من ركائز السرد الرحلي

من ركائز السرد الرحلي

28-06-2026 03:37 AM

للسرد الرحلي مواضعات خاصة في كتابته، تقوم على تحبيك عناصر السرد تحبيكا يكون فيه للمكان حضور مركزي. وهذه المركزية هي التي تعطي لتلك المواضعات قوتها الجمالية. ذلك أن التناسب في عمل مواضعات السرد الرحلي من جهة، ومركزية المكان من جهة أخرى، هما اللذان يمنحان هذا السرد خصوصية إبداعية. ولا فرق في ذلك بين أن يكون المكان معلوما جغرافيا أي محددا على خريطة المصورات الكارتوغرافية، وبين أن يكون متخيلا، يبتكره المؤلف من تلقاء ذاته، ليوجه على وفقه نصه السردي؛ إذ لا تؤثر نوعية الرحلة في مصداقية سردها، وإنما الذي يؤثر هو طبيعة تعالق المكان وصفا بالمؤلف متكلما. وهنا مكمن الاشكالية فهل يكون المتكلم هو المؤلف أم هو السارد؟ وما علاقة هذا التحديد بالمركزية التي يحتلها المكان؟ وكيف يكون للوصف المكاني دور في توكيد الفاعل السردي؟
ليس جزافا القول إن ركائز اشتغال المكان في السرد الرحلي، هي نفسها ركائز اشتغال أي نوع من الأنواع السردية باستثناء خصيصة واحدة ينطوي عليها السرد الرحلي هي أن الميثاق السردي بين المؤلف والسارد الذاتي معقود على قصدية كونهما واحدا. فالمؤلف رحالة يتخذ من السفر منهجا في الحياة، وعنده مخزون ذاكراتي هو بمثابة دليل عمل لتأليف نص رحلي هو فيه سارد ذاتي. وما بين كون الحياة منهجا والذاكرة دليلا يكون فعل الترحال سابقا فعل التأليف السردي، ومن ثم تكون سلطة المؤلف أكيدة إلى درجة نراه فيها هو السارد عينه وليس ذاتا ثانية هي تالية في إنجاز فعلي الانشاء والتوصيل.
ولا مراء في أن ما ينطوي عليه السرد الرحلي بضمير المتكلم من إشكالية نقدية وخصوصية فنية، يتأتى من ناحيتين: الأولى أن المؤلف الفعلي هو المتكلم الذي يتلفظ بالأحداث، ومن ثم هو فاعل سردي في بناء الحبكة. وهذه الفاعلية هي بمثابة تكريس فني يعطي المؤلف حظوة ومن خلالها سلطة، معها يصعب فصل صورته بوصفه رحالة عن كيان السارد الذاتي. هذا إن كانت هناك مسافة بينهما أصلا. وهنا مكمن اللاطبيعية أو اللاواقعية في هذا النوع من السرد.
إذ من المعلوم في استعمال ضمير المتكلم في سرديات الأدب الشخصي مثل السير والمذكرات والشهادات، وجود مؤلف هو ذات أولى مفصولة عن ذات ثانية تتجسد على سطح الورق ساردا، له سلطة على النص ويتحكم في عمل المسرودات كما له علاقة بكيان متخيل يقع خارج النص هو المتلقي الضمني. غير أن ما يبدِّل الطبيعية إلى ضدها هو حضور المؤلف في السرد الرحلي بالاسم والصفة رحالة هو نفسه سارد، وله علاقة مباشرة بالمتلقي الفعلي. فتكون اللاطبيعية متجسدة في أن التواصل داخل النص وخارجه يكون من خلال مؤلف حقيقي ولا حاجة به إلى مؤلف ضمني ولا إلى متلق ضمني، وإنما التواصل حاصل بلا ذات ضمنية لكل من المؤلف والمتلقي. يضاف إلى هذا أن الأمكنة لها موقع وأهمية لا في تماسك الحبكة القصصية – وعادة ما يتحكم في تماسكها السارد من خلال ما يقيمه من بناء هيكلي ينظم من خلاله عناصر السرد- بل أهمية الأمكنة هي في اشتراط تلازمها أولا بالزمان الروزنامي وثانيا بالوصف الذي يؤدي وظائف تكنيكية لا تتحقق إلا في السرد الرحلي. فهل يعني هذا أن السرد الرحلي تقريري مثله مثل أي مادة كتابية غير أدبية أو هو بالعكس سرد مركب البنية لوجود مؤلف له سلطة على سارد هو غائب؟
