جرائم وقعت خلال تموز تطرح تساؤلات حول العنف والوقاية

جرائم وقعت خلال تموز تطرح تساؤلات حول العنف والوقاية

22-07-2026 12:45 PM

خلال الأسابيع الثلاثة الأولى من يوليو 2026، برزت في الأخبار الأردنية ثلاث وقائع عنف قاتلة اختلفت في ظروفها وأطرافها، لكنها اجتمعت في أثرها الإنساني المؤلم. الأولى راحت ضحيتها طفلة في محافظة الكرك، والثانية وقعت إثر مشاجرة في مخيم غزة بمحافظة جرش، أما الثالثة فجمعت بين حدثين في لواء الموقر.
ولا تكفي هذه الوقائع منفردة لإثبات ارتفاع معدل الجريمة في الأردن، لأن الوصول إلى مثل هذه النتيجة يحتاج إلى إحصاءات رسمية شاملة ومقارنات زمنية بين عدة سنوات. لكنها تثير تساؤلات مشروعة حول العنف الأسري، والغضب، وضعف القدرة على حل النزاعات، والعنف بين صغار السن، ومدى فاعلية التدخل الوقائي قبل وقوع الجريمة.
ولا يمكن، من الناحية العلمية، تفسير الجريمة بسبب واحد؛ فهي قد تنتج عن تفاعل عوامل فردية وأسرية وتعليمية واقتصادية ومجتمعية. وتوضح منظمة الصحة العالمية أن عوامل الخطر المرتبطة بعنف الشباب تشمل التعرض للعنف داخل الأسرة، وضعف رقابة الوالدين، وأساليب التربية القاسية أو غير المتسقة، والتعثر الدراسي، وتعاطي المخدرات، ومخالطة الأقران الجانحين، إضافة إلى انخفاض دخل الأسرة والبطالة والفقر وتفاوت الدخل. وهذه عوامل تزيد الاحتمال ولا تشكل أسبابًا حتمية؛ فوجود عامل منها لا يعني أن الشخص سيصبح عنيفًا أو يرتكب جريمة.
اولا - طفلة الكرك: حين يأتي الخطر من داخل الأسرة
في 21 يوليو 2026، أعلنت مديرية الأمن العام تفاصيل وفاة طفلة تبلغ من العمر 13 عامًا في محافظة الكرك. وكان البلاغ الأولي قد أفاد بتعرضها للغرق داخل بئر ماء قرب الخيمة التي كانت تسكنها، إلا أن التحقيقات وجمع المعلومات أثارا شبهة جنائية في الحادثة.
وبحسب بيان مديرية الأمن العام، أُلقي القبض على والد الطفلة وأحد أشقائها، وأفاد البيان باعترافهما خلال التحقيق بالاتفاق على إلقائها داخل البئر والإيهام بأن وفاتها نجمت عن حادث عرضي. وأُحيلا إلى محكمة الجنايات الكبرى، حيث قرر المدعي العام توقيفهما عن تهمة القتل العمد. وهذه المعلومات تمثل ما ورد في التحقيق الأولي والاتهام الرسمي، ولا تُعد حكمًا قضائيًا نهائيًا بالإدانة.
تكمن قسوة الواقعة في أن الخطر، وفق رواية الأمن العام، جاء من داخل الدائرة التي كان يفترض أن تمنح الطفلة الحماية والرحمة والأمان. وتدفع القضية إلى التفكير في الأطفال الذين قد يعانون العنف بصمت، ولا يملكون القدرة على طلب المساعدة أو الوصول إلى جهة تحميهم.
ثانيا: مشاجرة جرش، لحظة غضب تنتهي بفقدان حياة
وفي 13 يوليو، أعلنت مديرية الأمن العام وفاة رجل في الثلاثينيات وإصابة شخص آخر إثر مشاجرة وقعت بين مجموعة من الأشخاص في مخيم غزة بمحافظة جرش. وأفادت المديرية بأن المصاب نُقل إلى مستشفى جرش الحكومي، وأن التحقيقات قادت إلى إلقاء القبض على المشتبه به الرئيس في حادثة الطعن وشخص آخر شارك في المشاجرة.
وتوضح هذه الواقعة كيف قد يتحول خلاف أو مشادة خلال لحظات إلى حادثة تنهي حياة إنسان وتترك آثارًا لا يمكن التراجع عنها. كما تعيد التأكيد على أهمية ضبط الغضب، وتعلم مهارات الحوار وحل النزاعات، والابتعاد عن الأدوات الخطرة عند وقوع الخلافات.
ثالثا: الموقر (عنف بين حدثين)
وفي 6 يوليو، أعلنت مديرية الأمن العام العثور على جثمان حدث من جنسية عربية في لواء الموقر، وقد كشف الفحص عن آثار عنف وخنق تسببا في وفاته. وبحسب البيان المنشور عن وكالة الأنباء الأردنية، قادت التحقيقات إلى توقيف حدث آخر يبلغ من العمر 17 عامًا، وأفادت المديرية باعترافه خلال التحقيق، مع استمرار العمل لكشف جميع ملابسات القضية.
وتبعث هذه الواقعة على الحزن بصورة خاصة؛ لأنها تتعلق بصغار سن كان يفترض أن ترتبط مرحلتهم العمرية بالتعليم والتطور وبناء المستقبل، لا بالعنف والموت والتحقيقات الجنائية.
كما تطرح القضية أسئلة حول اكتشاف السلوك العدواني لدى الأحداث، ودور الأسرة والمدرسة والمرشدين الاجتماعيين في رصد مؤشرات الخطر والتغيرات النفسية والسلوكية، والتدخل قبل أن يتطور العنف إلى اعتداء يصعب إصلاح آثاره. ومع ذلك، لا يمكن الجزم بسبب الواقعة أو ربطها بخلل أسري أو مدرسي محدد من دون معلومات موثقة من التحقيق.
ماذا تقول الدراسات؟
توفر الدراسة الوطنية حول العنف ضد الأطفال في الأردن سياقًا علميًا يساعد على فهم حجم مشكلة العنف، من دون أن تفسر الجرائم الثلاث أو تثبت أسبابها. وقد أُنجزت الدراسة بالشراكة بين المجلس الوطني لشؤون الأسرة واليونيسف، وحملت بيانات الفترة 2019-2020، ثم نُشرت في ديسمبر 2021.
وشملت العينة الوطنية المدرسية 3,281 طفلًا تراوحت أعمارهم بين 8 و17 عامًا، من مدارس حكومية وخاصة ومدارس تابعة لوكالة الأونروا في محافظات مختلفة. ووصف التقرير هذه العينة بأنها عشوائية وممثلة على مستوى المملكة.
وأظهرت نتائج الدراسة أن 74.6% من الأطفال المشاركين في العينة الوطنية أفادوا بتعرضهم لشكل واحد على الأقل من أشكال العنف الجسدي في وقت ما من حياتهم، فيما أفاد 58.3% بتعرضهم لشكل واحد على الأقل من العنف النفسي.
ولا تمثل هذه النسب عدد الجرائم أو البلاغات المسجلة لدى الأجهزة الأمنية، كما لا تعني أن جميع الحالات كانت اعتداءات جسيمة؛ لأن تعريف العنف الجسدي في الدراسة يشمل صورًا متفاوتة الشدة، من بينها الصفع والركل وشد الشعر وغيرها. كذلك تعتمد النتائج على التجارب التي أفاد بها الأطفال المشاركون في المسح.
ولا تعني الدراسة أن الطفل الذي يتعرض للعنف سيصبح مجرمًا في المستقبل. لكنها توضح أن العنف قد يحدث داخل المنزل أو المدرسة أو بين الأقران، وأن الوقاية تتطلب حماية الطفل، وتعزيز التربية الإيجابية، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي، وإيجاد قنوات يستطيع الطفل من خلالها طلب المساعدة بأمان.
الوقاية تبدأ قبل الجريمة
من الصعب ألا تثير هذه الوقائع الثلاث الدهشة والقلق، ولا سيما أنها وقعت خلال شهر واحد وتنوعت بين شبهة عنف داخل الأسرة، ومشاجرة انتهت بالوفاة، وعنف وقع بين حدثين. إلا أن التعامل المسؤول معها يقتضي تجنب التعميم، وعدم تحويلها إلى دليل غير إحصائي على أن المجتمع الأردني أصبح أكثر عنفًا.
كما ينبغي عدم إرجاعها تلقائيًا إلى الفقر أو البطالة أو التفكك الأسري أو المخدرات، ما لم تكشف التحقيقات عن وجود صلة مثبتة بين هذه العوامل والواقعة المعنية. فلكل قضية ظروفها ودوافعها وأدلتها، ولا يمكن استنتاج السبب من النتيجة وحدها.
لكن القضايا الثلاث تحمل رسالة مشتركة: الوقاية من العنف لا تبدأ عند تدخل الشرطة أو انعقاد المحكمة فقط، بل تبدأ داخل الأسرة والمدرسة والمجتمع. تبدأ بالاستماع إلى الأطفال، ورصد السلوك العدواني، وتعليم ضبط الغضب وحل النزاعات، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي لمن يحتاج إليه.
فوراء كل خبر عن جريمة إنسان فقد حياته، وأسر تغير مصيرها، ومجتمع يصبح مطالبًا بفهم عوامل الخطر والعمل على منع تكرار المأساة.
.......................................................................................
المصادر: وكالة الأنباء الأردنية بترا، وبيانات مديرية الأمن العام، والدراسة الوطنية حول العنف ضد الأطفال في الأردن الصادرة بالشراكة بين المجلس الوطني لشؤون الأسرة واليونيسف، ونشرة منظمة الصحة العالمية حول عنف الشباب.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

