خطة عوديد ينون
16-06-2026 06:09 PM
لم تعد دراسة التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي شهدها الوطن العربي منذ مطلع القرن الحادي والعشرين حكراً على مقاربات التحليل الآني أو العفوي للأحداث. فالتفكك الهيكلي الذي أصاب بنية الدولة الوطنية المركزية في محطات مفصلية — بدءاً من احتلال العراق عام 2003، مروراً بتقسيم السودان عام 2011، وصولاً إلى تدويل الأزمات الداخلية في سوريا وليبيا واليمن إبان تفاعلات "الربيع العربي" — يستدعي العودة إلى الأطر الاستراتيجية الناظمة للسياسة الأمنية الصهيونية.
تبرز في هذا السياق وثيقة "استراتيجية إسرائيل في ثمانينيات القرن العشرين"، والمعروفة أكاديمياً بـ "خطة عوديد ينون"(1982)، كإطار نظري مبكر لمفهوم "إعادة هندسة الإقليم". تسعى هذه الدراسة إلى تتبع الأثر المتكيف لهذه الخطة، واختبار فرضية مفادها: *أن التفاعلات الجيوسياسية الراهنة في المنطقة العربية، وإن بدت مدفوعة بعوامل ذاتية وسياقات دولية متعددة، تمثل تجسيداً وظيفياً ونسقياً لسيناريوهات "التفتيت وإعادة التركيب" التي نصت عليها الاستراتيجية الصهيونية.
أولاً: المنطلقات الفلسفية والجيواستراتيجية لـ "خطة ينون"
نُشرت خطة عوديد ينون (المستشار السابق بوزارة الخارجية الإسرائيلية) في مجلة *كيفونيم* (Kivunim) في شباط 1982، أي في فترة اتسمت بتحولات جوهرية شملت خروج مصر من معادلة الصراع المباشر بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد، وبداية الاجتياح الإسرائيلي للبنان. لم تكن الخطة وليدة صدفة سياسية، بل مثلت صياغة نسقية لأفكار صهيونية كلاسيكية تعود إلى "زئيف جابوتنسكي" و"ديفيد بن غوريون"، وتتمحور حول مفهوم "بلقنة المنطقة" (Balkanization).
تقوم الفلسفة الأمنية للخطة على ركيزتين أساسيتين:
1. أطروحة "الفسيفساء الهشة":النظر إلى العالم العربي ليس ككتلة قومية متجانسة، بل كجراب مليء بالتناقضات الإثنية، الطائفية، والعشائرية القابلة للانفجار عند أي هزة بنيوية.
2. استراتيجية "تآكل المحيط":حتمية تفكيك الدول المركزية الكبرى المحيطة بالكيان الصهيوني وحظر تشكّل أي قطب إقليمي وازن (خاصة في حوضي الرافدين والنيل وبلاد الشام)، وتحويل هذه الدول إلى دويلات طائفية أو عرقية متناحرة، مما يضمن تفوق إسرائيل كـ "مركز استقرار" وحيد في محيط مضطرب.
ثانياً: التقاطعات البنيوية بين الاستراتيجية الصهيونية والمشاريع الغربية
لا يمكن فهم آليات نفاذ خطة ينون في العصر الحديث دون رصد تقاطعاتها العضوية مع مشاريع الهيمنة الأنجلو-أمريكية. فالخطة لم تعمل في فراغ، بل تماهت بنيوياً مع أطروحات "خرائط الدم" و"تقسيم الشرق الأوسط" التي صاغها المؤرخ البريطاني-الأمريكي برنارد لويس، والتي اعتُمدت رسمياً من قبل الكونغرس الأمريكي في ثمانينيات القرن الماضي.
ومع مطلع القرن الحادي والعشرين، تجدد هذا التقاطع عبر مفهوم "الفوضى الخلاقة"(Creative Chaos) ومشاريع "الشرق الأوسط الكبير والجديد" المحافظة لـ (المحافظين الجدد) في واشنطن. إن التناغم بين رغبة إسرائيل في تفتيت محيطها، ورغبة الليبرالية العسكرية الغربية في تفكيك النظم المركزية بدعوى "نشر الديمقراطية"، وفّر "الغطاء الدولي" والحوامل العسكرية والمالية الضرورية لتحويل التنظير الاستراتيجي لـ ينون إلى واقع تطبيقي.
