هل تعرف كيف ينظر لنا المستثمر الدولي
31-07-2026 08:39 PM
تتردد في الأوساط الاقتصادية والسياسية مقولة تاريخية طالما شكلت قاعدة ذهبية في العمل التنفيذي مفادها أن النظرية شيء والتطبيق شيء آخر، ومهما تلا هذه المقولة من فلسفات عميقة وتفسيرات وتشعبات أكاديمية، إلا أنها تظل تشكل التصور الحقيقي وحجر الزاوية لما يدور في سيكولوجية المستثمر الدولي وعقله الاستراتيجي. إن المستثمر الخارجي ليس مجرد كتلة مالية صامتة تتحرك في الفراغ بحثاً عن أرقام مجردة من الأرباح، بل هو كيان معقد تحركه دوافع متسلسلة وديناميكية تنطلق من مثلث استراتيجي بالغ الأهمية، وإن بدا للآخرين أو للمراقب العادي أنه تفصيل هامشي غير مؤثر. ينطلق هذا المستثمر في تقييمه الأولي لأي بيئة استثمارية من قراءته الدقيقة للأخبار والأحداث اليومية، والتي لا يراها كمجرد مادة صحفية، بل كشرارة أولى ومؤشر محوري يقع مباشرة في قلب قرارات التفكير الاستراتيجي لديه، ثم يتبع ذلك بالتدقيق في المعلومات التفصيلية التي تشير إلى نوعية القرارات وصياغتها التشريعية، وسيل التحفيز المتبع، ومستويات البيروقراطية، مما يجعله يشعر بالثقة في أنه أمام فرصة حقيقية للمشاركة الاستثمارية أو يدفعه للنفور. ويتحرك الضلع الثالث لهذا المثلث عبر الأخبار الاجتماعية والأمنية التي تشكل له النبض الحقيقي والواقعي لما يتصوره عن وجوده الفيزيائي والشخصي، وأمان عائلته وموظفيه وأصوله في هذا البلد.
وفي أروقة الاجتماعات الخاصة والمغلقة لرجال الأعمال الدوليين، لا تُقرأ الأخبار كنوع من التسلية أو الاطلاع العابر، بل تُشرح وتُترجم فوراً في غرف العمليات لديهم إلى نسب مخاطر رقمية ومعادلات تقييم صارمة تدرس استقرار البيئة المستهدفة. ويمتلك هؤلاء المستثمرون حساً استثمارياً لاقطاً وفائق الحساسية، يعمل بآلية ديناميكية عبر الاتصالات والمراسلات الدولية، وسماع الأقوال من الأفراد والجهات والجرائد المعتمدة، ومن زملاء لهم ذوي تجارب عملية مروا بنفس البيئة، وصولاً إلى الاعتماد على محامين مستقلين ومستشاري مخاطر يقدمون لهم قوائم المسؤوليات والالتزامات القانونية كتوصيات حاسمة لا يمكن تجاوزها.
وهنا يجب أن نعي حقيقة دولية غابت عن الكثيرين، وهي أن سبب نفور المستثمر الدولي في كثير من التجارب العالمية المريرة لم يكن تلك الشماعة التقليدية الفضفاضة والضبابية المتعلقة بمصطلح الفساد العام، وإنما كانت الأسباب الحقيقية والعميقة هي الخوف الحقيقي من التجربة الناتجة عن المناخ العام المرتبك للمكان المراد الاستثمار به، واهتزاز كيفية صناعة القرارات وتلاحق الأحداث بطرق غير مدروسة. ومن واقع الخبرة الواقعية الطويلة في العمل بمجال الاستثمار والاستشارات الاقتصادية، والتواصل المباشر والمستمر مع رجال أعمال دوليين سواء في مسارات الاستثمار المباشر، أو المساهمة في المشاريع الكبرى، أو قضايا التحكيم الدولي، نجد أن عقول رجال الأعمال مبرمجة تلقائياً ومباشرة على تحليل مصفوفة نقاط القوة والضعف والفرص والتحديات بمجرد التقاط أي إشارة. وهنا تكمن الخطورة الاستراتيجية التي نقع فيها، فما يقوم به رواد الأعمال المحليين، أو المسؤولون والمصرحون عن الأخبار، أو طريقة تداول القضايا الحساسة في الفضاء الرقمي، وإن بدا للبعض أنه أمر عادي أو ممارسة عفوية لحرية الرأي والديمقراطية، إلا أنه يمثل معول هدم يؤثر بشكل مدمر في سيكولوجية العقل الاستثماري الخارجي الذي يراقب المشهد بصمت. إننا لا نطلب على الإطلاق حجب الشفافية أو إخفاء الحقائق، ولكننا نطلب بقوة ووعي استراتيجي أن يكون هناك ضبط استراتيجي محكم لإيقاع المعلومات وتوقيت خروجها، ومن أهم ركائز هذا الضبط عدم التسرع الحكومي في طرح قرارات ومسودات قوانين غير ناضجة ولم تكتمل بعد، لتدخل مباشرة إلى مطحنة مناقشة يومية شعبوية عبر وسائل التواصل، بل يجب أن تُطبخ تلك القرارات وتُصهر في بوتقة الدراسات المعمقة والاستشارات الفنية المتخصصة حتى تخرج نهائية، وقاطعة، ومتماسكة، لأنه عندما تُسرب أو تُطرح القرارات عبر سلسلة من الاختلافات وتبادل اتهامات التقصير وتقاذف المسؤوليات ثم تخرج في النهاية بصيغة عامة باهتة، يكون قد فات الأوان تماماً أمام محاولات إعادة بناء الثقة والسيطرة على مخاوف المستثمر الدولي الذي يكون قد حزم حقائبه بحثاً عن بيئة أكثر رصانة.
ويلحق لما سبق من آليات ضبط الإيقاع تصريحات تصدر عن مسؤولين سابقين يتهمون أداء حكوماتهم وهي معلنة في الصحف ويمكن الرجوع إليها ومن خلال تصريحات عامة مغلفة بأن قائلها جريء وشفاف، ومنها في صحيفة رسمية أحد التصريحات ان رئيس وزراء سابق بمزاجيته كاد ان يضيع ملف استثماري كبير وتصريح اخر ان زارة العمل لبست مهتمها ايجاد عمل وتصريخ من هنا وهناك كلها خارج اطار الضبط الجقيقي وبالتالي تؤثر علي المجتمع الاقتصادي الداجلي والخارجي انت تقول وتحقق مكسب شعبي سريع علس حساب ثقة المستثمرين الدوليين لسنوات. ولا ينبغي لنا أبداً كصناع قرار أو باحثين أن نستهين برواد التوك توك والفيسبوك، الذين حولوا أنفسهم بين ليلة وضحاها إلى ناطقين إعلاميين غير رسميين باسم الأمن العام، لا يقدمون للمجتمع وللعالم الخارجي إلا سلسلة متلاحقة ومفزعة من الأحداث والجرائم اليومية، ويغلقون المشهد بعبارات نمطية مثل قامت الأجهزة الأمنية وهرعت إلى المكان. إن هذه الأخبار والوقائع تتم تغطيتها أصلاً من خلال وسائل رسمية وبطريقة مهنية محترفة وبنصوص قانونية واضحة، فما الفائدة الاستراتيجية من إعادة تدويرها وطرحها بطريقة شعبوية ومثيرة إلا بث الرعب وتشويه البيئة المجتمعية أمام عيون المستثمرين؟ ولعلنا نجد مثالاً حياً وصارخاً في طريقة التعامل مع قانون الملكية العقارية أو مشروع سكة القطار، حيث تضج الصحف الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي بسيل عارم من التعليقات والنقد اللاذع في قانون يظهره الهجوم العشوائي وكأن الحكومة لا شغل لها إلا هضم الحقوق وبطريقة غير دستورية. وهنا يتساءل المستثمر بحيرة قاتلة إن كان هذا الأمر صحيحاً فمن هو صانع القرار الذي تجرأ على صياغة تشريع لا يمتثل للدستور، وإن كان المشروع ما زال مجرد مسودة وقيد الدراسة فلماذا يُلقى به في العلن للمناقشة الجماهيرية وهو لم يكتمل بعد؟ إن الصورة المرتبكة التي تُقدم بها الأخبار الاقتصادية أو الاجتماعية عند حدوث أي أزمة حقيقية في المجتمع، تجعلنا نلوح أمام العالم وكأننا في مشهد فوضوي عاجز، يقود فوراً أي مستثمر سواء كان فرداً أو شركة عملاقة إلى التوقف الفوري عن التخطيط الاستراتيجي وإلغاء قرار الاستثمار كلياً.
إن إهمال المحافظة على معالجة البرامج الاقتصادية العالقة، وترك القضايا معلقة دون حسم، وطول فترة النقاشات الجدلية المستمرة يمثل مؤشراً خطيراً يقلق أي جهة استثمارية تبحث عن بيئة مستقرة وقابلة للتنبؤ، لاسيما عندما يصاحب ذلك تصريحات غير مسؤولة من مسؤولين سابقين أو حاليين يطعنون في دقة القرارات المتخذة خلال إداراتهم السابقة، أو مقالات لمحامين يعلنون جهاراً أن تلك القرارات الحكومية لا تمثل حفاظاً على الحقوق وتفتقر للغطاء القانوني الكافي. وفي عصر التكنولوجيا الحديثة، لا يجب أن ننسى أن أدوات الذكاء الاصطناعي اليوم تقوم بمسح شامل وتوثيق دقيق وتلخيص فوري لكل ما يدور في هذا الملف وتخزينه كبيانات مرجعية لتقييم الدول. فكيف ننتظر تفسيراً إيجابياً لسيكولوجية مستثمر دولي عندما يقرأ في صحيفة معتمدة مقالاً موثقاً بالصوت والصورة لرئيس وزراء سابق يقول فيه علناً إن المزاجية الشخصية ضيعت فرصاً استثمارية كبرى على البلد أو كادت تضيعها، أو يرى عبر لقاء تلفزيوني مرئي مسؤولاً يعلن أن جهات رسمية تدفع نصف راتب لموظفيها لعدم وجود سيولة مالية؟ إن مثل هذه الأمثلة والتصريحات الصادمة تقع في عقل وقلب المستثمر الدولي وقوعاً مرعباً يشكل له قراراً حاسماً بالتوقف الفوري والهروب بأمواله.
إن التعثر الاقتصادي ليس وصمة عار خاصة بنا، بل هو وضع عالمي طبيعي وله تاريخ طويل ممتد من الحرب العالمية الأولى إلى يومنا هذا، ومن يقرأ التاريخ بعمق يعرف تماماً أن الأزمات والتعثر هي سنن تمر بها كبرى القوى الاقتصادية، ولنا في تعثر اليابان بعد ضربة هيروشيما والنهوض الاعجازي بعدها خير دليل، وكذلك التحول الأوروبي الشامل بعد دمار الحرب العالمية الثانية، وأزمات دول أوروبا الشرقية وسياسات التقشف التي امتدت في تاريخهم القاسي لأكثر من خمسين سنة، وانفصال سنغافورة المؤلم عن ماليزيا قبل أن تتحول إلى عملاق آسيوي. وحتى على صعيد المشاريع العملاقة، شهد العالم مشاريع اعتبرت الأكثر خسارة في التاريخ، مثل طريق إتش 3 في هاواي بأمريكا، ومشكلة منطقة نيفادا الأمريكية في ملف النفايات النووية والتي خاضت فيها المدينة صراعاً قانونياً طويلاً وانتصرت بعد أربعين سنة، ومشروع مطار إسبانيا الشبح الذي انتهى تماماً خلال أزمة كورونا وهو يبعد مئتي كيلومتر عن العاصمة، وصولاً إلى مشروع المدينة السكنية الاستثمارية الضخمة لماليزيا مع الصين، وسلسلة الانهيارات التاريخية لشركات عملاقة مثل كوداك بسبب عدم مواكبة التطور الرقمي، وكارثة سقوط طائرات كونكورد الأسرع
في العالم. ولكن ورغم كل تلك الإخفاقات والخسارات بالمليارات، استطاعت تلك الدول استقطاب استثمارات جديدة وعوضت كل ما خسرته نتيجة لسبب واحد جوهري، وهو نجاحها الصارم في ضبط إيقاع التشريعات العامة، وإحكام السيطرة على القرارات والإعلانات الرسمية بطريقة تحفظ هيبة الدولة وجاذبيتها. إننا جميعاً، مسؤولين ومواطنين ورواد أعمال، مسؤولون تماماً عما نقوله وما نصرح به أمام الملأ، والأصل الاستراتيجي أنه إذا لم يكن هناك قرار قطعي وبات بموضوع معين فلا داعي لطرحه أصلاً في الفضاء العام، إلا أن يكون في مراحله النهائية وعبر مجلس تقييم مختص يزن الكلمة بميزان الذهب. وإن ما حدث ويحدث في طريقة التعامل الإعلامي والشعبي مع صندوق الضمان الاجتماعي أدى إلى قرارات انسحاب جماعية وتخوفات بلبلت الأسواق، والمشكلات المتلاحقة مع قطاع الطاقة والتي أدت مع الأسف الشديد إلى إغلاق نحو اثنين وثلاثين فندقاً في مدينة البتراء الأثرية، تتزامن في الوقت ذاته مع ضخ إعلامي مستمر يعلن بنوع من الانفصام أن البتراء حققت إقبالاً سياحياً عالمياً وتاريخياً، وهذا التناقض الصارخ يصيب عقل المستثمر الدولي بالذهول ويجعله يفقد الثقة في البيانات الرسمية. وحتى على مستوى الجسم الاجتماعي الذي أصبح ملتهباً ومحتقناً، نرى أنه بمجرد أن تعلن إدارة السير عن تركيب كاميرا جديدة لتنظيم المرور وحماية الأرواح، يقابلها المجتمع بهجوم كاسح بوصفها أداة جباية، علماً بأن كل دول العالم المتقدم والحديث تطبق قوانين صارمة جداً ومخالفات مالية ضخمة لحفظ النظام تصل إلى عشرة آلاف دولار، وفي رومانيا يُغرم المشاة بمبلغ يصل إلى خمسمئة دولار لمجرد قطع الشارع من غير المكان المخصص له، دون أن يجرؤ أحد على وصفها بالجباية بل يُنظر إليها كاحترام للقانون ونضج مدني.
