رحلة الجميد الأردني من وصفة الأجداد إلى مشروع اقتصادي يدرّ دخلًا

رحلة الجميد الأردني من وصفة الأجداد إلى مشروع اقتصادي يدرّ دخلًا

19-07-2026 12:41 PM

السوسنة - بين أوعية الحليب وكرات الجميد البيضاء التي تتراص استعدادا للتجفيف، تمضي سحر المجالي أيامها منذ عقود، فمنذ أن تعلمت المهنة طفلة على يد والدتها، واصلت إنتاج الجميد الأردني الذي يعد أحد أبرز المنتجات التقليدية في المملكة، محافظة على حرفة توارثتها العائلات عبر الأجيال.

تقول سحر (55 عاما) وهي من محافظة الكرك في جنوب الأردن لرويترز "أنا إلي 45 سنة بشتغل بالجميد، تعلمته من وأنا صغيرة من أمي وأهلي".

ومع بداية مارس آذار من كل عام وتوفر حليب الأغنام، تبدأ سحر موسم العمل في منزلها ويستمر الإنتاج حتى أغسطس آب تقريبا. ورغم ما تتطلبه العملية من جهد ووقت، تقول إن توفر المعدات الحديثة خفف كثيرا من الأعباء التي كانت تواجه صناع الجميد في السابق، فيما يشاركها أفراد أسرتها مختلف مراحل الإنتاج.

وتشير إلى أن "الطلب على الجميد بيزيد بالصيف، خصوصا مع الأعراس والمناسبات، وبنبيع الثلاثة كيلو بحوالي 35 دينار (49 دولارا)، والسعر تقريبا مستقر وما ارتفع كثير".

فعاليات مهرجان الجميد والسمن.

وتوضح أن صناعة الجميد ما زالت تعتمد على الخبرة والصبر، لكن الثلاجات والخضّاضات وأجهزة التبريد جعلت العملية أكثر سهولة مقارنة بما كانت عليه في الماضي، لتبقى المهنة حاضرة في حياة الأسرة جيلا بعد جيل.

ينتج مشروع سحر المنزلي نحو 60 كيلوجراما من الجميد سنويا، إلى جانب السمن البلدي، مؤكدة أن الجميد يبقى عنصرا أساسيا في إعداد المنسف الأردني، أشهر الأطباق على موائد المملكة.

وتقول إن للجميد الكركي خصوصية تميزه عن غيره، تعود إلى طبيعة حليب الأغنام المستخدم في تصنيعه وإلى الخبرات المتوارثة التي تناقلتها عائلات الكرك جيلا بعد جيل، لتحافظ على أساليب الإنتاج التقليدية رغم تغير الزمن.

واليوم، يواصل الجميد رحلته من المطابخ والبيوت إلى الأسواق والمصانع، إذ لا تزال عائلات كثيرة في محافظة الكرك تحافظ على طرق إنتاجه التقليدية، فيما دخلت التكنولوجيا الحديثة على الصناعة لزيادة الإنتاج وتحسين الجودة.

ويقول عماد بقاعين وهو صاحب معمل لإنتاج الجميد في مدينة الكرك "زمان، قبل ما تكون الثلاجات ووسائل التبريد موجودة، أهل البادية كانوا يدوروا على طريقة يحافظوا فيها على اللبن وحليب الغنم لفترة طويلة، فكانوا يجففوا اللبن ويملحوه، ويخزنوه لأشهر، وهيك قدروا يستفيدوا من الحليب حتى خارج موسمه".

ويضيف بقاعين أنه "مع الوقت، صار الجميد جزءا أساسيا من المنسف، والمنسف من أشهر الأكلات الأردنية ورمز للكرم والضيافة".

ويردف بالقول "اليوم الجميد لم يعد فقط طعام يحضر لتخزينه في البيت، بل أصبح منتج إله قيمة، والناس تسميه الذهب الأبيض".

وينتج معمل بقاعين نحو 20 طنا من الجميد سنويا، يذهب معظمها إلى السوق المحلية. لكنه يتطلع إلى توسيع نطاق التصدير والوصول إلى أسواق خارج الأردن، في مسعى للتعريف بالمنتج الأردني التقليدي خارج حدوده. ويبيع الكيلوجرام الواحد من الجميد بنحو 10 دنانير.

ويقول بقاعين "الجميد الكركي بتميز بطريقة إنتاجه، من المقادير والفنيات المستخدمة، وحتى نوعية الحليب.. شو الغنم بتاكل ونوعية الحليب إلها دور كبير بجودة المنتج".

مصدر دخل وفرصة عمل

في قرية أرينبة الشرقية جنوب عمان، لم يعد الجميد ومشتقات الألبان نشاطا منزليا يقتصر على تلبية احتياجات الأسرة، بل أصبح مصدر دخل وفرصة عمل للنساء اللواتي حوّلن مهاراتهن التقليدية إلى مشروع اقتصادي.

