والاجتماعية.وهناك الإمكان المُدرَك (Perceived Possibility)، أي مجموعة البدائل التي يعتقد الفرد أنها ممكنة وقابلة للتحقق.وبينهما توجد مساحة شديدة الأهمية: فقد يكون الشيء ممكنًا موضوعيًا، لكن الإنسان لا يراه ممكنًا.وهذه المسافة بين ما يمكن أن يحدث وما نعتقد أنه يمكن أن يحدث تمثل أحد أهم المفاتيح لفهم اللامبالاة السياسية.فإذا اتسعت هذه الفجوة، يصبح الواقع القائم أكثر صلابة في الوعي، حتى لو كانت هناك موضوعيًا بدائل أخرى.
من السلطة على الأفعال إلى السلطة على الإمكانات
تاريخيًا، انشغل الفكر السياسي بسؤال السلطة على الأفعال: من يستطيع أن يجعل الآخر يفعل شيئًا؟ ثم تطورت النظرية السياسية والاجتماعية إلى دراسة قدرة السلطة على تشكيل الرغبات والتفضيلات: ليس فقط ماذا يفعل الإنسان، وإنما ماذا يريد.وتقترح نظرية «إنتاج الإمكانات المغلقة» مستوى ثالثًا:السلطة على الإمكانات (Power over Possibilities)وهي القدرة على التأثير في المجال الذي تتشكل داخله تصورات الإنسان عما هو ممكن سياسيًا.فأقوى أشكال السلطة قد لا تتمثل في إجبار الفرد على فعل ما لا يريد، ولا حتى في إقناعه بالرغبة في شيء معين، وإنما في جعل بعض البدائل خارج مجال التفكير السياسي الممكن .وهنا يحدث تحول جوهري .فالسلطة التقليدية قد تقول:
«يمكنك أن تريد، لكن لا يمكنك أن تفعل. »
أما إغلاق الإمكانات فيذهب إلى مستوى أعمق:
«لا تحتاج إلى منعك من الفعل، إذا أصبحت غير قادر على تصور الفعل بوصفه ممكنًا.»
وهذا هو جوهر مفهوم إنتاج الإمكانات المغلقة.
كيف تُنتج الإمكانات المغلقة؟
لا تفترض النظرية بالضرورة وجود جهة واحدة تخطط لإنتاج اللامبالاة. بل يمكن أن تكون النتيجة أثرًا ناشئًا عن تفاعل أنظمة متعددة، لكل منها أهدافها الخاصة، لكنها تنتج في مجموعها أثرًا واحدًا على المجال الإدراكي والسياسي.
أولًا: الاقتصاد
السوق يدفع الفرد نحو المنافسة والاستثمار في الذات وإدارة المخاطر الشخصية.
ثانيًا: المؤسسات
عندما تتكرر خبرات عدم الاستجابة، قد يفقد الفرد الإحساس بفاعلية المشاركة.
ثالثًا: الإعلام
يعمل الإعلام المعاصر في بيئة تتنافس فيها المؤسسات والمنصات على انتباه الجمهور، الأمر الذي قد يحول السياسة من عملية متابعة وفعل إلى تدفق متواصل من الأحداث.
رابعًا: البيئة الرقمية
تسمح المنصات الرقمية بتوسيع التعبير السياسي، لكنها قد تسهم في الوقت ذاته في تشظية المجال العام، وتكثيف التفاعل اللحظي على حساب التنظيم طويل الأمد.
خامسًا: الثقافة
حين تصبح الفردانية والمنافسة وإدارة الذات قيمًا مركزية، يتراجع حضور التصورات الجماعية للمصلحة والمستقبل.
هذه العناصر لا تعمل منفردة. إنها تتفاعل لتنتج بيئة قد تجعل الفرد أكثر اتصالًا بالمعلومات وأقل اتصالًا بالفعل الجماعي.
المفارقة الرقمية: نتحدث أكثر ونفعل أقل
تكشف البيئة الرقمية عن إحدى أهم مفارقات العصر.
فالمواطن يستطيع اليوم أن يعلق، وينشر، ويشارك، ويحتج، ويتابع الأحداث في اللحظة نفسها التي تقع فيها. لكن اتساع مساحة التعبير لا يعني بالضرورة اتساع القدرة على التأثير. وهنا يجب التمييز بين:
التعبير السياسي والفعل السياسي. قد تكون لدينا وفرة هائلة من الأول مع محدودية الثاني. بل إن فائض المعلومات يمكن أن يؤدي أحيانًا إلى إنهاك الانتباه السياسي، بحيث تتحول القضايا الكبرى إلى سلسلة متتابعة من الأخبار والأزمات والانفعالات، دون أن تتطور إلى تنظيم مستمر أو فعل جماعي قادر على تغيير موازين القوة. وبذلك يصبح المواطن متصلًا بالسياسة، لكنه منفصل عن قدرتها على التأثير في حياته.