ثالثاً: خرائط التطبيق الإقليمي وسياقاتها المحلية (من العراق إلى اليمن)
عند إخضاع الجغرافيا السياسية العربية للتحليل المقارن، نجد أن الدول الخمس التي حددتها خطة ينون كأهداف رئيسية للتفكيك، قد شهدت بالفعل مسارات تآكل بنيوي متطابقة:
1. العراق والسودان: النماذج التطبيقية المباشرة
العراق (2003):شكل الغزو الأمريكي للعراق التطبيق الصريح والأكثر عنفاً لبند ينون المتعلق بـ "تفتيت العراق إلى ثلاث دويلات (شيعية، سنية، كردية)". ورغم بقاء الدولة موحدة رسمياً، إلا أن الدستور الذي كُتب تحت الاحتلال كرس نظام "المحاصصة الطائفية والإثنية"، وحول الدولة المركزية إلى فدرالية رخوة، مع فصل إقليم كردستان وظيفياً واقتصادياً.
2.السودان (2011):نصت وثيقة ينون صراحة على أن السودان "الدولة الأكثر تمزقاً" ويجب تقسيمها. كان انفصال جنوب السودان عام 2011 بمثابة نجاح جيوسياسي مباشر لهذا السيناريو، حيث عزل العمق الأفريقي للسودان، وأسس لديناميكية حرب أهلية مستمرة التهمت قدرات الدولة المركزية في الخرطوم.
3. معضلة الربيع العربي: تحوير الانتفاضات وتحويلها (سوريا، ليبيا، اليمن)
لم تكن أحداث عام 2011 مؤامرة خارجية في منطلقاتها الشعبية المطلبية، إلا أن "الاستثمار الوظيفي"الإسرائيلي والدولي في نتائجها هو ما حوّلها إلى مسارات تخدم خطة ينون.
- سوريا:جرى تحويل الحراك الشعبي إلى صراع مسلح متعدد الأطراف، مما أدى إلى نشوء "مناطق نفوذ متصارعة" وتآكل السيادة لصالح فواعل من غير الدول (جبهات طائفية، ميليشيات عرقية، تنظيمات عابرة للحدود)، محققاً نبوءة ينون بتفتيت الشام على أساس طائفي (علوي، سني، درزي).
- ليبيا واليمن: سقطت الدولتان في فخ "التفتيت العمودي والجهوي". في ليبيا برز الصراع التاريخي بين الشرق (برقة) والغرب (طرابلس) والجنوب (فزان). وفي اليمن، أُعيد إحياء خطوط الصدع التاريخية بين الشمال والجنوب، مع صعود الهويات القبلية والمذهبية الفرعية على حساب الهوية الوطنية الجامعة.
رابعاً: "الاستغلال الوظيفي" للتناقضات:
تكمن الأصالة العلمية في هذا التحليل في الابتعاد عن السردية التبسيطية لـ "نظرية المؤامرة" التي تفترض قدرة إسرائيل على تحريك الجماهير بالريموت كنترول. الأطروحة الأكثر رصانة هنا هي "استراتيجية الاستغلال الوظيفي والاستثمار في الفوضى".
لم تكن إسرائيل بحاجة لإرسال جيوشها لتفتيت سوريا أو اليمن؛ بل اعتمدت على "الهندسة غير المباشرة" عبر:
تغذية التناقضات البنيوية:استغلال أزمات الشرعية السياسية، وغياب التداول السلمي للسلطة، والتهميش الاقتصادي، وهي عيوب بنيوية كامنة في نظام الدولة الوطنية العربية.
إستراتيجية "الإنهاك المتبادل":إطالة أمد الصراعات الداخلية عبر منع حسم أي طرف للمعركة (كما ظهر جلياً في المشهد السوري واللبيي)، مما يضمن وصول كافة الأطراف المحلية إلى حالة "الاستنزاف الشامل" التي تدفعهم طواعية لطلب الحماية الأمنية أو القبول بخرائط تقسيم الأمر الواقع.
