بين العقوبة والتأهيل: ماذا يحدث للسجين داخل المؤسسة العقابية

 بين العقوبة والتأهيل: ماذا يحدث للسجين داخل المؤسسة العقابية

26-07-2026 05:45 PM

من الأهداف الأساسية للسجن ردع الجاني عن تكرار الجريمة، إلى جانب تقويم سلوكه وإعداده للعودة إلى المجتمع. ومع ذلك، لا يخرج جميع السجناء وقد تغير سلوكهم نحو الأفضل، بل يعود بعضهم إلى ارتكاب جرائم جديدة بعد الإفراج.
وهنا يبرز سؤال مهم: هل يعود فشل الإصلاح إلى شخصية السجين وعدم استعداده للتغيير، أم إلى طريقة إدارة السجن والظروف السائدة داخله، أم إلى تفاعل الامرين الشخصي والمؤسسي معا؟
لا تقدم الدراسات إجابة واحدة تنطبق على جميع السجناء، لكنها توضح أن نتيجة العقوبة لا تعتمد على حرمان الجاني من حريته فقط، بل تتأثر أيضا بحالته النفسية، وطريقة معاملته، ونوعية البرامج المقدمة له داخل السجن.

اولا: المناخ داخل السجن والصحة النفسية
نشرت مجلةBMC Psychiatry العلمية عام 2016 دراسة أدرجت في قاعدة البيانات الطبية PubMed. أجريت الدراسة على 75 سجينا شابا في مؤسسة سجنية بالبرتغال، وتراوحت أعمار المشاركين بين 17 و22 عاما.
جمع الباحثون البيانات بعد شهر، ثم بعد ثلاثة أشهر، ثم بعد ستة أشهر من دخول المشاركين إلى المؤسسة. ودرسوا الأعراض النفسية لدى السجناء، إلى جانب نظرتهم إلى المناخ الإصلاحي داخل السجن.
وجدت الدراسة أن الأعراض النفسية ارتبطت بعوامل شخصية، مثل وجود تاريخ سابق للعلاج النفسي، وانخفاض المستوى التعليمي، ووضع السجين القانوني. كما وجدت أن النظرة السلبية إلى المناخ الإصلاحي داخل السجن كانت أقوى العوامل المرتبطة بارتفاع الأعراض النفسية لدى المشاركين. وارتبطت المشاركة في أنشطة السجن بنظرة أفضل إلى البيئة الإصلاحية.

وتشير هذه النتائج إلى أن الحالة النفسية للسجين لا ترتبط بخلفيته الشخصية وحدها، بل قد ترتبط أيضا بالبيئة التي يعيش فيها داخل المؤسسة العقابية. فإذا كانت المعاملة سيئة، والأنشطة محدودة، والمناخ العام غير داعم، فقد تتضرر الحالة النفسية للسجين، وقد يضعف استعداده للاستفادة من برامج الإصلاح والتأهيل.

لكن هذه الدراسة لا تثبت أن بيئة السجن تسبب تكرار الجريمة؛ لأنها بحثت في الصحة النفسية ولم تتابع المشاركين بعد الإفراج لمعرفة من عاد منهم إلى الجريمة. كما أنها أجريت على 75 شابا فقط وفي مؤسسة واحدة بالبرتغال، ولذلك لا يمكن تعميم نتائجها على جميع السجناء أو جميع السجون.

ثانيا: العلاج النفسي والعودة إلى الجريمة

نشرت مجلة The Lancet Psychiatryعام 2021 مراجعة علمية حول فعالية العلاجات النفسية المقدمة داخل السجون في تقليل العودة إلى الجريمة بعد الإفراج. كما أدرجت الدراسة في قاعدة البيانات الطبية PubMed.

بحث الباحثون في عدد من قواعد البيانات العلمية، وعثروا على 6,345 سجلا بحثيا. وبعد مراجعتها، وجدوا أن 29 تجربة فقط استوفت الشروط المطلوبة، وشملت في مجموعها 9,443 مشاركا من البالغين والمراهقين، وكان معظمهم من الرجال.

