المفترس

المفترس

12-10-2026 10:21 PM

سبحان الله العظيم، الذي خص كل مخلوق بصفات تتناسب مع طبيعة حياته. فجعل من الحيوانات مفترسات، لا تدرك قسوة ما تفعله بضحاياها، ولا تتجاوز في سلوكها حدود الفطرة التي جبلها الله عليها. وما كان لخلق الله أن يكون عبثا، وحاشاه سبحانه أن يخلق شيئا دون حكمة. ولعل غياب العقل عن هذه المخلوقات هو ما يجعلها تمارس الافتراس دون إدراك لبشاعة فعلها، فهي تسعى إلى الحصول على غذائها وفق طبيعتها، وهذا، من منظورها، أمر تفرضه غريزتها.

لكن الله سبحانه وتعالى كرم بني آدم، ومنحهم العقل والحس، وجعلهم قادرين على إدراك الألم والحزن والفرح، والتأثر بما يرون ويسمعون. ومع هذا التكريم العظيم، يثير الاستغراب أن يتخلى بعض البشر عن إنسانيتهم، فيمارسوا الافتراس بأبشع صوره، وكأنهم استعاروا من الحيوانات شراستها، وأضافوا إليها من مكر العقل ما يجعل أذاهم أشد وأعمق.

حين تسلب رزق غيرك بالخديعة، وتتركه يصارع الفقر والجوع، فأنت تمارس الافتراس.

وحين تحرض المحيطين بإنسان على أخيهم، سعيا إلى الهيمنة والسيطرة، فأنت تمارس الافتراس.

وحين تهدم كيان إنسان، وتدفعه إلى زاوية الألم والقهر، حتى يجد نفسه حائرا بين الصبر على ما يتعرض له من ظلم، أو الانزلاق إلى طريق الانتقام والجريمة، فأنت تمارس الافتراس.

وحين تتدخل لتفكيك الأسر وتشتيت شملها، تحقيقا لأوهام وأطماع لا يهدأ أصحابها إلا برؤية الخراب في حياة الآخرين، فأنت تمارس الافتراس أيضا.

ولو أردنا الإحاطة بكل صور هذا الافتراس البشري، لاحتجنا إلى مجلدات، فالأمثلة أكثر من أن تحصى، والوجع الذي تخلفه في النفوس أكبر من أن تختصره الكلمات.

إن المفترس الحيواني يتحرك بدافع الغريزة، أما المفترس البشري فيعرف ما يفعل، ويدرك حجم الأذى الذي يلحقه بغيره، ثم يمضي في طريقه، متجاهلا ما يتركه خلفه من خراب ووجع وانكسار. وتلك هي المفارقة الأكثر إيلاما، أن يمتلك الإنسان العقل، ثم يستخدمه في الإيذاء، وأن يعرف معنى الرحمة، ثم يتعمد انتزاعها من قلبه.

لذلك، إذا كنت تمارس الافتراس في أفعالك، فلا تتزين بمساحيق الوهم، ولا تختبئ خلف الكلمات المنمقة والمظاهر الخادعة، فكل ذلك عاجز عن إخفاء حقيقة ما تفعل. فالإنسان لا تقاس قيمته بما يقوله عن نفسه، بل بما يتركه في حياة الآخرين من أثر.

ومن اعتاد هدم الآخرين، مهما أتقن التظاهر بالفضيلة، لن يستطيع طويلا إخفاء حقيقته. فبشاعة الافتراس لا تزول بتجميل المظهر، ولا تتحول القسوة إلى إنسانية لمجرد أن صاحبها أحسن اختيار كلماته.

فلا تكن مفترسا يرتدي ثوب الإنسان، ثم يظن أن ثوبه سيخفي أنيابه.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

قرار جديد من الضمان بشأن فترات الاشتراك والراتب التقاعدي

الأردنيون على موعد مع رسوم عبور هذا الطريق .. توضيح آلية الدفع

بعد 18 عاماً من أول محاولة .. هل يصنع الأردن سياراته أخيراً وكم ستنخفض أسعارها؟

100 شخص يحصلون على الجنسية الأردنية و17 ألف قرار إبعاد .. التفاصيل

إعفاء السيارات الأميركية يقترب .. هل تنخفض الأسعار وتتغير الخريطة؟

الأردنيون على موعد مع أمطار وسيول .. وهذا موعد الذروة

أمطار رعدية وبرد وعواصف رملية في الأردن

شتوة الزيتون ليست كما يعتقد الأردنيون .. خبراء يحسمون الجدل

جملة للفنان زهير النوباني تشعل ردود الفعل .. ماذا قال وكيف رد الأردنيون

الأمانة تزيل عشرات المواقع في عمّان .. ما القصة

يزن النعيمات يعود إلى العشب .. نجم ينتظره الأردنيون قبل كأس آسيا

جماجم بشرية ورفات في الكرك تحيّر الأردنيين .. ما القصة

الكشف عن هوية القتيل الاردني بمطار الرياض

أمطار غزيرة وتحذيرات جوية تشمل مناطق أردنية

ملامحه صينية ولهجته أردنية .. قصة يوسف يو الذي حوّل اختلافه إلى جسر بين عالمين