عباس بين الخوف من الانتخابات وانتظار الشرعية

عباس بين الخوف من الانتخابات وانتظار الشرعية

16-10-2026 03:51 PM

هناك لحظات لا يُقاس فيها أثر القرار السياسي بعدد الصفحات أو المراسيم، بل بما يتركه في نفس الإنسان الذي انتظر طويلا أن يُسأل عن رأيه؛ فكثير من شباب وشابات الشعب الفلسطيني لم يرَ في حياته انتخابات تشريعية حقيقية؛ وُلد بعد 2006 أو كبر وهو يسمع عن وعد بانتخابات ثم عن ظرف يمنعها، ثم عن وعد جديد يعود إليه الظرف ذاته. لهذا لم يكن تأجيل الرئيس محمود عباس للانتخابات مجرد إجراء إداري بل رسالة ضمنية مفادها أن المواطن ما يزال غير جاهز أو غير مسموح له أو غير مطلوب منه أن يقرر.

من السهل تبرير التأجيل بالحرب وبالانقسام وبالاحتلال، وبصعوبة ضمان التصويت في القدس؛ هذه الأسباب حقيقية ولا يجوز التقليل منها؛ فالشعب الذي يواجه التهجير والدمار والقيود لا يمكن أن تُقاس تجربته بمعايير دولة مستقرة؛ لكن السؤال الأعمق لماذا تتحول كل صعوبة إلى سبب لتأجيل حق الشعب بينما لا تتحول إلى سبب لإعادة ترتيب السلطة أو تجديد ثقتها فيه؟ الحرب تفسّر صعوبة اللحظة لكنها لا تفسّر وحدها استمرار تعطيل الشرعية منذ عشرين عاما.

الإنسان الفلسطيني لا يخشى الانتخابات لأنه لا يثق بالديمقراطية؛ بل يخشى أن تتحول إلى وعد يُستخدم حين تكون هناك حاجة إلى دعم خارجي، ثم تُؤجَّل حين تقترب من تغيير موازين القوة الداخلية؛ لقد رأى في 2021 حملات تُفتح، وأسماء تُعلن، وآمال تُبنى، ثم جاء القرار قبل أن يصل الناس إلى صناديق الاقتراع. واليوم يتكرر المشهد بصيغة أهدأ لكنه لا يقل إيلاما فمواعيد تُعلن، ثم تُسحب وكأن الإرادة الشعبية شيء يمكن تأجيله حتى " تستقر الأوضاع" ، وهي أوضاع لا تستقر أصلا تحت الاحتلال.

في العمق، لا يخاف الناس من خسارة فتح أو من صعود المعارضة؛ فالشعوب لا تنجو من الأزمات بحماية فريق سياسي واحد من المنافسة، بل بفتح المجال أمام الجميع ليتنافسوا على ثقتها؛ الخوف الحقيقي أن تتحول القيادة إلى فئة تحمي مواقعها باسم الوحدة الوطنية وتؤجل المساءلة باسم الظروف الاستثنائية. وهنا تكمن المفارقة فالوحدة لا تُبنى بتجميد الخلاف، بل بمنح الناس أداة لاختيار من يمثلهم وحسابهم.

أما التأجيل إلى 2027، فمهما قيل عن ضرورته، فهو يعني عمليا أن جيلا آخر سيمر دون أن يُسأل وأن مؤسسات بلا تفويض انتخابي ستستمر في إدارة شؤون شعب يزداد شعورا بالغربة عن قراراته؛ والخطر ليس في تأجيل سنة أو أكثر، بل في ترسخ فكرة أن الانتخابات رفاهية تنتظر السلام بينما الحقيقة أن السلام نفسه لا يُبنى دون تمثيل حقيقي وشرعية متجددة؛ فالشعب الذي لا يُمنح حق اختيار قادته، يُترك وحيدا أمام الاحتلال من جهة، وأمام قرارات لا يشعر بأنها له من جهة أخرى.

ربما كان الأصعب في القرار أنه لم يأت من الاحتلال، بل من داخل البيت الفلسطيني؛ الاحتلال يحرم ويقيّد ويعاقب لكنه لا يستطيع أن يحوّل التأجيل إلى قرار داخلي؛ وحين يأتي القرار من القيادة نفسها، يتحول الألم إلى سؤال عبثي لماذا يُطلب مني الصبر على كل شيء، ثم يُطلب مني أيضا الصبر على حرماني من كلمة أخيرة في مصيري؟

فلسطين لا تحتاج إلى انتخابات لأن الدول الغربية تطلبها ولا لأنها تريد أن تبدو ديمقراطية أمام العالم؛ هي تحتاج إليها لأن الشعب الذي يتحمل أكبر قدر من التضحية يستحق أن يكون له قول في من يقوده ومن يمثله ومن يتحدث باسمه؛ وحين يُؤجَّل هذا الحق مرارا فهو لا يُؤجَّل موعد انتخابي فقط بل تُؤجَّل ثقة الإنسان بسياسة بلده، وقد يصل يوما إلى قناعة مريرة بأن الصمت ليس خيارا، بل هو الرد الوحيد المتبقي على سياسة أجّلت صوته إلى ما لا نهاية؛ وليبقى الشعب الفلسطيني تحت احتلالين وكلّ يدعي أسبابه.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

قرار جديد من الضمان بشأن فترات الاشتراك والراتب التقاعدي

خبير اقتصادي يحذر الأردنيين .. استعدوا لسيناريوهات صعبة

عطلة الـ3 أيام لموظفي الحكومة .. ما حقيقة تطبيقها نهاية الشهر

100 شخص يحصلون على الجنسية الأردنية و17 ألف قرار إبعاد .. التفاصيل

التربية توضح للسوسنة السبب وراء حذف صور طالبات مدرسة جرش

إعفاء السيارات الأميركية يقترب .. هل تنخفض الأسعار وتتغير الخريطة؟

الدجاج الصيني في الأردن .. ما القصة؟

اعتداء جماعي على طفل في إربد .. تفاصيل

لا تسلم مركبتك لغير المرخصين .. الأمن العام يوضح العقوبات

المملكة على موعد مع تقلبات جوية .. أمطار وغبار وتغيرات بالحرارة

مقاطعة أربع جهات تأمينية الأحد .. ماذا ينتظر المرضى؟

زيادة الـ30 دينارا في الأردن .. هل يحرمك راتبك من الاستفادة؟

تصريح عن تصفيق الأردنيين لصواريخ إيران يشعل ردود الفعل

الأمانة تزيل عشرات المواقع في عمّان .. ما القصة

يزن النعيمات يعود إلى العشب .. نجم ينتظره الأردنيون قبل كأس آسيا