حين تتحول المؤسسة التعليمية إلى لجنة لإنهاء الحاجة إلى المبدعين
14-10-2026 11:04 PM
يعرض فلان تنسيب فلان: "ما في حاجة لفلان".
فيهزّ آخرون رؤسهم موافقين، ويضيف ثالث: "إذن، ننهي خدماته".
فلان ليس صاحب تعيين مخالف ولا صاحب نتاج مفبرك ولم توقع مؤسسة بأكملها كان يعمل فيها سابقا طلبا باخراجه منها فطبيعي ألا ينظر له نظرة الشخص الذي يجب أن يهاب أو أن انهاء خدماته أمرا صعبا.
وهكذا، وبكل بساطة، يتحول الإنسان من صاحب علم وخبرة وإنجازات إلى خانة زائدة في جدول، ويصبح إنهاء خدماته قرارًا يُناقش بين أكواب الشاي، وكأن الأمر يتعلق بإلغاء اشتراك في خدمة توصيل، لا بمستقبل أكاديمي وإنساني.
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح: هل كان فلان يعمل في بيت أحدهم حتى يقرر أنه لم يعد بحاجة إليه؟ أم أنه يعمل في مؤسسة أكاديمية يُفترض أن تحكمها الأنظمة والكفاءة والمعايير الموضوعية؟
يبدو أن عبارة «عدم الحاجة» أصبحت من أكثر العبارات مرونة في بعض البيئات الإدارية؛ تُستدعى حين تكون الحاجة الحقيقية هي التخلص من شخص لا ينسجم مع البصم السائد، أو حين يصبح وجوده مصدر إزعاج بعد أن يكون رفض التوقيع على بياض لمن اعتادوا أن تسير الأمور كما يريدون.
تخيّلوا مكانًا أكاديميًا أُنشئ بناءً على فكرة أحد الأكاديميين وجهوده، وقيل إنه سيواكب التحول الرقمي وتطور الإعلام، ثم تمضي سنوات على تأسيسه دون أن يُتاح له، بحسب الوقائع المطروحة، الحصول على جهاز مسح ضوئي (Scanner) يلبي احتياجاته الأساسية.
نعم، جهاز مسح ضوئي!
في زمن الذكاء الاصطناعي، والاستوديوهات الرقمية، والتحول التكنولوجي، يبدو أن بعض الأماكن قد تتحول إلى ضحية لصراع بين من أسّس الفكرة ومن يتولى إدارتها حاليًا؛ فتخوض معركتها الكبرى من أجل جهاز يستطيع تحويل الورقة إلى ملف إلكتروني.
وتُرسل الكتب والمراسلات مرارًا وتكرارًا للمطالبة بمستلزمات أساسية، من بينها جهاز مسح ضوئي، فيُقابَل الطلب بالسخرية، ويأتي الرد بأن لدى ذلك المكان طابعتين، ثم تُؤخذ إحداهما لصالح أحد الزملاء، بقرار من فلانة... نوائب المكان.
ربما لم يكن ذلك المكان بحاجة إلى طابعة أصلًا؛ فالأفكار لا تُطبع، والمشروعات لا تحتاج إلى ورق، والاعتماد الأكاديمي، على ما يبدو، يمكن إنجازه بالابتسامات والنوايا الحسنة!
لكن المفارقة أن مكان يُفترض أن يعلّم الجديد في مجاله لم يُتح له توفير بعض أبسط الأدوات التي يحتاج إليها في عمله اليومي.
فكيف يمكن الحديث عن الإبداع في بيئة لا تمنح الإبداع أدواته؟ وكيف يمكن الحديث عن التطوير بينما يصبح توفير جهاز أساسي مشروعًا إداريًا طويل الأمد؟
أما إذا خطر لك أن تقترح فتح باب للتطوير، أو أن تتواصل مع جهة أخرى لإنشاء مختبر أو استوديو يخدم البيئة العملية، فهنا تبدأ الأسئلة التي لا تنتهي:
لماذا تريد التطوير؟
ولماذا تبحث عن شراكات؟
ولماذا تفتح أبوابًا جديدة؟
دعنا نركز على ما هو موجود من مشكلات؟
ويجد صاحب المبادرة نفسه مضطرًا إلى الدفاع عن فكرة إنشاء مختبر، بل قد يتحول إلى «صاحب المخالفات الإدارية»؛ والمفارقة أن المخالفة، في هذه الحالة، قد تكون أنه أراد العمل بصمت، واضطلع بأدوار متعددة: الأكاديمي، والإداري، والسكرتير، والطابع، والمرشد، والموجّه، ومتابع الشكاوى.
