السلام يبدأ من البيت العربي .. وعُمان مفتاح الحل
14-10-2026 12:27 AM
وفي ضوء التصعيد الأخير، تبرز حقيقة سياسية لا ينبغي تجاهلها: قد تنجح القوة العسكرية في تغيير موازين الميدان، لكنها لا تستطيع وحدها صناعة سلام دائم، كما أن الانتصار العسكري لا يتحول بالضرورة إلى استقرار سياسي.
ومن هنا، فإن المصلحة السعودية واليمنية والعربية تقتضي الانتقال من منطق إدارة الحرب إلى استراتيجية صناعة السلام، عبر الأدوات الدبلوماسية والحوار المباشر والوساطة الإقليمية، وفي مقدمتها الوساطة العُمانية، ضمن مقاربة تؤكد أن الحل ينبغي أن يُصنع داخل البيت العربي، وأن تكون القوى الدولية داعمة له لا بديلة عن أصحابه.
أولًا: عندما تصبح الحرب خسارة عربية مشتركة
تؤكد التطورات الأخيرة أن استمرار المواجهة يفرض تكاليف أمنية واقتصادية وإنسانية تتجاوز الحدود السعودية واليمنية. فالمملكة العربية السعودية، بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي وديني، تشكل ركيزة أساسية في منظومة الاستقرار العربي، وأي تهديد مستمر لأمنها أو منشآتها الحيوية ينعكس بالضرورة على المنطقة بأسرها.
وفي المقابل، دفع الشعب اليمني خلال سنوات الصراع أثمانًا باهظة من أمنه واستقراره ومستقبله الاقتصادي والاجتماعي، حتى أصبحت الحاجة إلى إنهاء الحرب ضرورة وطنية وإنسانية لا تحتمل المزيد من التأجيل.
والأخطر أن استمرار التصعيد يفتح المجال أمام تحويل البحر الأحمر وباب المندب إلى ساحات للصراع الدولي، بما يهدد التجارة العالمية وأمن الطاقة، ويزيد من احتمالات التدخل الخارجي.
إن أمن السعودية ليس قضية سعودية منفصلة عن محيطها، كما أن استقرار اليمن ليس شأنًا يمنيًا داخليًا فحسب؛ فكلاهما جزء من معادلة الأمن القومي العربي.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: من يستطيع إلحاق خسائر أكبر بالطرف الآخر؟ بل أصبح: كيف يستطيع العرب وقف الخسائر المتبادلة، وتحويل المواجهة إلى فرصة لبناء نظام إقليمي أكثر أمنًا واستقرارًا؟
ثانيًا: لا سلام دائمًا دون معالجة جذور الصراع
أثبتت تجارب المنطقة أن الحلول العسكرية، مهما بلغت قوتها، تبقى محدودة النتائج عندما لا تقترن بتسويات سياسية تعالج الأسباب العميقة للنزاعات.
فالحوثيون، بصرف النظر عن الخلافات الجوهرية معهم، يمثلون قوة سياسية وعسكرية قائمة على الأرض اليمنية، ولا يمكن تجاهل وجودهم عند البحث عن تسوية قابلة للتنفيذ. وفي الوقت نفسه، لا يمكن لأي تسوية أن تكون عادلة أو مستدامة إذا قامت على الاعتراف بالأمر الواقع العسكري وحده، أو تجاهلت الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا وبقية القوى والمكونات السياسية والاجتماعية.
إن السلام المطلوب ليس اتفاقًا ثنائيًا لتبادل التنازلات الأمنية، وإنما عملية سياسية شاملة تحفظ سيادة اليمن ووحدته، وتضمن أمن السعودية وحدودها، وتمنع استخدام الأراضي اليمنية منصة لتهديد دول الجوار أو الملاحة الدولية.
وهنا ينبغي التمييز بين مسارين متكاملين: الأول عاجل، ويهدف إلى وقف الهجمات وحماية المدنيين والمنشآت الحيوية؛ والثاني استراتيجي، ويستهدف إعادة بناء الدولة اليمنية ومؤسساتها على أساس الشراكة الوطنية والتوافق السياسي.
إن اختزال الأزمة اليمنية في بعدها الأمني وحده يعني معالجة النتائج وترك الأسباب، بينما يتطلب الحل الحقيقي معالجة أزمة الحكم والتمثيل السياسي والتوزيع العادل للسلطة والموارد.
ثالثًا: سلطنة عُمان.. الوسيط الذي يمتلك ثقة الأطراف
وسط تعقيدات المشهد الإقليمي، تبرز سلطنة عُمان بوصفها الطرف العربي الأكثر قدرة على أداء دور محوري في تقريب وجهات النظر وفتح قنوات الحوار.
لقد استطاعت مسقط، عبر سياسة خارجية تقوم على الاعتدال والتوازن واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، المحافظة على قنوات اتصال مع أطراف متخاصمة يصعب جمعها على طاولة واحدة.
وهذه ميزة دبلوماسية بالغة الأهمية؛ لأن الوساطة الناجحة لا تقوم على امتلاك القوة العسكرية، وإنما على الثقة والمصداقية والقدرة على التواصل مع الجميع.