من الهيمنة إلى إغلاق الإمكان
تتصل هذه النظرية بعدد من التقاليد الكبرى في الفكر الاجتماعي والسياسي.
فأنطونيو غرامشي اهتم بكيفية إنتاج الهيمنة والقبول. وبيير بورديو درس القوة الرمزية التي تجعل النظام الاجتماعي يبدو طبيعيًا ومشروعًا. أما ميشيل فوكو فركز على الأشكال الدقيقة للسلطة التي تعمل عبر المعرفة والخطاب وأنماط الحكم.
لكن مفهوم «إنتاج الإمكانات المغلقة» يحاول نقل السؤال إلى مستوى آخر: ليس فقط كيف تجعل السلطة الإنسان يقبل الواقع، وإنما كيف تحدد مسبقًا حدود ما يستطيع أن يتخيله بديلًا لهذا الواقع. فالهيمنة قد تجعل الواقع مقبولًا. أما إغلاق الإمكانات فقد يجعل البديل نفسه غير مرئي. وهذا فرق جوهري. قانون انكماش الإمكان السياسي انطلاقًا من ذلك، تقترح النظرية مفهوم «انكماش الإمكان السياسي». ويمكن صياغته على النحو الآتي:
"كلما اتسعت الفجوة بين الإمكانات السياسية الموضوعية والإمكانات السياسية المُدرَكة، تراجع شعور الفرد بفاعليته السياسية، وازداد احتمال انتقاله من المشاركة إلى الاستقالة المُستحثة."
وهنا لا يعني «الانكماش» أن البدائل اختفت من الواقع، وإنما أنها بدأت تختفي من مجال الوعي السياسي. وقد يكون هذا النوع من الانكماش أكثر خطورة من المنع المباشر؛ لأن البديل الذي لا يستطيع الإنسان تصوره لا يحتاج إلى قمعه.
الاستقالة المُستحثة
في هذا السياق، تقترح النظرية مفهومًا أكثر تحديدًا من «اللامبالاة»، هو الاستقالة المُستحثة. ويقصد بها حالة يتخلى فيها الفرد تدريجيًا عن المشاركة السياسية نتيجة تراكم ظروف تجعله يرى أن المشاركة مكلفة، وأن المؤسسات غير مستجيبة، وأن البدائل غير واقعية، وأن الفعل الجماعي ضعيف الجدوى. لا يقول النظام للفرد بالضرورة: «لا تشارك.» بل قد يصل الفرد بنفسه إلى«:لا جدوى من المشاركة.» وهنا تكمن قوة المفهوم. فالانسحاب يبدو قرارًا فرديًا، لكنه قد يكون في الحقيقة نتاجًا لبنية اجتماعية وسياسية وإدراكية. لماذا تهم هذه النظرية؟
تكمن أهمية هذا الطرح في أنه يعيد تعريف مشكلة اللامبالاة السياسية.فإذا كانت المشكلة مجرد نقص في المعلومات، فإن الحل هو المزيد من المعلومات. وإذا كانت المشكلة ضعف المشاركة، فإن الحل هو دعوة الناس إلى المشاركة. أما إذا كانت المشكلة في انكماش أفق الممكن السياسي، فإن الحل يصبح أكثر تعقيدًا: يجب أولًا إعادة بناء الثقة بفاعلية الفعل.
ثم توسيع المجال الذي يستطيع المواطن داخله تصور البدائل. ثم خلق خبرات جماعية تثبت أن المشاركة يمكن أن تنتج أثرًا حقيقيًا. بعبارة أخرى، قد لا يكون المطلوب فقط إعادة المواطن إلى السياسة، وإنما إعادة السياسة إلى مجال الممكن في وعي المواطن.
نحو إعادة فتح الإمكان
تصل النظرية في نهايتها إلى نتيجة تتجاوز قضية المشاركة نفسها. فالحرية السياسية لا ينبغي أن تقاس فقط بعدد الحقوق والخيارات التي ينص عليها القانون، وإنما أيضًا باتساع المجال الذي يستطيع الإنسان داخله تصور بدائل سياسية واقعية والعمل من أجلها.