كل ذلك قد يصبح موضع اعتراض، لا لأن العمل في ذاته مخالف بالضرورة، بل لأن المبادرة ربما أقلقت بعضهم، ولأن التطوير والنهوض قد يزعزعان واقعًا اعتاد آخرون عليه، أو يكشفان أن ذلك المكان قادر على تحقيق ما هو أبعد من الخلافات التي يُراد له أن يُعرَف بها.
فقد يُراد إظهار المكان وكأنه لا ينتج سوى الاختلافات والمشكلات، وأن الحل الوحيد هو إغلاقه، بدلًا من البحث في أسباب التعثر والعمل على معالجتها.
فكل مبادرة يجب أن تُدفن، وكل طلب لتوفير مخصصات يجب أن يُماطَل فيه، وكل محاولة لتعيين متخصص ينبغي أن تواجه بالشروط الصعبة؛ وكأن وجود متخصص في ذلك المكان قد يُربك حسابات من لا يحملون التخصص ذاته.
وهكذا، لا يُرفض التطوير صراحة، ولا يُنفّذ فعليًا؛ بل يُترك في منطقة رمادية بين الموافقة المبدئية والمماطلة العملية.
إنها طريقة مثالية للحفاظ على الانطباع بأن الجميع يعمل، دون الاضطرار إلى مواجهة السؤال الأصعب: ماذا أُنجز فعلًا؟
المفارقة أن التطوير، الذي يُفترض أن يكون هدفًا مؤسسيًا، قد يتحول في بعض البيئات إلى مصدر قلق. فالمبادرة تعني عملًا جديدًا، والعمل الجديد يعني احتمال النجاح، والنجاح قد يكشف أن ما كان يُقال عن استحالة التطوير لم يكن دقيقًا أصلًا.
وهنا يصبح من الأسهل إغلاق باب المبادرة بدلًا من فتح باب المختبر؛ ومن الأسهل تعطيل الفكرة بدلًا من اختبار إمكان نجاحها. وهكذا، يبقى ذلك المكان منشغلًا بإدارة ما ينقصه، بدلًا من بناء ما يمكن أن يميّزه، وتظل أحلامه الرقمية معلّقة في انتظار أبسط الأدوات التي تمكّنه من تحويل الأفكار إلى واقع.
وفي بعض الاجتماعات، قد يبدو أن جدول الأعمال لا يبدأ بمناقشة الخطط، أو تقييم الإنجاز، أو وضع أولويات التطوير، بل بسؤال أكثر إلحاحًا لدى بعض الحاضرين: من نناقش اليوم؟
ماذا حدث اليوم؟
من اختلف مع من؟
من قال ماذا؟
من أخطأ؟
لماذا لم تكتب في فلان؟
ومتى ستكتب تقييما لفلان أقل من 50؟
وضروري أن توقع لفلان غير المعتمد ورقة تفيد بانه معتمد؟
ومن يمكن أن نضيف اسمه إلى قائمة المشكلات؟
ونقل الكلام وسواليف عن فلان وعلان "أتحفوني، شو في مشاكل اليوم؟"
ولا يقبل لك الحديث عن أي تطوير على جدول الاعمال ؛ فهناك جدول غير مكتوب يتجدد كل صباح:
تبدأ الجلسة، وتُستعرض الأسماء، وتُحلل المواقف، وتُفسر النوايا، وتُوزع الأحكام، في أجواء تتخللها الضحكات والتعليقات الساخرة.
بدلًا من أن تكون الاجتماعات مساحة لتبادل الأفكار وحل المشكلات، قد تتحول إلى جلسات مطوّلة لتداول أسماء، ومناقشة تصرفاتهم، وتأويل نواياهم، والبحث عن نقاط خلاف معهم.
أما الإنجاز الفعلي، فيبدو أحيانًا بندًا مؤجلًا إلى اجتماع آخر، قد لا يأتي موعده أبدًا.
وإذا كان هناك من يطرح فكرة جديدة أو يسعى إلى تطوير العمل، فقد تصبح المبادرة نفسها موضوعًا للنقاش، بدلًا من أن تكون فرصة للاستفادة منها. وهكذا، يُستهلك الوقت في الحديث عن الأشخاص أكثر مما يُستثمر في تطوير المكان.