إن بناء واسترداد ثقة المستثمر الدولي تتطلب فوراً وبشكل عاجل وبلا أي تأخير اتخاذ خطوات عملية جريئة لحسم الملفات العالقة وإنهاء لغة الضبابية والتصريحات المتناقضة. والمؤسسات الوطنية اليوم بكل أجهزتها أمام ملف استراتيجي بالغ الخطورة والأهمية، وهو ضبط إيقاع الرأي والتفسيرات والطعن ومطحنة الاتهامات المتبادلة التي تربك المواطن البسيط الراغب في عمل مشروع صغير يعتاش منه، وترعب في ذات الوقت المستثمر الدولي الذي يريد أن يقرر استثمار ملايين الدولارات ولأجل زمني طويل.
وتكمن بداية الحل الحقيقي في التأسيس الفوري لمجلس اقتصادي قانوني إعلامي مشترك ومختص، تكون مهمته الأساسية فحص وتدقيق ودراسة الإعلانات والقرارات الاقتصادية والتشريعات قبل صياغتها النهائية وقبل إعلانها للعامة، لضمان عدم تحولها إلى تريند رقمي يطفش ثقة المستثمرين بجميع أطيافهم. إن ضبط إيقاع الإعلام الاستراتيجي وعرض النوايا والمشاريع الحكومية يجب أن يتم داخل غرف اللجان القانونية والفنية المتخصصة والملتزمة بأعلى معايير الحوكمة والسرية قبل الإفصاح عنها، وإيجاد حلول جذرية ومستقرة لملفات الاستثمار الشائكة مثل الإقامات وتسهيلاتها، وتعديلات الملكية، وأسعار الطاقة، لأن شلل الاقتصاد الحقيقي في كثير من الأحيان لا يصنعه نقص الموارد الطبيعية أو المالية، بل يصنعه بكل وضوح المناخ العام السلبي والمرتبك الذي نصنعه بأيدينا يومياً عبر الفوضى الإعلامية والتشريعية.
الأردن يرحّب بخطوة ترامب لتنفيذ مراحل جديدة من خطة السلام في غزة
قوات الاحتلال تقتحم بلدات فرعتا وعزون وإماتين شرق قلقيلية
صناعة المصطلحات وتضليلها: حالة غزة كدراسة
دمياط ليست الهدف… فهل دخلنا مرحلة جديدة من التهديدات غير التقليدية؟
هل تعرف كيف ينظر لنا المستثمر الدولي
القوانين الأوروبية لا تتيح استبعاد إسبانيا من منطقة شنغن
مدريد تعلن استمرار عودة آلاف المهاجرين من سبتة إلى المغرب
ترامب: اتفاق نزع سلاح حماس خطوة كبيرة للشرق الأوسط
ترامب: ما نقوم به ضد إيران عملية عسكرية وليست حربًا
ترامب يشبه تدفق المهاجرين على سبتة باجتياح
عون يعتبر عمليات التفجير الإسرائيلية في الجنوب تهديدا مباشرا للاتفاق
سانشيز للقادة الأوروبيين إثر أزمة سبتة: ليس هذا وقت الانقسام
واشنطن تتهم مدريد بجهود متعمّدة لتسهيل الهجرة غير النظامية
انخفاض إعادة تصدير المركبات عبر المنطقة الحرة في الزرقاء بنسبة 50.3%
منع الشورت في الأردن .. تقرير شامل يرصد الجدل والآراء القانونية والإعلامية والشعبية
بعد مقتل نور طعنا في عمّان .. عائلتها تصدر بيانا وتوضح الحقائق
حقيقة قصة تحول امام مسجد الى أنثى في الأردن
تطور جديد في قضية جيمي كارني .. محققون إيرلنديون يزورون الأردن
وفاة أم وأطفالها الثلاث في حادث أليم على الطريق الصحراوي
انخفاض ملحوظ بأسعار الذهب محلياً اليوم
تنقلات وتعيينات في مديرية الأمن العام .. أسماء
خبر سار من الحكومة .. مدعوون لاستلام آلاف الدنانير .. أسماء
إبداع سعودي وليبي بمهرجان المونودراما المسرحي
تجار الغذاء: توقف اللحوم الرومانية ليس سبب ارتفاع الأسعار
حريق مجمع سفريات عجلون .. تجار يروون للسوسنة كيف فقدوا مصدر رزقهم
الدفاع المدني يتعامل مع حادث شخص محاصر داخل حفرة في منزله
القوات المسلحة تُصدر بياناً مهماً .. تفاصيل