قد يمتلك المواطن حق التصويت، وحق التعبير، وحق التنظيم، لكنه إذا أصبح مقتنعًا مسبقًا بأن أياً من هذه الأفعال لن يغير شيئًا، فإن الحقوق تظل موجودة من الناحية القانونية، بينما تنكمش قيمتها السياسية من الناحية العملية. ومن هنا يمكن النظر إلى الديمقراطية لا باعتبارها مجرد نظام لإدارة الاختلاف، وإنما باعتبارها أيضًا نظامًا لإبقاء المستقبل مفتوحًا. فالديمقراطية التي تسمح بتعدد الخيارات لكنها تجعل بعض البدائل غير قابلة للتصور، قد تمتلك تعددية إجرائية مع تضاؤل في المجال الإدراكي للممكن.
خاتمة: ربما يكون أخطر ما يمكن أن يحدث في المجال السياسي ليس أن يُمنع الإنسان من الكلام، وإنما أن يتكلم دون أن يؤمن بإمكان التأثير. وليس أخطر ما يمكن أن تفعله السلطة أن تمنع البديل بالقوة، وإنما أن يصبح البديل غير حاضر في الخيال السياسي أصلًا. عند هذه النقطة لا تعود اللامبالاة مجرد غياب للاهتمام، وإنما تصبح نتيجة لبنية تنتج العجز السياسي من داخل الوعي نفسه.
ومن هنا تقترح نظرية «إنتاج الإمكانات المغلقة» أن المعركة السياسية الأعمق في العصر الحديث قد لا تكون فقط على توزيع السلطة أو الموارد، وإنما على حدود الممكن السياسي.فالسؤال الذي ينبغي أن يسبق سؤال «: ماذا سنفعل؟» هو «: ماذا ما زلنا قادرين على أن نتخيل أنه ممكن؟» لأن السياسة تبدأ من اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أن الواقع القائم ليس الإمكان الوحيد. ومن هنا، فإن استعادة الفعل السياسي قد تبدأ من استعادة شيء يبدو أكثر بساطة، لكنه أكثر جوهرية: إعادة فتح الإمكان.
القناة 13: خلافات تل أبيب وواشنطن تتعمق بشأن إنهاء القتال في 3 جبهات
ترمب: نراقب إيران اقتصادياً ونؤجل أي تحرك عسكري كبير
الحيصة: أراضي مشروع سكة العقبة ستسجل باسم خزينة الدولة
صورة تختصر حكاية إنجاز .. وحفل سيبقى محفورا في ذاكرة جامعة آل البيت
حين لا يعود القمع ضروريًا: كيف تُنتَج اللامبالاة السياسية؟
ترمب للعالم .. توكلو ع الله بصير خير
ابن طرابزون .. تفاعل مصري وعربي واسع مع استقبال صلاح
الرئاسة التركية تطلق حملة إعلامية خاصة بـاتفاقية مكة
قبة حرارية تضرب 4 دول عربية بارتفاع قياسي يتجاوز 50 درجة
الجامعة العربية تدين الهجمات الحوثية على مواقع يمنية
وفاة خمسيني بصعقة كهربائية في الأغوار الشمالية
مكتب المرشد الإيراني: مجتبى خامنئي التقى بزشكيان
ملادينوف يدعي أن إسرائيل ستنسحب من غزة إذا نُزع السلاح بشكل حقيقي
بعد انتشار فيديو مؤثر لها .. آخر تطورات قضية نور برغل
122 موقعاً مزيفاً تنتحل مؤسسات أردنية .. تقرير رسمي يكشف أخطر أبواب الاختراق
النواب يقر 27 مادة .. والحكومة توضح تعديلات تملك غير الأردنيين
موجة حر قوية تضرب المنطقة بحرارة تلامس 50 مئوية .. ماذا عن الأردن؟
فيديو يهز إربد .. سائق يفر بعد الاستيلاء على 50 ديناراً وشاب يسقط أرضاً خلال مطاردته
احتراق 3206 مركبات في الأردن خلال عامين
التربية تحدد موعد إعلان نتائج التوجيهي
قطعت جثة والدتها ووضعت رأسها بالثلاجة لأنها أفشلت زيجاتها
الأردن يستقبل 3.15 مليون زائر ويحقق 2.47 مليار دينار دخلاً سياحياً
هزة أرضية تضرب مصر ويشعر بها سكان العقبة
الأردنيون يترقبون عطلة رسمية في آب
مات قبل تخرجه بشهر .. فيديو مؤثر لأم تتسلم شهادة ابنها الراحل
بعد 6 أعوام من الجريمة التي هزّت الأردن .. «فتى الزرقاء» يرتدي ثوب التخرج


