حرب الإدراك في البيئة الأمنية الأردنية: بناء الثقة وتعزيز قوة الدولة
16-08-2026 10:30 PM
في الحروب الحديثة، لا تبدأ المعركة بالضرورة عند إطلاق الرصاصة الأولى، فقد تكون قد بدأت قبل ذلك بكثير وسبقتها مواجهات في فضاء المعلومات والإدراك، حيث تتصارع الروايات والانطباعات قبل اكتمال تفاصيل الحدث، وفي شاشات الهواتف ومنصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام تتشكل صورة العدو والحليف، وتُحدد المسؤولية، ويُبنى تفسير الأحداث، لذلك لم تعد الحرب مجرد صراع على الأرض، بل أصبحت صراعًا على الإدراك؛ فمن يستطيع التأثير في كيفية فهم الناس للأحداث، يمتلك جزءًا من القدرة على التأثير في مسار الصراع.
ولم تعد الرواية مجرد انعكاس للمعركة، بل أصبحت إحدى أدواتها، ففي البيئة الرقمية قد تسبق الصورة الحدث، وقد تنتشر رواية قبل اكتمال المعلومات، وقد يرسخ الانطباع قبل وصول الحقيقة، وهنا تبرز حرب الإدراك (Cognitive Warfare) التي تتجاوز الدعاية التقليدية والحرب النفسية إلى التأثير في طريقة تفكير الأفراد والجماعات وصناع القرار، وفي مستوى ثقتهم بالمؤسسات والمصادر، ولا تعتمد هذه الحرب بالضرورة على اختلاق المعلومات؛ فقد تكون أكثر أدواتها تأثيرًا تقديم معلومة صحيحة في سياق مضلل، أو اقتطاع جزء من الحقيقة، أو إعادة نشر صورة قديمة، أو استخدام محتوى عاطفي يسبق قدرة المتلقي على التحقق والتحليل.
وتزداد خطورة هذا النوع من الصراع في الشرق الأوسط، حيث تتداخل الأزمات الأمنية والسياسية والإعلامية، وتنتقل آثار الأحداث الإقليمية بسرعة إلى المجتمعات المجاورة، ومع الانتشار الواسع للهواتف الذكية ومنصات التواصل، أصبح المواطن يتلقى روايات متعددة في اللحظة نفسها، بعضها صادر عن مؤسسات رسمية ووسائل إعلام، وبعضها عن أفراد ومؤثرين وبعضها مجهول المصدر، لذلك لا تكمن المشكلة دائمًا في نقص المعلومات، بل في فائضها؛ إذ يصبح التحدي هو التمييز بين المعلومة والادعاء، والخبر والتفسير، والصورة الحقيقية والصورة الموضوعة في سياق زائف.
وفي هذا السياق، يجد الأردن نفسه داخل بيئة إدراكية مرتبطة مباشرة بمحيطه الإقليمي، فموقع المملكة الجيوسياسي يجعلها شديدة التأثر بالتطورات المحيطة، بينما جعلت سرعة تدفق المعلومات الحدود الرقمية أقل أهمية من أي وقت مضى، وقد لا تحتاج حملة التأثير إلى الوصول المادي إلى الأراضي الأردنية؛ يكفي أن تصل رسالتها إلى هاتف المواطن، ومن ثم، يمكن لأي أزمة إقليمية أن تتحول إلى أزمة معلوماتية داخلية إذا لم تتوافر قنوات موثوقة وسريعة لتقديم الحقائق وتفسيرها، فالخبر غير الموثق، والفيديو المجتزأ، والصورة القديمة، والعنوان المضلل، يمكن أن تؤثر في المزاج العام، وتغذي القلق والاستقطاب وتختبر مستوى الثقة بين المجتمع ومؤسساته.
وهنا تتجاوز وظيفة الإعلام العسكري من مجرد نقل الحدث إلى إدارة البيئة المعلوماتية المحيطة به؛ فالمعلومة الرسمية الدقيقة والواضحة، الصادرة في التوقيت المناسب، لا تؤدي وظيفة إخبارية فحسب، بل تشكل أداة لإدارة الأزمات وصون الثقة العامة وتحد من المساحات التي تنفذ منها الشائعة والتضليل، في حين يتيح غيابها أو تأخرها المجال لروايات بديلة قادرة على استثمار الخوف والالتباس. ومن ثم تصبح السرعة والمصداقية جزءاً من القوة الوطنية، في إطار توازن دقيق بين حق الجمهور في المعرفة ومتطلبات الأمن والاعتبارات العملياتية. وتتعمق هذه المسؤولية مع صعود الذكاء الاصطناعي، الذي أعاد تعريف مفهوم التحقق بإنتاج محتوى اصطناعي بالغ الإقناع، بحيث لم يعد كافياً السؤال عن حقيقة المحتوى، بل أصبح ضرورياً فحص مصدره وتوقيته وسياقه وأدلة التحقق المستقلة؛ وفي المقابل، يوفر الذكاء الاصطناعي للمؤسسات أدوات متقدمة للرصد والتحليل والإنذار المبكر، بما يعزز القدرة على استباق التهديدات الإدراكية، شريطة إخضاع استخداماته لضوابط مهنية وأخلاقية وإبقاء القرارات الحساسة ضمن نطاق التقدير والرقابة البشرية.
لكن أخطر ما في حرب الإدراك أنها تستهدف الثقة بقدر استهدافها للمعلومات، فقد تستطيع الدولة مواجهة شائعة محددة
لكنها قد تجد صعوبة أكبر في مواجهة آثار تراكمية تدفع الجمهور إلى الشك في كل شيء، وعندما ينهار معيار التحقق تصبح المشكلة أعمق من معلومة خاطئة بعينها، لذلك لا ينبغي أن يكون الهدف إقناع المواطن برواية واحدة، وإنما تمكينه من أدوات التفكير النقدي والتحقق، ليصبح أقل قابلية للتضليل والاستقطاب.
من هنا تبرز الحاجة إلى إطار وطني للأمن الإدراكي في الأردن ينتقل من رد الفعل إلى الاستباق، ويمكن أن يقوم هذا الإطار على خمس وظائف مترابطة: الرصد المبكر للسرديات والاتجاهات المعلوماتية، والتحليل السياقي لأسباب انتشارها والجمهور المستهدف، والاتصال الاستباقي لتوفير المعلومات الموثوقة قبل تشكل الفراغ المعلوماتي، والاستجابة السريعة والمتسقة عند وقوع الأزمات، ثم تقييم الأداء واستخلاص الدروس، كما يتطلب ذلك تعزيز التربية الإعلامية والرقمية، وتطوير الإعلام المؤسسي، ودعم الصحافة المهنية، وبناء شراكات بين المؤسسات الرسمية والجامعات ومراكز الدراسات والخبراء، إذ أن الأمن الإدراكي ليس التحكم فيما يفكر فيه المواطن، بل حماية البيئة التي يتشكل فيها التفكير واتخاذ القرار، فالمجتمع المرن إدراكيًا هو القادر على التعامل مع المعلومات المتعارضة، وفحص مصادرها، وفهم سياقاتها، وتصحيح مواقفه عند ظهور حقائق جديدة، مع الحفاظ على قدرته على اتخاذ القرار تحت الضغط.
وفي قلب هذه المنظومة، يبرز دور جلالة الملك "عبدالله الثاني ابن الحسين"، القائد الأعلى للقوات المسلحة الأردنية، في ترسيخ الثقة بالدولة ومؤسساتها وتعزيز قدرتها على الصمود في مواجهة التهديدات المتغيرة. وقد استشرف جلالته مبكراً أن قوة الدولة الحديثة لا تقاس بقدراتها العسكرية وحدها، وإنما بقدرتها على حماية أمنها، والحفاظ على تماسك مجتمعها، وإدارة أزماتها، وبناء الثقة بين مؤسساتها والمواطنين، ومن هنا جاء الاهتمام الملكي المتواصل بتطوير القوات المسلحة
الأردنية – الجيش العربي، ورفع جاهزيتها وكفاءتها وقدرتها على التعامل مع مختلف التهديدات، بما فيها التهديدات غير التقليدية والهجينة.
في الختام، لم يعد ميدان الصراع محصورًا في الأرض والجو والبحر والفضاء السيبراني، بل امتد إلى الإنسان نفسه: إدراكه وثقته وقدرته على تفسير الأحداث، وفي الحالة الأردنية، تزداد أهمية الأمن الإدراكي بحكم الموقع الجغرافي للمملكة وتداخلها مع أزمات إقليمية متعددة، لذلك ينبغي النظر إليه باعتباره جزءًا من منظومة الأمن الوطني والمنعة الوطنية
(National Resilience)، فإذا كانت القوات المسلحة تحمي حدود الدولة، فإن المجتمع الواعي والمتماسك يمثل محورًا أساسيًا في الحماية الوطنية، وفي صراعات اليوم، قد لا تكون المعركة الحاسمة على الأرض وحدها، بل على من يملك المعلومة الأكثر مصداقية، والمؤسسات الأكثر ثقة، والمجتمع الأكثر قدرة على التفكير والتحقق والصمود.
*مديـــــــــــــر الإعــــــــــلام العسكــــــــري
غزة: شهيد ومصابون بقصف للاحتلال على جباليا
7 إصابات بحادث اصطدام شاحنة بعدة مركبات على طريق الحزام الدائري بعمان
الوزراء يقر مشروع قانون التصديق على اتفاقية تسليم الأشخاص مع المغرب
إدراج موقع المغطس ضمن الشبكة الوطنية للمناطق المحمية
مشروع نظام جديد يُعيد تنظيم مديريات دائرة الإفتاء .. تفاصيل
نظام حكومي لتنظيم إدارة وصلاحيات الكليات الرسمية والخاصة
الحكومة تحيل معدل نظام الاتحادات إلى ديوان التشريع والرأي
تحديث البنية التحتية وتعزيز الوقاية .. إطلاق استراتيجية وزارة الصحة للأعوام (2026-2030)
نظام جديد لتنظيم شركات تزويد المنازل بعاملات التنظيف في الأردن
واشنطن تؤكد انهيار الاقتصاد الإيراني .. ونتنياهو يكشف عن نقاشات مع ترامب بشأن طهران
رسالة انتخابية من الحدود الشمالية .. نتنياهو يتعهد بتدمير إيران
غارات إسرائيلية تستهدف بلدات بالجنوب اللبناني وتحليق حربي في أجواء البقاع
مجلس الوزراء يقر استراتيجية توطين الطائرات المسيرة
الخدمات الطبية والجامعة الهاشمية توقعان ملحق اتفاقية تعاون تدريبي وأكاديمي
خبراء: الذكاء الاصطناعي أسهم بتحسين جودة الحياة اليومية للإنسان
خبير اقتصادي يحذر الأردنيين .. استعدوا لسيناريوهات صعبة
17 ألف تنكة زيت فارغة تثير الشبهات في إربد .. ما القصة؟
التربية توضح للسوسنة السبب وراء حذف صور طالبات مدرسة جرش
خدمة جديدة من الضمان الاجتماعي للمشتركين والمتقاعدين .. تفاصيل
عطلة الـ3 أيام لموظفي الحكومة .. ما حقيقة تطبيقها نهاية الشهر
ترفيع وإحالات إلى التقاعد في الحكومة .. أسماء
اعتداء جماعي على طفل في إربد .. تفاصيل
لا تسلم مركبتك لغير المرخصين .. الأمن العام يوضح العقوبات
الأمن العام يفتح باب التجنيد للذكور والإناث في الأردن .. تفاصيل
زيادة 30 دينارا لرواتب الموظفين والمتقاعدين .. تفاصيل موازنة 2027.
مقاطعة أربع جهات تأمينية الأحد .. ماذا ينتظر المرضى؟
تصريح عن تصفيق الأردنيين لصواريخ إيران يشعل ردود الفعل
خبر هز الوسط الفني .. وفاة نجم أردني كبير .. صورة
عرّوه وصوّروه وكسروا جمجمته .. تفاصيل صادمة عن خطف طالب إعلام في إربد
عنوان رقمي مرتبط بهويتك .. تعديل جديد على التبليغات القضائية في الأردن