خامساً: الجيواقتصاد الناشئ ومآلات الدولة الوطنية العربية
لا يقتصر البُعد المعاصر لخطة ينون على تفكيك الجغرافيا السياسية، بل يمتد إلى إعادة صياغة الجيواقتصاد الإقليمي. إن إنهاك وتهميش المراكز الحضرية والتاريخية الكبرى في العالم العربي (بغداد، دمشق، القاهرة) خلق فراغاً استراتيجياً سمح بطرح مشاريع ممرات اقتصادية وشبكات طاقة دولية وإقليمية ناشئة تلعب فيها إسرائيل دور "العقدة المركزية والاستقرار الافتراضي" للربط بين الشرق والغرب.
إن المآل الأخطر لهذه الديناميكية هو تحول مفهوم "الدولة الوطنية" في المخيال السياسي العربي من كيان سيادي جامع إلى مجرد "سلطات محددة جغرافياً" تُدار من قبل قوى إقليمية ودولية، وتقتات على الهويات الفرعية (القبلية والمذهبية).
خاتمة
في المحصلة، تثبت هذه الدراسة أن "خطة عوديد ينون" (1982) لم تكن مجرد وثيقة أرشيفية منسية، بل مثلت "النص المرجعي المستمر" لقراءة التحولات العربية الفادحة. إن التقاطع الرهيب بين نصوص الوثيقة وثنايا الواقع الراهن في السودان والعراق وسوريا وليبيا واليمن يُظهر كفاءة الاستراتيجية الصهيونية في التكيف الذكي مع المتغيرات، وقدرتها على تحويل الأزمات الداخلية العربية إلى روافع جيوسياسية لمشروع الهيمنة الإسرائيلي. وبناءً عليه، فإن مواجهة هذا التفتيت لا تبدأ من إنكار المؤامرة أو الاستسلام لها، بل من معالجة الثغرات البنيوية داخل "الدولة الوطنية العربية" التي سمحت لهذه الخرائط أن تتحول من ورق الأبحاث الصهيونية إلى دماء وجغرافيا على الأرض.
الملك للمنتخب: قاتلوا بروح النشامى وارفعوا اسم الأردن
التزام إيراني عماني بالعبور الآمن في هرمز
وفاة الفنان السوري أسامة السيد يوسف
ترامب: نسعى لتدمير اليورانيوم الإيراني لا للاستيلاء عليه
مبادرة لتركيب سناسر قياس السكر لأطفال مصابين
إيران وأمريكا توقعان الاتفاق بموقع يصعب الوصول إليه .. التفاصيل
مواكب وفعاليات بسان خوسيه ودالاس احتفالاً بالنشامى .. فيديو
بث مباريات النشامى بـ 4 مدن رياضية و60 مركزاً شبابياً
انتهاء استجواب نتنياهو في ملفات الفساد
ترتيبات لإبرام مذكرة تفاهم بالمجال الزراعي بين أذربيجان والأردن
الأردن يدين فتح سفارة مزعومة لإقليم أرض الصومال بالقدس
فتح باب التسجيل للمشاركة في معرض الكتاب
مَوَاعِظُ وَعِبَرٌ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ
الفئات التي تشملها العطلة الرسمية في الأردن غداً
انخفاض الذهب بالتسعيرة الثانية محلياً
الأمن يكشف تفاصيل جريمة مروعة في عمّان
قفزة هائلة بأسعار الذهب محلياً اليوم
إحالة 9 عمداء و16 عقيدا من ضباط الأمن العام إلى التقاعد .. أسماء
ما مصدر الجميد المحتوي على ثاني أكسيد التيتانيوم بالأسواق
العلوم الطبية في عمّان الأهلية تنشر بحثين علميين في مجلات عالمية مرموقة حول السمع وصحة الأذن
700 دونم من القمح رمادًا في اربد والمزارعون يطالبون بإصدار شهادات المنشأ
ترتيبات جديدة لمواعيد العيادات الصباحية بالبشير .. التفاصيل
العودات: المناسبات الوطنية تستحضر إرثاً قام عليه الأردن الحديث
اعتراض وإسقاط 5 صواريخ أطلقت من إيران باتجاه الأزرق
الأمن العام يوضّح ملابسات فيديو مشاجرة شفا بدران
التربية النيابية" تشيد بإنجازات جامعة العلوم والتكنولوجيا وبرامجها الأكاديمية المستقبلية
ولي العهد يتفقد تدريبات المنتخب الوطني بمدينة سان دييغو الأميركية