«الجنرال» يشعل فضول الأردنيين .. هل صنعت قيود الإعلام نجومية الحسابات المجهولة؟

الإطاحة بأكبر سارق للمياه في العقبة

لماذا أثارت المادة (21) من قانون الجامعات الجدل؟ .. قراءة في مخاوف آلاف العاملين

فيديو .. حادث سير مروع في الزرقاء

جريمة تهز الكرك .. طفلة تفقد حياتها على يد والدها وشقيقها

حقيقة التصريحات المنسوبة للصفدي حول مقتل جنديين أمريكيين بالأردن

البوتاس والفوسفات توقعان اتفاقية لإنشاء مجمع صناعي

بيان مهم صادر عن القوات المسلحة الأردنية

الاعتداء على الجنرال The General Inspector .. حين تصبح كرامة المواطن الأردني قضية وطن

تنقلات بين كبار ضباط الأمن العام .. أسماء

بحضور جو جيوهيغان .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يؤكد تعزيز التواصل ويدين مقتل الأميركية جيمي كارني

السعودية : تأشيرة عمرة متعددة الدخول .. تفاصيل

وفاة الفنانة الأردنية فتحية الفاعوري

بعد التطورات الأمنية الأخيرة .. مهم من موانئ العقبة

إيران تستهدف الأردن .. والجيش يسقط صواريخ