إن الإشكالية في هذا الاشتغال تتحدد في أن للمؤلف سلطة، تتجلى في حضوره بالصوت والصورة. ما يجعل السارد مموها أو مفقودا لانتفاء وظيفته بوجود مؤلف يتولى مهمة إتمام حلقة الوصل بين داخليات النص المتمثلة بعناصر البناء وعلاقاته، وبين خارجياته المتمثلة بالمؤلف والقارئ. وتزداد هذه الإشكالية وضوحا مع كثرة استعمال ضمير المتكلم في المرويات الرحلية التراثية منها والحديثة.
ولا شك فيه أن هذا التضارب أو التقاطع بين عمل المؤلف وعمل السارد هو الذي يؤشر على وجود انفصال بنائي غير طبيعي بين نص سردي هو واقع متخيل، وبين مؤلف حقيقي ينبغي أن يكون ذائبا في كيان السارد الذي يُشترط في عمله أن يكون هو وحده الفاعل في بناء أي نص سردي. ويقتضي هذا التضارب دراسة الأبعاد البنائية للفاعلية الجمالية التي يؤديها المؤلف الحقيقي من خلال البحث في كيفيات فرز الفاعلية الإنشائية أو التأليفية التي هي في الأساس فعل إنتاج إبداعي عن الفاعلية التواصلية بوصفها استجابة قرائية أولا وآخرا. ولا خلاف في أن إنشائية فعل الارتحال هي المتقدمة على فعل (تأليف) الرحلة بنوعيها الفعلية والمتخيلة؛ فالرحالة يغامر في الذهاب إلى أماكن لم يرها من قبل، وحين تتشكل في ذاكرته ذخيرة كافية ومخزونات وافية عن الرحلة ذهابا وإيابا، يقوم بتأليف ما مر به من أحداث بشكل شفاهي أو تحريري. والهدف توصيل ذلك كله إلى المتلقين الذين يفترض فيهم حب الاطلاع على حكايات وقصص، فيها الجديد والغريب مما لم يكونوا قد سمعوا به أو شاهدوه.
إن هذه المفارقة الجمالية في عمل المؤلف في السرد الرحلي بضمير المتكلم، وما يترتب عليها من سبق مؤكد وحاسم بين فعلي الإنشاء والتوصيل، لا نجدها في الأنواع السردية الأخرى، لأن حضور المتخيل الواقعي مع تناقص المسافة بين المؤلف والسارد هو ما يجعل المؤلف ركيزة مهمة من ركائز السرد الرحلي.
ولقد تناول منظرو السرد الكلاسيكي هذا الاشتباك في عمل كل من المؤلف والسارد الذاتي، لكن بعيدا عن السرد الرحلي. ووجهوا اهتمامهم في الدرجة الأساس نحو نوع محدد هو السرد السيري ومتعلقاته من أشكال الكتابة الأخرى كالمذكرات واليوميات والشهادات والاعترافات. وليس غريبا إهمال هؤلاء المنظرين وكذلك المنظرين ما بعد الكلاسيكيين النظر في السرد الرحلي لأسباب كثيرة في مقدمتها الافتقار إلى مرجعيات نظرية في هذا المجال؛ فلقد حازت الرواية والقصة القصيرة على القسم الأعظم من النقدين الكلاسيكي والحداثي، وبكل ما فيهما من مفاهيم نظرية ومعالجات إجرائية. هذا فضلا عما للسرد الرحلي من ثيمات ثقافية، لا تناسب منطلقات المنظومة النقدية وبطانتها الفلسفية في الغرب.
ومن يعد إلى أدبيات النقد الغربي ومعاجمه، فلن يجد أية مساحة تُفرد للسرد الرحلي سواء بضمير المتكلم أو بغيره. هذا الى جانب أن تلك الأدبيات إذا ما نظرت إلى المؤلف (الحقيقي) فإنها إما أن تراه كينونة موضوعية ذات صلة فنية وجمالية غير مباشرة بالبناء السردي من ناحية السياق والشفرات والبنيات أو تراه في ضوء عملية التبادل في الضمائر.

*كاتبة من العراق



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد