الأمّة بين أسباب الركود وشروط النهوض

الأمّة بين أسباب الركود وشروط النهوض

12-10-2026 04:39 AM

تنمية الأمّة ضرورة من أجل الوجود لا يبدو أن المنطقة تسير باتجاه الهدوء السياسي والامني الذي يأمل فيه الجميع، بل إن المماحكات المستمرة بين الحكومات تهدد باستمرار توتر العلاقات وغياب فضاءات التحالف والتسوية والتعاون. فاستمرار الأزمة المرتبطة باحتلال فلسطين منذ أكثر من ثمانية عقود تحول دون نجاح محاولات كيان الاحتلال أن يكون جزءا من منظومات إقليمية أمنية او سياسية أو اقتصادية. صحيح أن هناك بعض الحالات التي حققت «إسرائيل» فيها اختراقات على صعيد العلاقات مع بعض الدول العربية، ولكن «الستار الحديدي» بين الشعوب العربية والاحتلال ما يزال عتيدا. ولا شكّ أن الاعتداءات الإسرائيلية على عدد من دول الشرق الأوسط يحول دون تطبيع العلاقات مع الاحتلال. ومشكلة قادة «إسرائيل» أنهم يعتقدون أن استمرار وجود الكيان مرتبط بوجود أزمات دائمة في المنطقة تفتح له الفرص لمد الجسور مع بعض الحكومات. ولكن الواضح أنه بعد مرور قرابة نصف قرن على زيارة السادات لكيان الاحتلال لم يتغيّر هذا الواقع، وما تزال الحواجز الأمنية والسياسية والنفسية تعرقل الجهود الغربية لدفع محاولات التطبيع مع الاحتلال.
ففي نظر المواطن العربي، فإن ظهور شخص نتنياهو في أي حدث يمثل استفزازا كبيرا لأنه يجسّد حالة من الغرور والصلف تحول دون قبوله كشريك في أي «مشروع سلام» في المنطقة. وقد ساهمت الاعتداءات الإسرائيلية في السنوات الأخيرة مثل قضية «البيجرات» واغتيال قادة المقاومة الإسلامية في تكريس صورة العدوان الإسرائيلي الذي لا يستطيع العرب والمسلمون التعايش معه. ولا تؤثر بعض حالات التطبيع على الصورة العامة للرفض العربي والإسلامي لهذا الاحتلال الغاشم.
أما الوجه الآخر للواقع السياسي في المنطقة فتمثله أوضاع الشعوب ومعاناتها في غياب الحرّيّات العامة والممارسات الديمقراطية بالإضافة لتراجع منظومة حقوق الإنسان. فمن الخطأ الفادح الاعتقاد أن هذه الشعوب تستمرئ حالة الاستضعاف والاستعباد والتهميش المفروضة عليها. فمهما طال صمتها فإنها تختزن داخلها مشاعر الغضب والإحباط، وهي مشاعر تدفعها للاعتقاد بوجود دعم غربي تقوده أمريكا لظاهرة الاستبداد والقمع. ولدى هذه الشعوب أحاسيس واقعية تؤكد دور الوجود الإسرائيلي في دعم الاستبداد، وأن النضال من أجل تحرير فلسطين يمثل بوّابة كبيرة لتحجيم هذه الظاهرة. ولذلك بقيت القضية الفلسطينية شعارا يرفعه المناضلون في العالم، الباحثون عن الحرّيّة والحقوق، ويرون في الاحتلال الإسرائيلي تجسيدا للسياسة الغربية التي تبلورت بشكل تدريجي منذ أيام الاستعمار. فكما أن ذلك الاستعمار حال دون قيام أنظمة ديمقراطية في الدول العربية والإسلامية، فإن استمرار الاحتلال الإسرائيلي يدعم الاستبداد بقوّة. ويعلم قادة الاحتلال أن التحول الديمقراطي لا يخدم كيان الاحتلال الغاصب، وأن الشعوب العربية، إذا استطاعت أن تمارس حقها في صناعة القرار، فلن تقبل التطبيع مع «إسرائيل» وداعميها. ولن يكون لأمريكا وحلفائها الغربيين وجود عملي في المنطقة. وقد أظهرت التوترات الأخيرة في الشرق الأوسط، ومنها ما يجري في اليمن وكذلك في سوريا والعراق، حالة من التململ التي يخشى الغربيون أن تؤدّي لانفجار الأوضاع مجددا، على غرار ما حدث في حقبة الربيع العربي، عندما تحرّكت شعوب عربية لإحداث تغيير في أوضاعها السياسية.
إن الوجود العسكري الغربي في المنطقة لا يخدم أهداف السلام ولا يحقق الاستقرار، بل يراه أهلها احتلالا واستفزازا واستضعافا. ولا يبدو أنه قادر على تحقيق أهداف الغرب الهادفة لإخضاع المنطقة وأهلها وخيراتها للغرب. فهذه ناقلات النفط العملاقة تواجه مخاطر حقيقية وهي تمخر البحار لإيصال النفط إلى الغرب، حتى وجدت واشنطن نفسها مضطرة لـ «مصاحبة» السفن لحمايتها من الاستهداف. يضاف إلى ذلك أن الشعور بالإحباط في صفوف الأجيال الناشئة يتعمّق في غياب مشاريع التنمية الحقيقية في المنطقة. فما تزال اقتصادات الدول العربية تعاني من حالة ضعف بنيوية، ولم تحقق قفزات نوعية في عالم التصنيع والاكتفاء الذاتي برغم تدفق النفط وعائداته المالية الكبيرة. إن غياب سياسات التنمية والتصنيع يعمّق الشعور بالإحباط في نفوس الأجيال الشابّة التي تعاني من غياب فرص البناء الذاتي وتنمية الأوضاع المعيشية خصوصا للأجيال الشابة. هذا برغم أن هذه الأجيال حققت مستويات رفيعة من التحصيل العلمي الحديث، ولكنها ترى انسدادا سياسيا واقتصاديا شاملا يحول دون توفر الفرص التنموية المطلوبة. ويتعمق الشعور بالاحباط حين يتباهى قادة الاحتلال بإنجازاتهم في مجالات التكنولوجيا والتصنيع وكذلك في الزراعة، وهي إنجازات ساهم الغربيون كثيرا فيها. وما يزال هذا الغرب منحازا لكيان الاحتلال بدون أن يشعر بحاجة لتغيير ذلك، ما دام قادرا على تحييد الجانب العربي وسلبه القدرة على الفعل لإعادة التوازن للعلاقات مع الغرب. فأكثر ما يخشاه قادة الاحتلال حدوث خلل في المعادلة الاستراتيجية التي تمت صياغتها لحماية الاحتلال وكسر شوكة من يقاومه.
ووفقا للتقارير الأمريكية التي صدرت هذا الصيف، فقد تجاوز إجمالي المساعدات الأمريكية لـ «إسرائيل» منذ العام 1948 نحو 174 مليار دولار، بينها 146 مليار دولار حتى عام 2020، توزعت إلى 104.5 مليار دولار مساعدات عسكرية، و34.4 مليار دولار مساعدات اقتصادية، و7.4 مليار دولار لدعم الدفاع الصاروخي. ومنذ العام 2021 توقفت المساعدات الاقتصادية، واقتصرت المساعدات على الدعم العسكري والدفاع الصاروخي، بواقع 3.8 مليار دولار في 2021، و4.8 مليار دولار في 2022، و3.8 مليار دولار في 2023، و12.5 مليار دولار في 2024، و3.8 مليار دولار في 2025. هذه المساعدات لا تمثل جانبا إنسانيا، بل تهدف لإبقاء كيان الاحتلال متفوقا عسكريا على الجانب العربي، تنفيذا للسياسة الأمريكية المعلنة. ولا شكّ أن هذه المساعدات تسهّل مهمّات «إسرائيل» خصوصا في تصدّيها لمن يقاوم احتلالها الأراضي الفلسطينية. ولم تعد أمريكا تخشى من اتهامها في الضلوع في سياسات الاحتلال والتوسع الإسرائيلية، خصوصا في ظل صمت الأنظمة العربية وتغاضيها عن الدور الأمريكي في دعم الاحتلال عمليا بالإضافة للدعم السياسي في المؤسسات الدولية. لذلك بقيت حالة الغضب مسيطرة على مشاعر الكثيرين طوال العقود الثمانية التي أعقبت قيام كيان الاحتلال. فكيف يمكن السكوت على هذا الدور مع استمرار سقوط الضحايا ليس من أهل فلسطين فحسب، بل من الدول الأخرى مثل لبنان وسوريا ولبنان والعراق وإيران؟ كيف يمكن تبرير استمرار التعامل مع الولايات المتحدة الأمريكية بشكل طبيعي وغضّ الطرف عن دورها في أزمات المنطقة؟ فاحتلال فلسطين لا تقتصر تبعاته ضمن الحدود الجغرافية لفلسطين، بل كان لها تبعات وانعكاسات على مجمل الوضع العربي على مدى ثمانين عاما. وهل التوترات التي تحدث والمعارك العسكرية التي لم تنقطع إلا ناجمة في أغلبها عن السياسة الأمريكية الداعمة للاحتلال؟
الأمر المثير لاستغراب من يملك عقلا راجحا أن قضية فلسطين تم تدويلها منذ عقود، وأن شعوب العالم تتفاعل معها وتعتبرها بؤرة لانطلاق الوعي الثوري بين الشعوب، بينما يسعى النظام الرسمي العربي لتجاوزها بالتعاون مع الأطراف التي تسعى لإخماد القضية وإقامة حواجز نفسية لمنع الشعوب العربية من التفاعل المتواصل مع فلسطين وأهلها وقضيتها. وما المسيرة العملاقة التي خرجت تضامنا مع فلسطين وشعبها يوم السبت الماضي في عدد من العواصم ومنها لندن إلا تأكيد لبقاء القضية محرّكا لمشاعر الشعوب الحرّة. بينما النظام الرسمي العربي يساهم في الأزمة بالتوقف في منتصف الطريق. فلا يتوجه بقلب منفتح وإرادة مستقلّة لدعم النضال من أجل التحرير، ولا يركّز على تطوير القدرات الذاتية للدول العربية، وذلك بدفعها على طريق التصنيع الحديث والمشاركة في الأبحاث العلمية التي تعتبر ضرورة للتنمية التكنولوجية المطلوبة. وفي عصر الذكاء الاصطناعي أصبحت الدول العربية أمام تحدّيات جديدة ناجمة عن تخلّفها التكنولوجي والعلمي. وفي المقابل، تشعر قوات الاحتلال بضرورة اللحاق بقطار التنمية في عصر الذكاء الاصطناعي، وتهرول لصناعة نماذجها الخاصة لكي تحقّق موطئ قدم لها في عالم الاقتصاد الرقمي، وكذلك التكنولوجيا التي أدّت إلى صنع الإنسان الآلي. وهكذا تتعدد مصاديق التخلف العلمي والتكنولوجي في العالم العربي، ومعها التراجع العسكري برغم امتلاك أحدث الأسلحة والدخول في تحالفات مع الولايات المتحدة الأمريكية. إن أمريكا هنا تراهن على إبقاء الطرف العربي متخلفا بشكل دائم، بعدم السماح له بامتلاك التكنولوجيا المتطورة، ومنعه من انتهاج سياسات تكاملية خصوصا في المجالات التكنولوجية والاقتصادية.
إن هناك حاجة لصحوة عربية جادّة، تهدف لإعادة شيء من التوازن الإقليمي القائم على أسس عديدة منها سيادة الدول على أراضيها، ومنح الشعوب الحرّيّة التي تمكّنها من اتخاذ قراراتها التي توائم بين المحلّي والإقليمي، وتشجيع التطور الذاتي وتقوية التحالف الإقليمي لمواجهة التحديات المشتركة خصوصا التي يمثلها الاحتلال وداعموه. وربما المشكلة ليست في الصحوة وحدها، بل في ما تمثله هذه الصحوة من رغبة صادقة للتقدم والتطور ورفض سياسات الاعتماد على «الحلفاء الغربيين» لضمان أمن المنطقة والعالم. وما لم يحدث تمرّد حقيقي على الخطط الأمريكية فسوف تبقى الفجوة التكنولوجية والسياسية مع كيان الاحتلال حائلا عن تحقيق التوازن التكنولوجي والعلمي والعسكري كذلك.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