كانت الدراسات المختارة تجارب قورنت فيها نتائج مجموعة تلقت تدخلا نفسيا داخل السجن بنتائج مجموعة أخرى لم تتلق التدخل نفسه. وركز الباحثون على مدى عودة المشاركين إلى الجريمة بعد الإفراج.

لم تشمل المراجعة الدراسات التي اعتمدت على الأدوية وحدها، أو التي أجريت داخل المستشفيات النفسية، أو التي كان معظم العلاج فيها يقدم خارج السجن.

عند جمع نتائج الدراسات التسع والعشرين، ظهر أن التدخلات النفسية ارتبطت بانخفاض العودة إلى الجريمة. لكن بعض الدراسات كانت صغيرة، لذلك أعاد الباحثون التحليل بعد استبعاد الدراسات التي ضمت أقل من 50 شخصا في مجموعة العلاج.

بعد استبعاد الدراسات الصغيرة، لم يعد الانخفاض في العودة إلى الجريمة واضحا من الناحية الإحصائية. وهذا يعني أن النتائج الإيجابية الأولى ربما تأثرت بصغر حجم بعض الدراسات، أو بكون الدراسات التي تظهر نتائج ناجحة أكثر قابلية للنشر من الدراسات التي لا تجد أثرا واضحا.

كما وجدت المراجعة أن برامج المجتمعات العلاجية ارتبطت بانخفاض العودة إلى الجريمة. وفي هذه البرامج يعيش المشاركون في بيئة جماعية منظمة تركز على تغيير السلوك، وتحمل المسؤولية، والتعاون والدعم بين المشاركين.

لكن هذه النتيجة اعتمدت على دراستين فقط، ولذلك لا تكفي للجزم بأن المجتمعات العلاجية تنجح في جميع السجون أو مع جميع السجناء.
وخلص الباحثون إلى أن كثيرا من العلاجات النفسية المستخدمة داخل السجون تحتاج إلى التطوير والتحسين. وأوصوا بأن تركز البرامج على عوامل يمكن تغييرها، مثل الإدمان، والاندفاع، والأفكار التي تبرر السلوك الإجرامي، وضعف القدرة على التحكم في السلوك.

كما أشاروا إلى أهمية استمرار الرعاية بعد الإفراج، لأن توقف العلاج عند خروج السجين قد يقلل من فائدته. ولذلك قد تكون البرامج التي تربط العلاج داخل السجن بالدعم النفسي والاجتماعي بعد الإفراج أكثر فائدة.

وبصورة عامة، لا تثبت هذه المراجعة أن العلاج النفسي داخل السجن غير مفيد، لكنها لا تقدم أيضا دليلا قاطعا على أنه يمنع العودة إلى الجريمة. فالنتائج تختلف بحسب نوع البرنامج، وجودة تطبيقه، وحجم الدراسات، واستمرار الرعاية بعد الإفراج.

ثالثا:العزل الانفرادي والعودة إلى الجريمة
نشرت مجلة Trauma, Violence, Abuseمراجعة علمية وتحليلا لنتائج الدراسات التي تناولت العلاقة بين العزل الانفرادي والعودة إلى الجريمة. نشرت الدراسة إلكترونيا عام 2020، ثم ظهرت في العدد الرسمي للمجلة عام 2022.

راجع الباحثون 2,713 سجلا بحثيا، لكن 12 دراسة فقط استوفت شروط المراجعة. وشملت هذه الدراسات في مجموعها 194,078 سجينا بالغا.

وجد الباحثون ارتباطا بين التعرض للعزل الانفرادي وارتفاع احتمال العودة إلى الجريمة بعد الإفراج. وظهر هذا الارتباط في إعادة الاعتقال، والعودة إلى السجن، وارتكاب جرائم عنيفة. كما كان الارتباط أقوى عندما حدث العزل في فترة قريبة من موعد الإفراج، ووجد الباحثون أن الخطر ارتفع مع زيادة عدد الأيام التي قضاها السجين في العزل.

وتشير هذه النتائج إلى أن العزل الانفرادي قد لا يحقق دائما هدف الإصلاح، وقد يرتبط بنتائج سلبية بعد الإفراج. لكن الدراسة لا تثبت أن العزل هو السبب المباشر في العودة إلى الجريمة.

فبعض السجناء الذين يوضعون في العزل قد يختلفون عن غيرهم من حيث كثرة المخالفات أو مستوى الخطورة قبل تعرضهم للعزل. وقد تؤثر هذه الاختلافات في احتمال عودتهم إلى الجريمة لاحقا.

كذلك أشار الباحثون إلى وجود اختلافات كبيرة بين الدراسات المشمولة من حيث طرق البحث والنتائج. لذلك تدل الدراسة على وجود ارتباط بين العزل والعودة إلى الجريمة، لكنها لا تقدم دليلا قاطعا على أن العزل يسببها.
وأوصى الباحثون بتوفير برامج للصحة النفسية والدعم الاجتماعي، تساعد السجناء على الاستعداد للعودة إلى المجتمع، مع ضرورة تقييم هذه البرامج من خلال دراسات أكثر دقة.
توضح الدراسات أن السجن لا يصلح الجاني دائما، كما أنه لا يؤدي بالضرورة إلى زيادة الجريمة. فالنتيجة تعتمد على شخصية السجين، وحالته النفسية، واستعداده للتغيير، إلى جانب طريقة معاملته والبرامج التي تقدم له داخل السجن.
وقد يساعد العلاج النفسي والتأهيل بعض السجناء، لكن العلاج وحده لا يضمن عدم العودة إلى الجريمة، خصوصا عندما يكون البرنامج ضعيفا أو يتوقف الدعم بعد الإفراج. وفي المقابل، قد ترتبط بعض الأساليب القاسية، مثل العزل الانفرادي، بنتائج نفسية واجتماعية سلبية.
لذلك فإن السجن الذي يكتفي بالعقاب والعزل قد يمنع الجريمة خلال مدة العقوبة، لكنه لا يضمن إصلاح السجين أو عدم عودته إليها بعد الإفراج.
ومع ذلك، لا تعد هذه الدراسات دليلا جازما ينطبق على جميع السجناء. فقد أجريت على فئات محددة، وفي دول ومؤسسات وظروف مختلفة. كما أن بعضها وجد ارتباطات بين عوامل معينة والحالة النفسية أو العودة إلى الجريمة، لكنه لم يثبت وجود علاقة سببية مباشرة.
وبناء على ذلك، لا يمكن تحميل السجن أو السجين وحده كامل المسؤولية. فالإصلاح يعتمد على تفاعل شخصية السجين مع البيئة داخل السجن، ونوعية التأهيل الذي يتلقاه، والظروف التي يواجهها بعد الإفراج.
ومن ثم، لا يقاس نجاح السجن فقط بقدرته على معاقبة الجاني، بل أيضا بمدى قدرته على تقليل احتمال عودته إلى الجريمة ومساعدته على الاندماج في المجتمع.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الإطاحة بأكبر سارق للمياه في العقبة

جريمة تهز الكرك .. طفلة تفقد حياتها على يد والدها وشقيقها

تطور جديد في قضية جيمي كارني .. محققون إيرلنديون يزورون الأردن

حقيقة التصريحات المنسوبة للصفدي حول مقتل جنديين أمريكيين بالأردن

هل نشهد حراكاً غير مسبوق في الجامعات؟ المادة 21 تضع مصدر دخل آلاف العاملين على المحك

بحضور جو جيوهيغان .. ملتقى أردنيون في إيرلندا يؤكد تعزيز التواصل ويدين مقتل الأميركية جيمي كارني

إرادة ملكية بالموافقة على وكالات عدد من الوزراء .. أسماء

انخفاض ملحوظ بأسعار الذهب محلياً اليوم

السعودية : تأشيرة عمرة متعددة الدخول .. تفاصيل

فضل شاكر وجورج وسوف بمجلس النواب الأردني .. ما القصة

بعد التطورات الأمنية الأخيرة .. مهم من موانئ العقبة

الدفاع المدني يتعامل مع حادث شخص محاصر داخل حفرة في منزله

خبر سار للمعلمين بشأن مشروع تمليك الأراضي

هل شعر باقتراب موته .. آخر رسائل الفنان أحمد جلال قبل رحيله تهز المواقع

مهرجان أبوظبي 2026 يواصل فعالياته أكتوبر القادم