ولعل المفارقة أن بعض المؤسسات لا تعاني نقصًا في الاجتماعات بقدر ما تعاني نقصًا في نتائجها؛ فالمحاضر تتراكم، والملاحظات تتكرر، واللجان تتشكل، لكن السؤال يظل قائمًا: ما الذي تغيّر على أرض الواقع غير التخلص من أفراد؟
يستند المتمسكون بالادارة على الحكمة الإدارية: "إذا أردت أن تشغل شخصًا عن الإبداع والعمل، فشكّل له لجنة".
وما أدراك ما اللجان!
تُشكّل اللجنة لدراسة الموضوع، ثم تجتمع لدراسة آلية الدراسة، ثم تطلب وثائق إضافية، ثم تقرر تأجيل النقاش إلى الاجتماع المقبل، ثم يخرج قرار فجائي بعد أن كانت أجلت النظر واستراحت أشهراً، ويكون المقتضى القانوني مأخوذا حتى قبل تشكيل اللجنة برعاية أمناء السر.
أما المبادرات التي تحتاج إلى دعم مباشر وقرار واضح، فيمكن إبقاؤها في قائمة الانتظار إلى أجل غير معلوم. فلا أحد يرفضها صراحة، ولا أحد يتولى تنفيذها فعليًا؛ وبذلك يستطيع الجميع القول إن الموضوع قيد المتابعة.
في أي مؤسسة تعليمية تسعى إلى التطوير، يُفترض أن تكون الأولويات واضحة: دعم التدريس، وتوفير التجهيزات الأساسية، وتطوير المختبرات، وتعزيز الشراكات، وتشجيع البحث العلمي، واستقطاب الكفاءات المتخصصة.
لكن ماذا يحدث عندما تنقلب الأولويات؟ عندما يصبح توفير جهاز أساسي أمرًا معقدًا، بينما تُستهلك طاقة إدارية كبيرة في الخلافات والإجراءات؟ وعندما يُترك مشروع قابل للتطوير دون دعم، بينما تتقدم المسائل الثانوية إلى واجهة الاهتمام؟
إن إنشاء مكان متخصص لا يكفي وحده لتحقيق أهدافه؛ فالتأسيس يحتاج إلى رؤية، والرؤية تحتاج إلى خطة، والخطة تحتاج إلى موارد وكفاءات وقرارات قابلة للتنفيذ.
ولا يمكن المطالبة بإتقان أدوات العصر الرقمي في بيئة لا تتوافر فيها بالضرورة الأدوات التي يحتاجون إليها للتدريب والتطبيق. كما لا يمكن الحديث عن التميز الأكاديمي بمعزل عن معايير واضحة لتقييم الأداء، وتوزيع المسؤوليات، وتكافؤ الفرص، وتقدير المبادرات.
تخيّلوا أن يكون هناك من يخشى، منذ تأسيس الفكرة، نجاحها أو تمكّن القائمين عليها من تطويرها، فيعمل على إفشالها تدريجيًا. وتخيّلواعندما تكون الإدارة لا تعرف حتى موقعا جغرافيا لذلك المكان، ولا تملك صورة واضحة عن واقعه واحتياجاته، بينما تستقي معلوماتها ممن لا يبرز في المشهد سوى الخلافات، ولا يقدّم لها إلا صورة مبتورة، تُبرز ما يخدم روايته وتُغفل ما عدا ذلك.
وحين تُنقل الوقائع بهذه الانتقائية، يصبح من السهل إقناع الاخرين بأن الإغلاق هو الحل، بدلًا من معالجة المشكلات أو الاستماع إلى جميع الأطراف. وقد تتفاقم الأزمة عندما تُمنح الأفضلية لأشخاص أو خيارات تثار تساؤلات بشأن مدى توافقها مع شروط الاعتماد وبعد عدم اعتمادهم ومخالفاتهم فليذهب الجميع بمعيتهم، أو عندما تُتخذ قرارات خاطئة رغم وجود ما يستدعي مراجعتها، فتزداد المشكلات تعقيدًا بدلًا من حلّها.
وهكذا، قد تتحول الأخطاء المتراكمة إلى مبررات إضافية لإنهاء الفكرة، ثم يُقدَّم الإغلاق لاحقًا على أنه نتيجة طبيعية للخلافات، ويُروَّج لهذه الرواية من بعض المحيطين، وكأن الخلافات هي السبب الوحيد، لا نتيجة لقرارات وممارسات كان من الممكن مراجعتها ومعالجتها.