الأردنيون على موعد مع رسوم عبور هذا الطريق .. توضيح آلية الدفع

بعد 18 عاماً من أول محاولة .. هل يصنع الأردن سياراته أخيراً وكم ستنخفض أسعارها؟

إعفاء السيارات الأميركية يقترب .. هل تنخفض الأسعار وتتغير الخريطة؟

الأردنيون على موعد مع أمطار وسيول .. وهذا موعد الذروة

أمطار رعدية وبرد وعواصف رملية في الأردن

قرار جديد من الضمان بشأن فترات الاشتراك والراتب التقاعدي

شتوة الزيتون ليست كما يعتقد الأردنيون .. خبراء يحسمون الجدل

جملة للفنان زهير النوباني تشعل ردود الفعل .. ماذا قال وكيف رد الأردنيون

جماجم بشرية ورفات في الكرك تحيّر الأردنيين .. ما القصة

يزن النعيمات يعود إلى العشب .. نجم ينتظره الأردنيون قبل كأس آسيا

الكشف عن هوية القتيل الاردني بمطار الرياض

100 شخص يحصلون على الجنسية الأردنية و17 ألف قرار إبعاد .. التفاصيل

ملامحه صينية ولهجته أردنية .. قصة يوسف يو الذي حوّل اختلافه إلى جسر بين عالمين

انخفاض جديد على أسعار الذهب في الأردن .. وهذا سعر عيار 21

الأردنيون متفائلون .. ما القصة