الزمن المرسوم

الزمن المرسوم

11-10-2026 04:04 AM

اعتاد الرسامون، على مرّ العصور، أن ينهلوا من مناظر الطبيعة. يصوّرون الأمواج، والغيوم، والنبات، والخيول، ووجوه البشر. وكان هناك من يتغاضى عن الطبيعة الماثلة أمام عينيه. ينحرف عما يراه واقعاً لكي يرسم ما يثيره المشهد في نفسه من انطباعات. أي أنه يُجرّد الواقع من قيوده ويترك العنان لخياله، ولفرشاته تصول وتجول.

هذا معرض جديد للفرنسي كلود مونيه (1840ـ 1926) رائد المدرسة الانطباعية. يأخذك فيه الفنان نحو تحدٍ جديد. إنه يرسم الزمن. هكذا يقول القائمون على المعرض ونحن نجاريهم ونصدّقهم ونتابع حفاوة الأوساط الثقافية بالفنان بمناسبة مئوية وفاته. كيف يمكن اقتناص تعاقب السنوات باللون والفرشاة؟

تتأمل اللوحات لتختبر حقيقة أن مونيه لا يرسم الشيء، بل يرسم ما يفعله الوقت بالشيء. تجد نفسك أمام أربعين لوحة منتقاة بعناية لإثبات هذه الفرضية. تطالعك واجهة كاتدرائية مدينة روان في عدة أعمال. إن المبنى ما زال قائماً في مكانه، وأحجاره لم تتزعزع. لكن كل لوحة تختلف عن غيرها. فهي مرسومة طوراً تحت شمس دافئة، وطوراً في صقيع أزرق معتم، أو مشوبة بالضباب. ولو كان ممكناً تكبير اللوحة بانفراج الإبهام والسبابة، كما نفعل بصور الهاتف، لرأينا الوقت يتغيّر في الساعة المعلقة بعيداً فوق برج الكنيسة.

لا شيء ثابتاً عند كلود مونيه. وحتى الحجر الصلد يبقى صامداً لكن الوقت يتلاعب بمنظوره. وهو حين يكرّر رسم المشهد نفسه فكأنه مخرج يقسّم مشاهد الشريط السينمائي إلى لقطات. ويقول لك مفوّض المعرض إن الفنان رسم أكوام القش مرّة بعد مرّة. لكن الكومة ذاتها تتغيّر في كل لوحة بفعل الساعة والضوء والريح وحالة الطقس.

أنت لا تنزل النهر نفسه مرتين. مويجات الأمس عبرت وتلاحقت بعدها دفقات جديدة. قالها فيلسوف اسمه هيراقليطس. لقبه صعب لكن ليس أصعب من لقبي. اشتهر مونيه برسم زنابق الماء الطافية فوق السواقي والبحيرات. مائة زنبقة وزنبقة لا تشبه إحداها صاحبتها في اللون ولا في انعكاس النور والدوائر المتشكلة حولها. لوحات ضخمة تسحب المتفرج إلى رحمها فلا يعود يعرف إن كانت ساعة ضحى أم غسق، ولا أين يبتدئ الماء وتنتهي السماء. لا يمكن أن يغيب الشاعر السيّاب عن بالك وأنت تتأمل تلك اللوحات. تأتي به طاقية الإخفاء، أو التجسّد، من قرية جيكور في البصرة إلى بلدة جيفرني في النورماندي. «عيناكِ حين تبسمانِ تورقُ الكروم، وترقصُ الأضواءُ كالأقمارِ في نَهَر، يرجّهُ المجذافُ وهْناً ساحةَ السَحَر، كأنما تنبضُ في غوريهما النجوم».

لن تحتاج إلى دليل يشرح لك اللوحات ولا إلى هيراقليطس. إن لسطوة الزمن وقعها على كل الموجودات. تكفي نظرة إلى بساتين النخيل في مدينتك التي تركت مكانها للعمارات الصماء وستدرك أن كلود مونيه لم يكن نبيّاً بل فنان هرب من واقع متجمّد إلى خيال رجراج.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الأردنيون على موعد مع رسوم عبور هذا الطريق .. توضيح آلية الدفع

بعد 18 عاماً من أول محاولة .. هل يصنع الأردن سياراته أخيراً وكم ستنخفض أسعارها؟

قطع أراضٍ سكنية بانتظار الأردنيين .. من يحق له الاستفادة

الأردنيون على موعد مع أمطار وسيول .. وهذا موعد الذروة

أمطار رعدية وبرد وعواصف رملية في الأردن

شتوة الزيتون ليست كما يعتقد الأردنيون .. خبراء يحسمون الجدل

قبل التوجه للمعصرة .. خطأ شائع في نقل الزيتون يفقدك جودة المحصول

جملة للفنان زهير النوباني تشعل ردود الفعل .. ماذا قال وكيف رد الأردنيون

يزن النعيمات يعود إلى العشب .. نجم ينتظره الأردنيون قبل كأس آسيا

ملامحه صينية ولهجته أردنية .. قصة يوسف يو الذي حوّل اختلافه إلى جسر بين عالمين

انخفاض جديد على أسعار الذهب في الأردن .. وهذا سعر عيار 21

إطلاق نار على شاب أردني في الفلبين .. والشرطة تكشف مفاجأة أثناء ملاحقة المتهم

التوجيهي إلكتروني هذا العام .. التربية تكشف تفاصيل الامتحان الجديد

حوادث وجرائم مروعة تهز قلوب الأردنيين .. تفاصيل ما حدث

قرار أمريكي بتنفيذ حكم إعدام نضال حسن مباشرة عبر الإنترنت