كيف نضمن حق الخزينة دون الالتفاف على الدستور

كيف نضمن حق الخزينة دون الالتفاف على الدستور

02-08-2026 05:08 PM

تضع هذه الأطروحة اليد على الجرح الغائر في العلاقة بين المكلَّف (مواطناً كان أم مؤسسة) ودائرة ضريبة الدخل والمبيعات بوصفها إحدى أهم مؤسسات الدولة الركينة. إن القارئ المحلل للمشهد الاقتصادي الوطني يلمس بوضوح خللاً هيكلياً مزدوجاً في المعادلة الحالية: فمن جهة، يتعاظم حجم "الاقتصاد الخفي" وتتفاقم ظاهرة التهرب الضريبي لتستنزف الخزينة العامة من موارد مستحقة؛ ومن جهة أخرى، يبرز سلوك إداري يتسم بالتسلط والشطط في التقدير الضريبي، يدفع مؤسساتٍ وشرائحَ إنتاجية كاملة نحو التعثر والإفلاس، أو العزوف عن الاستثمار.
إن هذا الواقع الصادم يمثل انحرافاً صريحاً عن الفلسفة الدستورية المحددة في الفقرة الثانية من المادة (111) من الدستور الأردني، والتي نصت صراحة على أن:«تُفرض الضرائب على أساس التكليف تصاعدياً مع المراعاة لمبدأ المساواة والعدالة الاجتماعية وأن لا تؤدي إلى تجاوز قدرة المكلفين على الأداء وتلبية حاجات الدولة إلى المال». ولتحقيق التوازن المنشود، ومنع الطاقة التكليفية للقطاعات الاقتصادية من الانهيار، بات من المحتم البدء بتشخيصٍ موضوعي يربط بين الأرقام الصماء وواقع التطبيق الإداري.
تظهر التقديرات الرقمية الصادرة عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) والدراسات الاقتصادية الوطنية أن حجم الاقتصاد غير الرسمي في الأردن يستحوذ على 20% إلى 25% من الناتج المحلي الإجمالي (ما يعادل 7 إلى 8 مليارات دينار أردني). وتنجم عن ذلك فجوة ضريبية (Tax Gap) تُقدّر بنحو 600 إلى 800 مليون دينار سنوياً بسبب التهرب والتحايل، وتتركز غالبيتها في الأنشطة الحرفية، والخدمات الفردية، والتجارة غير المنتظمة، وبعض المهن الطبية والهندسية التي لم تنخرط بعد كلياً في منظومة الفوترة, وفي المقابل، تنشأ ظاهرة "الشطط الضريبي" (Over-Assessment) جراء ممارسات إدارية خاطئة، في مقدمتها ربط حوافز ومكافآت المدققين بحجم الفروقات المالية المرفوضة أو المبالغ المضافة في التقدير وان هذا النمط الإداري قد يحوّل الموظف التدقيقي من مراجعٍ محايد يتقصى الحقيقة إلى جهة تبحث عن أي ثغرة لزيادة المبالغ المقدرة، مما يرسخ لدى المكلف شعوراً بأنه يتعامل مع "دائرة جبائية" تسعى للتحصيل المجرد، لا مع مؤسسة سيادية ترعى شريكاً استثمارياً في ميزانية الوطن.
ومما يزيد المشهد خطورة، أن هذا الشطط في التقدير يُستخدم – بقصد أو بغير قصد – كأداة لإيجاد "وهم رقمي" يُظهر تراجعاً صورياً في حجم التهرب الضريبي؛ إذ تُغطى الفجوة الضريبية بالأرقام المضخمة والمفروضة قسراً على المكلف الملتزم. إن هذا التخفيض الظاهري لرقم التهرب لا يحل المشكلة، بل يُكرّس ظواهر خطيرة تُناقض جوهر المادة (111) من الدستور الأردني، حيث تُستبدل العدالة وسيادة القانون بجباية شاطة تُنهك الاقتصاد المنظم بدلاً من ملاحقة الاقتصاد غير الرسمي.
ويزداد الأمر تعقيداً عبر الرفض الإداري لنسب واسعة من المصاريف التشغيلية الحقيقية بدعوى "عدم كفاية التوثيق" او التعزيز للنفقات أو بالاستناد إلى قرائن اعتباطية، مما يرفع الأرباح الصافية المفترضة إلى أرقام خيالية. وعندئذٍ، يجد المكلف نفسه أمام مسار اعتراض معقد يخضع للمزاجية والإجراءات الطويلة، وتتراكم عليه أثناء ذلك غرامات وتأخيرات (تصل إلى 9% أو أكثر)، لتتضاعف أصول الديون الضريبية وتتجاوز بمراحل ملاءته المالية، فيضطر مجبراً للقبول بتقديرات جزافية تتنافى مع دفاتره وحساباته المدققة.
سيما وإن الخلل بين التهرب والشطط ليس مجرد إرباك إداري، بل هو تجاوز للقواعد المستقرة في الفقه والقضاء الأردني. فالمادة (111) من الدستور تضع شرطين حاسمين لبطلان التقدير الشاط:
1. شرط عدم تجاوز القدرة التكليفية: فالضريبة اقتطاع جزء من النماء لا مصادرة لأصل المال. وأي تقدير يُفضي إلى الإغلاق أو الإفلاس يعتبر مصادرة غير مباشرة للملكية، وهو ما يقع تحت طائلة الحظر الدستوري الصريح في المادة (11) التي تمنع استملاك أموال أحد إلا للمنفعة العامة ومقابل تعويض عادل.
2. مبدأ العدالة والمساواة: عندما يتهرب العازف عن الالتزام بينما يُحمَّل الملتزم تبعات الفجوة الضريبية عبر التقديرات الجائرة، تفقد المنظومة مظلتها الأخلاقية والدستورية.
وقد تصدت محكمة التمييز الموقرة لهذا الشطط بمبادئ قضائية صارمة قضت ببطلان التقدير المبني على الظن والتخمين، مؤكدة على أن: «قيام المدقق بتعديل الإقرار الضريبي للمكلف واستبعاد مصاريفه أو إحداث زيادة على مبيعاته بناءً على الافتراض والتقريب ودون استناد إلى أدلة ومعززات قانونية حقيقية يخرج التقدير عن نطاق المشروعية ويجعله حقيقاً بالإبطال».كما استقرت الأحكام على أنه إذا أثبت المكلف الإنفاق المالي لتحقيق الدخل بموجب قيود أو قرائن قانونية، فلا يجوز للمقدّر استبعاد هذه المصاريف إلا إذا أثبتت الدائرة بصورة قاطعة صوريتها أو عدم ارتباطها بالنشاط. وبربط ما سبق مع واقع القطاعات الاقتصادية التي تتعامل معها دائرة الضريبة يجد المتابع بانه لا تتوزع وطأة المشكلة بالتساوي؛ إذ يظهر التباين الأكبر في قطاعين حيويين: هما قطاع المهن الحرة (الأطباء، المحامون، المهندسون، المستشارون)حيث يعاني هذا القطاع من ارتفاع التهرب النقدي من جهة، ومن تقديرات إدارية شاطة تعتمد على مؤشرات غير دقيقة (كعدد الأسرة أو مساحة المكتب) من جهة أخرى.وقطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة (SMEs) اذ تعجز غالبية هذه المنشآت عن إعداد دفاتر محاسبية معقدة وفق المعايير الدولية، مما يجعلها فريسة سهلة للتقدير الجزافي المرتفع الذي لا يراعي ضعف طاقتها المالية.
ومن هنا فيرى الكاتب بإن إصلاح هذا الاختلال يتطلب استراتيجية تشريعية وإجرائية شجاعة تقوم على جناحين متكاملين الاول يتمثل بكبح الشطط وحماية المكلف من جهة، وتجريم التهرب وتحصيل حق الخزينة من جهة أخرى.
أولاً: إصلاح الإدارة الضريبية وكبح الشطط
1. تعديل هيكلية حوافز المدققين: فصل التقييم الوظيفي والمكافآت عن حجم المبالغ المفرودة، وربطها بنسبة القرارات التي تثبت صحتها أمام القضاء الضريبي ومعدل الالتزام بالمهل القانونية.
2. إقرار أدلة معيارية قطاعية للنفقات (Standardized Expense Ratios): تحديد نسب معيارية مقبولة حكماً للنفقات التشغيلية (مثل 30% إلى 45% لقطاع المهن الحرة) دون مطالبة بإثباتات تعجيزية ما لم يقدم المكلف فواتير تثبت نفقة أعلى.
3. وضع سقف أعلى للغرامات (Cap on Penalties): التوصية بتعديل تشريعي يحدد ألا تتجاوز الغرامات والفوائد التجميعية نسبة محددة (50% إلى 100% من أصل الدين الضريبي كحد أقصى)، حماية للمؤسسات من الانهيار.
4. إعادة هيكلة لجان التسوية والمصالحة: إدخال أعضاء مستقلين من جمعية الخبراء الضريبيين وغرف التجارة والصناعة لضمان الحياد، مع تجميد الغرامات فور تقديم طلب التسوية المستوفي للشروط.
5. تجميد الحجوزات التحفظية الإدارية: حظر الحجز الفوري على الحسابات البنكية بموجب قرارات إدارية أولية، واشتراط موافقة المحكمة الضريبية لمنع شلل المنشآت وتشريد عمالتها.
ثانياً: دمج الاقتصاد الخفي ومكافحة التهرب
1. التعميم الشامل لنظام الفوترة الإلكتروني: ربط 100% من أصحاب المهن الحرة والأنشطة التجارية بالنظام، وربط تجديد تراخيص الممارسة النقابية والسنوية بالامتثال للفوترة.
2. تفعيل نظام الضريبة المقطوعة (Presumptive Tax): اعتماد ضريبة مبسطة وثابتة (مثلاً 1% إلى 1.5% من إجمالي المبيعات) للمشروعات المتناهية الصغر والصغيرة التي تقل مبيعاتها عن حد معين (مثل 160 ألف دينار)، لإدماجها دون تطلب دفاتر منتظمة.
3. التحول الرقمي والربط الذكي (Big Data & AI): الربط الإلكتروني بين الضريبة والجمارك والأراضي والبلديات والبنوك لتحديد نمط الإنفاق والنمو المالي عبر الذكاء الاصطناعي، مما يقلل الاحتكاك البشري والتقدير الكيفي.
4. تحفيز المستهلك النهائي (Consumer Rewards): إطلاق تطبيق جوائز سريعة للمواطنين عند طلب الفواتير، لنقل عبء الرقابة التشغيلية من الموظف إلى الجمهور.
وختاما فان حماية الاقتصاد الوطني لا تكون بالتشديد الجبائي الذي ينهك المؤسسات الملتزمة، ولا بالتغاضي عن المتهربين الذين يستنزفون الخزينة، وبالتأكيد ليس بتجميل أرقام التهرب عبر صنيع التقدير الشاط. إن التوازن الدستوري والقانوني هو المفتاح الأساسي لبناء ثقة متينة بين المواطن والدولة، ولضمان استدامة الموارد العامة دون إعاقة عجلة النمو والاستثمار. والله ولي التوفيق ،،


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد