الشعب يريد إسقاط الفيل

الشعب يريد إسقاط الفيل

13-10-2026 04:28 AM

لو بعث سلفادور دالي من قبره، وقرر زيارة بغداد للاطلاع على آخر التطورات في الفن السريالي، فالأرجح أنه سيعود إلى قبره بعد يوم واحد، لا بسبب الحر أو انقطاع الكهرباء، بل لأنه سيكتشف أن العراقيين استولوا على مذهبه الفني وطوروه إلى درجة أصبح معها رسم ساعة ذائبة على غصن شجرة عملا واقعيا شديد التحفظ. وسيكون اكتشافه الأعظم حين يفتح إنستغرام، فتستقبله السيدة «الملاية أم ريام» بصيحتها المدوية: «روج روج الباشا طب!»، قبل أن تنهال عليه صور الذهب والسيارات والعطور والحقائب والأحذية، فيفهم أن الباشا قد دخل بالفعل، وأن عليه بوصفه فنانا إسبانيا فقيراً رغم ثرائه الفاحش قياسا إلى محتويات هذه الحسابات، أن يفسح له الطريق.
بدأت الحكاية بأغنية شعبية تتفاخر بالأهل والعشيرة والهيبة، ثم تطورت إلى مسابقة عراقية مفتوحة لإثبات الثراء، تشارك فيها نساء يعرضن ممتلكاتهن كما لو أنهن يقدمن جردا سنويا لموجودات البنك المركزي. تظهر أولا خمسون تخمة ذهبية، تزن الواحدة منها ما يكفي لتغيير مركز ثقل الأرض، ثم سيارة فارهة وعطور فرنسية، ثم حقيبة وقميص يحمل علامة تجارية، وقد توضع الملابس الداخلية أيضا إذا كانت الماركة تستحق التضحية بما تبقى من الخصوصية. ولا أعرف لماذا توقفت المسابقة عند الممتلكات المنقولة، إذ يمكن للمشاركات مستقبلا تصوير سندات العقارات وشهادات تسجيل السيارات، وإرفاق كشف الحساب المصرفي، حتى نتمكن نحن الفقراء من تقدير حجم الهزيمة بدقة.
والأغرب أن هذا يحدث في زمن يرتفع فيه سعر الذهب حتى أصبح خاتم الخطوبة مشروعا استثماريا طويل الأمد، ويحتاج فيه المواطن إلى دراسة جدوى قبل شراء محبس. لكن هناك من لا يكتفي بامتلاك الذهب، بل يريد أن يتأكد أن كل من لا يمتلكه قد شاهده. والواقع أن الثروة الحقيقية لا تحتاج إلى مكبر صوت، فالثراء الذي يضطر صاحبه إلى تقديم أدلة يومية على وجوده يبدو أقرب إلى متهم يحاول إثبات براءته. أما الأناقة وهي فن اختيار ما ينبغي إظهاره وإخفاؤه، فقد خسرت معركتها هي الأخرى أمام التخمة، حتى أصبحت التخمة الذهبية تظهر منفردة في الصورة، بلا امرأة ولا ثوب ولا مناسبة؛ كأنها عضو بشري مبتور في المذهب السريالي الذي يحتفي بأعضاء الجسد الإنساني وهي منفصلة عن سياقها ومتداخلة بشكل اعتباطي بموضوع آخر لا يقل غرابة عن سابقه.
وهنا تحديدا سيستعيد دالي حماسته. يجلس أمام الشاشة ويدرس هذه الأعضاء المبتورة: يد بلا جسد تحمل أساور بحجم أنابيب الصرف الصحي، وعنق منفصل تتدلى منه قلائد تكفي لتقييد سفينة، وقدم بكعب وردي وأظافر مطلية بلون البرغندي تتمدد إلى جانب حقيبة فاخرة. وسيكتشف أن السريالية العراقية تجاوزت فكرة تفكيك الجسد إلى تفكيك الإنسان نفسه، فلم تعد المرأة تظهر بوصفها كائنا كاملا، بل مجموعة مقتنيات تتناوب على تمثيلها. والمفارقة أن المرأة التي ما زالت تواجه قوانين وممارسات اجتماعية تنتقص من استقلالها، تستطيع أن تعرض كيلوغراما من الذهب على الملأ، بينما تظل بعض أبسط حقوقها الشخصية موضع تفاوض مع رجل من العائلة. لقد منحناها حرية تصوير السوار وما زلنا نتجادل بشأن حرية المعصم الذي يرتديه.
غير أن الذهب ليس سوى العرض الأول لمرض عراقي معاصر أشمل، يمكن تسميته «التضخم الوجودي». فقد انتفخ كل شيء في بغداد خلال السنوات الأخيرة، الشفاه والوجنات والمؤخرات والسيارات والقصور والبوابات وحتى لوحات الإعلانات وسندويشات المطاعم. لم يعد أحد يكتفي بشفتين تؤديان وظيفة الكلام، بل ينبغي أن تكونا صالحتين لاستقبال الطائرات الصغيرة، ولم تعد الوجنة مجرد جزء من الوجه، إنما مشروع توسعة عقارية يحتاج إلى رخصة بناء. وكانت السيارة الرباعية الضخمة تسمى عند العراقيين «ليلى علوي» في إشارة ساخرة إلى امتلاء جسد الممثلة الجميلة، أما اليوم فقد أصبح الاسم بحاجة إلى مراجعة، لأن ليلى علوي نفسها تبدو شديدة النحافة أمام هذا التضخم الشامل. ولم يعد يكفي أن تكون السيارة كبيرة، بل ينبغي أن تشعر الأبنية المجاورة بالإهانة حين تمر أمامها. ولو استمر هذا التضخم، فسنحتاج إلى تغيير وحدات القياس، ولن نقول إن السيارة بطول خمسة أمتار، بل بطول ثلاث شفايف ونصف.
وسيفهم دالي أن وراء هذه الانتفاخات اقتصادا عجيبا، يتسرب فيه المال السياسي السائل إلى المدينة كما يتسرب الهواء إلى بالون، فتنتفخ الواجهات والعمارات والأجساد والمظاهر، بينما يظل المعنى نفسه ضامرا، كأن بغداد قررت تعويض نقص الأشياء الضرورية بزيادة أحجام الأشياء غير الضرورية. وكلما ارتفعت الأسعار، ارتفعت معها السيارات والكعوب والأسوار، حتى أصبح المواطن الذي يمشي على قدميه يبدو كائنا منقرضا من العصر الذي كان الناس فيه يعتقدون أن الثروة وسيلة للعيش، لا مادة لإنتاج المحتوى.
وهنا سيقترح دالي رسم لوحة أخيرة، لكنه سيكتشف أن العراق قد بدأ يرسم نفسه من دون مساعدته. فقد أخذ البلد ينتفخ تدريجيا، ببطء ببطء ثم بسرعة تليها سرعة قصوى، فانتفخت شوارعه ومبانيه ومؤسساته ووعوده وخطاباته، حتى تشكل له خرطوم طويل وأذنان عظيمتان وبطن مستديرة، ثم انفصل عن الأرض والواقع في آن وارتفع في السماء. ولم يفزع العراقيون من المشهد، لأنهم اعتادوا أن يقولوا للكاذب: «گام يطير فيالة»، لكنهم لم يتوقعوا أن تتحول العبارة إلى مشروع وطني بهذا الحجم.
وفوق في سماء بغداد الملبدة بالأبخرة من دون مصانع؛ يظهر الفيل الطائر بينما تمتطيه بعض البلوكرات والفاشنيستات، وقد ثبتن أساورهن في خرطومه، وعلقن حقائبهن بأذنيه، وبدأن يتنازعن على مقعد القيادة، بينما تصرخ كل واحدة بأنها صاحبة الفيل الأصلي وأن البقية يقلدنها. وفي الأسفل يقف سلفادور دالي يقلب بشاربيه النحيفين مذهولا، يحاول فهم كيف استطاع بلد بأكمله أن يتحول إلى كذبة عملاقة تطير فوق رؤوس سكانه، قبل أن يدرك أن الفيل ليس وسيلة نقل في العراق، بل هو العراق نفسه، وأن النساء الجالسات على ظهره أصبحن يتولين توجيهه نحو المكان الذي تتوافر فيه أفضل إضاءة للتصوير.
عندها سيطوي دالي أدواته ويعود إلى قبره مسرعاً قبل أن يتضخم شاربه هو الآخر ويستحيل إلى لحية كثة وسمينة أسوة بأباطرة المنطقة الخضراء، بعدما اكتشف أن العراقيين لم يعودوا بحاجة إلى دستور أو برنامج حكومي لتحديد وجهة البلاد، بل إلى حلقة إضاءة وهاتف مثبت على عصا سيلفي. وربما حان الوقت، احتراما لهذا التحول التاريخي المهم أيها السادة، أن نستبدل بالنشيد الوطني العراقي الحالي أغنية «روج روج الباشا طب»، فهي أكثر انسجاما مع المشهد العام وأقدر على التعبير عن حقيقة البلاد. فحين يصبح الوطن فيلاً طائراً ويجلس على ظهره من يتنافسون على تصوير ممتلكاتهم من خلاله، لن تكون المشكلة في معرفة من يقوده، وإنما في أن الفيل نفسه لا يعرف أنه يطير. والأدهى أن أحدا لا يريد إسقاطه، خشية أن يسقط الذهب في بلاد غالباً لا يحبها هذا الفيل السعيد؛ وما أكثرها من بلاد! إنها أكثر بمرتين ونصف من إسوارات ملكة هذا التريند مجتمعة، تلك التي حولت بلد كامل إلى واجهة عرض للذهب، بينما تختفي حياته الحقيقية ببطء كئيب خلف الزجاج.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