تقول أم شادي، رئيسة جمعية أرينبة الشرقية التعاونية للسيدات، إن الجمعية تسعى إلى تطوير منتجاتها وفتح أسواق جديدة أمام سيدات القرية، بالاعتماد على خبرات متوارثة في صناعة الجميد ومشتقات الألبان وغيرها من المنتجات المرتبطة بالبيئة البدوية.

وتضيف "إحنا بنحاول نطور شغلنا خطوة خطوة، والجميد ومشتقات الألبان مش بس أكل بنعمله بالبيت، صار مصدر رزق وفرصة للسيدات إنهن يشتغلن ويبيعن منتجاتهن".

وتضيف أن رؤية المنتجات تصل إلى المستهلكين وتحظى بإقبال في السوق تمنح النساء دافعا للاستمرار وتطوير أعمالهن، مشيرة إلى أن أبناءها الأربعة يشاركونها العمل ويساعدونها على توسيع المشروع.

ورغم تغير أساليب الإنتاج وتوسع نطاق التسويق، لا يزال الجميد يحتفظ بمكانته بوصفه المكون الرئيسي للمنسف الأردني، الطبق الذي ارتبط لعقود طويلة بالمناسبات الاجتماعية والعائلية، وأصبح أحد أبرز رموز الهوية الثقافية في المملكة.

ويُحضر المنسف من لحم الضأن المطهو في الجميد ويُقدم فوق طبقة من الخبز العربي الرقيق والأرز.

وحظي المنسف بشهرة عالمية بعد إدراجه على قائمة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) للتراث الثقافي غير المادي عام 2022، وهو إدراج لا يقتصر على الطبق نفسه، بل يشمل المنظومة المتكاملة من المعارف والعادات والممارسات الاجتماعية المرتبطة به، بما في ذلك صناعة الجميد وأساليب تحضيره المتوارثة.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

هنا الاردن هنا التاريخ

مقتل جندي أميركي وإصابة آخر خلال التعامل مع مسيّرة إيرانية في العراق

صافرة أردنية في نهائي كأس العالم 2026

الرئيس الأمريكي ترامب حاضر في المباراة النهائية لكأس العالم 2026

من هو الزاكي؟ حارس المغرب التاريخي يبدأ رحلة جديدة مع النشامى

انطلاق نهائي كأس العالم 2026 بين الأرجنتين وإسبانيا .. تحديث

الأردن ومصر يؤكدان التضامن المطلق في مواجهة الاعتداءات الإيرانية

بحضور جو جيوهيغان .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يؤكد تعزيز التواصل ويدين مقتل الأميركية جيمي كارني

الصفدي ونظيره العماني يبحثان تطورات الأوضاع في المنطقة

استهداف إيران للأردن ودول الجوار يهدف للضغط على الولايات المتحدة

بادو الزاكي مدربا لمنتخب النشامى

بوينغ: نمضي لتسليم طائرتين رئاسيتين لواشنطن في 2028

رجال أعمال الجالية الأردنية في عُمان يشاركون بمؤتمر المستثمرين الأردنيين

عن الشعب والوالي والفاسدين، مستوحاه من الرواية العالمية (العَّراب)

المتغطي بأمريكا .. مكشف وعريان .. كالمستجير عند كربته من الرمضاء بالنار

«الجنرال» يشعل فضول الأردنيين .. هل صنعت قيود الإعلام نجومية الحسابات المجهولة؟

بعد مقتل جيمي كارني .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يصدر بيانًا رسميًا

لماذا أثارت المادة (21) من قانون الجامعات الجدل؟ .. قراءة في مخاوف آلاف العاملين

فيديو .. حادث سير مروع في الزرقاء

بيان مهم صادر عن القوات المسلحة الأردنية

الاعتداء على الجنرال The General Inspector .. حين تصبح كرامة المواطن الأردني قضية وطن

مشروع قانون الملكية العقارية .. 15 تغييرًا قد يؤثر في كل مالك أرض بالأردن

وزير الإدارة المحلية يوجّه بالتحقيق في شبهة اختلاسات ببلدية في المفرق

إرادة ملكية بالموافقة على إجراء تعديل على حكومة حسان

إيران تستهدف الأردن .. والجيش يسقط صواريخ

القبض على مشتبه به بقتل فتاة أميركية في إيرلندا

بعد المصادقة على حبسه .. الرياطي يفقد عضويته في النواب

الاقتصاد النيابية تقر مشروع قانون إلغاء المؤسسة الاستهلاكية المدنية

قتيل واصابة بمحافظة جرش

أحكام مشددة في قضية سرقة مكتب طلال أبو غزالة .. والقضاء يحسم الملف