وهنا يبرز السؤال الأهم: هل تُدار المؤسسات لحماية أفكارها وتطويرها، أم يُسمح للخلافات الشخصية والإدارية بأن تتحول إلى أدوات لإفشالها، ثم تُستخدم نتائج هذا الإفشال ذريعةً للتخلّص منها؟
ربما يجدر إعادة النظر في العبارة الأكثر تداولًا: "لا حاجة إلى فلان".
ألا توجد حاجة إلى الباحث؟ ولا إلى صاحب المبادرة؟ ولا إلى من يطالب بمختبر وأدوات تليق بالتعليم؟
أم أن الحاجة الحقيقية التي تزعج البعض هي الحاجة إلى التغيير، والشفافية، والمساءلة، والاعتراف بأن تعثر المؤسسات لا يُعالج بإقصاء الأشخاص، بل بمراجعة القرارات وتوفير الموارد وتطبيق المعايير بعدالة؟
فإذا أُهملت المبادرات، وعُطّل التطوير، ولم تُوفّر الأدوات، ثم استُخدمت المشكلات الناتجة لتبرير الإغلاق، فإن السؤال الذي يستحق الإجابة ليس فقط: لماذا تعثر المكان؟ بل أيضًا: من المسؤول عن تعثره، وهل كان بالإمكان تفاديه؟
أما الشاي، فسيبرد في نهاية الجلسة، وستُرفع الأكواب عن الطاولة، وستبدأ غدًا أحاديث جديدة عن أشخاص جدد.
لكن الوثائق والأدلة والقرارات ستبقى، وستظل الأسئلة قائمة.
وعندها لن يكون السؤال فقط: من قال إنه لا حاجة إلى فلان؟
بل سيكون أيضاً: لماذا قال ذلك؟
افتتاح فعاليات مهرجان غصن الزيتون للشعر النبطي بجرش
الوهداني يلبي دعوة السفير الإسباني للاحتفال باليوم الوطني
تطوير مرافق مدينة الحسين للشباب
عطلة الـ3 أيام لموظفي الحكومة .. ما حقيقة تطبيقها نهاية الشهر
الدوري الآسيوي .. الفيصلي يفوز على النهضة العماني بثنائية
حين تتحول المؤسسة التعليمية إلى لجنة لإنهاء الحاجة إلى المبدعين
شيخ الأزهر يشيد بمواقف الملك لنصرة القضايا العربية
اليرموك وتيشك تنظمان مؤتمرا دوليا
خلدون ملحس عم رئيس مجلس استثمار اموال الضمان بذمة الله
الإطاحة بمطلوبين في قضايا احتيال إلكتروني ومخدرات بالرمثا
هل انهار اقتصاد إيران .. ماذا تقول طهران وواشنطن
وفاة عبير قضماني تهز الوسط الفني .. وسبب الوفاة يتصدر التواصل
قرار جديد من الضمان بشأن فترات الاشتراك والراتب التقاعدي
الأردنيون على موعد مع رسوم عبور هذا الطريق .. توضيح آلية الدفع
خبير اقتصادي يحذر الأردنيين .. استعدوا لسيناريوهات صعبة
100 شخص يحصلون على الجنسية الأردنية و17 ألف قرار إبعاد .. التفاصيل
إعفاء السيارات الأميركية يقترب .. هل تنخفض الأسعار وتتغير الخريطة؟
الدجاج الصيني في الأردن .. ما القصة؟
اعتداء جماعي على طفل في إربد .. تفاصيل
المملكة على موعد مع تقلبات جوية .. أمطار وغبار وتغيرات بالحرارة
أمطار رعدية وبرد وعواصف رملية في الأردن
زيادة الـ30 دينارا في الأردن .. هل يحرمك راتبك من الاستفادة؟
شتوة الزيتون ليست كما يعتقد الأردنيون .. خبراء يحسمون الجدل
تصريح عن تصفيق الأردنيين لصواريخ إيران يشعل ردود الفعل
جملة للفنان زهير النوباني تشعل ردود الفعل .. ماذا قال وكيف رد الأردنيون
الأمانة تزيل عشرات المواقع في عمّان .. ما القصة
يزن النعيمات يعود إلى العشب .. نجم ينتظره الأردنيون قبل كأس آسيا