قرار جديد من الضمان بشأن فترات الاشتراك والراتب التقاعدي

الأردنيون على موعد مع رسوم عبور هذا الطريق .. توضيح آلية الدفع

بعد 18 عاماً من أول محاولة .. هل يصنع الأردن سياراته أخيراً وكم ستنخفض أسعارها؟

100 شخص يحصلون على الجنسية الأردنية و17 ألف قرار إبعاد .. التفاصيل

إعفاء السيارات الأميركية يقترب .. هل تنخفض الأسعار وتتغير الخريطة؟

الأردنيون على موعد مع أمطار وسيول .. وهذا موعد الذروة

أمطار رعدية وبرد وعواصف رملية في الأردن

شتوة الزيتون ليست كما يعتقد الأردنيون .. خبراء يحسمون الجدل

جملة للفنان زهير النوباني تشعل ردود الفعل .. ماذا قال وكيف رد الأردنيون

الأمانة تزيل عشرات المواقع في عمّان .. ما القصة

يزن النعيمات يعود إلى العشب .. نجم ينتظره الأردنيون قبل كأس آسيا

جماجم بشرية ورفات في الكرك تحيّر الأردنيين .. ما القصة

الكشف عن هوية القتيل الاردني بمطار الرياض

أمطار غزيرة وتحذيرات جوية تشمل مناطق أردنية

زيادة الـ30 دينارا في الأردن .. هل يحرمك راتبك من الاستفادة؟