ذاكرة السجاد

ذاكرة السجاد

13-10-2026 09:13 PM

لا أذكر أنه كان في بيتنا «سجاد أرضي» بالمعنى المتعارف عليه… كنا في منتصف السبعينات نكتفي بحصيرة من القش، تُفرش على الأرض وتُعتبر قمّة الرفاهية آنذاك. ثم دخلنا الثمانينات، فاستبدلنا القش بحصيرة بلاستيكية ملوّنة، تلتصق برطوبة الشتاء وتصدر صريراً عند المشي عليها، لكننا كنّا نشعر وكأننا نعيش في قصر من ألف ليلة وليلة.

أما السجاد الحقيقي، فمكانه لم يكن تحت الأقدام، بل فوق الرؤوس وعلى الجدران! نعم، سجاد زمان لم يكن يُفرش على الأرض، بل يُعلّق على الحيطان وزوايا الغرف، ليؤدي دوراً عجيباً: زينة، وتدفئة بصرية، وأحياناً لوحة فنية منافسة للمتاحف العالمية.

السجاد الذي كان يروي لنا الحكايات.

تأمل معي تلك الرسومات التي زيّنت بيوتنا:

غزلان تركض في غابة خيالية وكأنها تهرب من واقعنا الاقتصادي.

طاووس ضخم ينفش ريشه متباهياً على الحائط، ليبقى رمز الفخامة المنزلية.

مصارع مفتول العضلات يتحدى ثوراً هائجاً… لوحة لم يفهمها أحد، لكنها كانت تثير الرهبة في الضيوف.

صور لمكة المكرمة والمدينة المنورة، تحمل قدسية خاصة وتذكّر العائلة بالروحانية وسط دخان الصوبة.

ومناظر طبيعية لجبال وأنهار وشلالات، كانت تمنحنا «سياحة منزلية بلا تكاليف» ونحن جالسون على الحصيرة.

كان للسجاد المعلّق على الحائط رائحة خاصة، مزيج من غبار السنين، ودخان الكاز، ورطوبة الشتاء. رائحة بمجرد أن تشمّها اليوم تعود بك إلى حضن بيت الطفولة، إلى دفء الجلسات العائلية، إلى زمن بسيط خالٍ من تعقيدات «الديكور العصري».

اليوم نعلّق على الحيطان ساعات رقمية ولوحات تجريدية، وندوس على أفخر أنواع السجاد، لكننا فقدنا تلك المتعة البسيطة في الجلوس والتأمل. لم يعد لدينا ذلك الطاووس المتكبر، ولا ذلك الغزال الذي يركض بلا وجهة، ولا حتى الثور الهائج الذي كان يحرس غرفة الضيوف من الملل.

سجاد زمان لم يكن مجرد خيوط وألوان، بل كان لوحة تُزيّن الروح قبل الجدار. كان علامة فارقة في بيوت البساطة، ومفتاحاً لذاكرة ما زالت حتى اليوم تعبق برائحة الحنين.

وحين يتسلّل زمهرير الشتاء، وأنت جالس في بيتك المزوّد بأحدث وسائل الراحة، تذكّر أن بيتك القديم، بسجادته المعلّقة على الحائط وحصيرته المفروشة على الأرض، كان أدفأ بكثير… على الأقل في القلب.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

قرار جديد من الضمان بشأن فترات الاشتراك والراتب التقاعدي

الأردنيون على موعد مع رسوم عبور هذا الطريق .. توضيح آلية الدفع

بعد 18 عاماً من أول محاولة .. هل يصنع الأردن سياراته أخيراً وكم ستنخفض أسعارها؟

100 شخص يحصلون على الجنسية الأردنية و17 ألف قرار إبعاد .. التفاصيل

إعفاء السيارات الأميركية يقترب .. هل تنخفض الأسعار وتتغير الخريطة؟

الدجاج الصيني في الأردن .. ما القصة؟

المملكة على موعد مع تقلبات جوية .. أمطار وغبار وتغيرات بالحرارة

الأردنيون على موعد مع أمطار وسيول .. وهذا موعد الذروة

أمطار رعدية وبرد وعواصف رملية في الأردن

زيادة الـ30 دينارا في الأردن .. هل يحرمك راتبك من الاستفادة؟

شتوة الزيتون ليست كما يعتقد الأردنيون .. خبراء يحسمون الجدل

جملة للفنان زهير النوباني تشعل ردود الفعل .. ماذا قال وكيف رد الأردنيون

الأمانة تزيل عشرات المواقع في عمّان .. ما القصة

يزن النعيمات يعود إلى العشب .. نجم ينتظره الأردنيون قبل كأس آسيا

جماجم بشرية ورفات في الكرك تحيّر الأردنيين .. ما القصة