ولعل تجربة الوساطة العُمانية التي ساعدت في التوصل إلى تفاهم بين الولايات المتحدة والحوثيين في مايو 2025 بشأن وقف الاستهداف المتبادل تقدم دليلًا عمليًا على إمكانية تحقيق اختراقات دبلوماسية حتى في أكثر الأزمات تعقيدًا.
صحيح أن تلك التفاهمات كانت محدودة النطاق، ولم تشكل تسوية شاملة للأزمة اليمنية، لكنها أثبتت أن الحوار قادر على تحقيق نتائج تعجز عنها أحيانًا سنوات من التصعيد العسكري.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم هو منح الوساطة العُمانية دعمًا عربيًا واضحًا، وتحويلها من قناة لتبادل الرسائل إلى مسار تفاوضي منظم، يحظى بضمانات إقليمية ودولية وآليات تنفيذ ورقابة.
وليس المقصود تحميل مسقط مسؤولية حل أزمة تتجاوز إمكانات أي وسيط منفرد، وإنما تمكينها من قيادة جهود دبلوماسية بالتنسيق مع السعودية والأمم المتحدة والأطراف اليمنية، وبدعم من مجلس التعاون الخليجي والدول العربية المعنية.
رابعًا: الحل داخل البيت العربي.. ضرورة استراتيجية لا مجرد شعار
إن واحدة من أخطر نتائج استمرار الصراعات العربية هي انتقال مفاتيح الحل من العواصم العربية إلى مراكز القرار الدولي.
فعندما تصبح تسوية النزاعات العربية مرهونة بالتفاهمات بين واشنطن وطهران، أو بتوازنات القوى الكبرى، تتراجع قدرة العرب على تحديد أولويات أمنهم ومستقبلهم.
ولا يعني ذلك استبعاد الدور الدولي، فالولايات المتحدة والصين والدول الأوروبية والأمم المتحدة تمتلك أدوات سياسية واقتصادية يمكن أن تساعد في إنجاح أي اتفاق. لكن الفارق كبير بين الاستعانة بالدعم الدولي لتنفيذ تسوية عربية، وبين ترك مصير المنطقة رهينة لصراعات الآخرين.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مبادرة عربية متكاملة، تكون السعودية وسلطنة عُمان في مقدمة رعاتها، وتحظى بدعم خليجي وعربي واسع، وتفتح المجال أمام مشاركة جميع الأطراف اليمنية في صياغة مستقبل بلادها.
إن الرياض، بما تمتلكه من وزن سياسي واقتصادي وإقليمي، تستطيع أن تحول قوتها من أداة للردع العسكري إلى رافعة دبلوماسية لصناعة الاستقرار.
كما أن مسقط تستطيع توظيف رصيدها الدبلوماسي وعلاقاتها المتوازنة لتقريب المواقف، بينما يمكن لبقية الدول العربية توفير مظلة سياسية واقتصادية تساعد على تنفيذ الاتفاق وإعادة إعمار اليمن.
فالسلام العربي لا يتحقق بإقصاء الخصوم، وإنما ببناء ترتيبات تجعل استمرار الحرب أكثر كلفة من الالتزام بالتسوية.
خامسًا: إيران جزء من معادلة التهدئة وليست بديلًا عن الحوار اليمني
لا يمكن تجاهل الدور الإيراني في المعادلة الإقليمية المرتبطة باليمن، لكن المبالغة في تصوير الحوثيين باعتبارهم مجرد أداة تتحرك تلقائيًا وفق القرارات الإيرانية قد تؤدي إلى قراءة غير دقيقة لطبيعة الصراع.
فالحوثيون يمتلكون حساباتهم السياسية والعسكرية المحلية، كما أن إيران تمتلك مصالح إقليمية تتجاوز الساحة اليمنية.
ولهذا، فإن الحوار مع طهران يمكن أن يسهم في خفض التصعيد وتوفير ضمانات إضافية، لكنه لا يستطيع أن يحل محل التفاوض المباشر مع الأطراف اليمنية.
والمطلوب دبلوماسية متعددة المسارات: تفاهمات سعودية حوثية بشأن الأمن والحدود، وحوار يمني شامل بشأن مستقبل الدولة، واتصالات إقليمية مع إيران للحد من التدخلات والتصعيد، وضمانات دولية لحماية الملاحة وتنفيذ الالتزامات.
وهنا تتجلى أهمية الوساطة العُمانية مجددًا، باعتبارها جسرًا محتملًا بين هذه المسارات، دون أن تتحول إلى بديل عن الإرادة السياسية للأطراف المعنية.
سادسًا: من وقف إطلاق النار إلى صناعة السلام
إن أي مبادرة جادة لإنهاء الصراع ينبغي أن تقوم على خطوات عملية متدرجة، تبدأ بوقف متبادل وقابل للتحقق للهجمات على المدنيين والمطارات والمنشآت الاقتصادية، مع وضع آلية مستقلة لرصد الانتهاكات ومعالجتها.
ويجب أن يترافق ذلك مع ترتيبات واضحة لحماية الحدود السعودية وضمان حرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، دون تحويل هذه الممرات الدولية إلى أدوات للمساومة السياسية أو العسكرية.
كما ينبغي إعطاء الأولوية للملفات الإنسانية، وفي مقدمتها فتح الطرق والمطارات، وتسهيل وصول الغذاء والدواء، ومعالجة قضية الأسرى والرواتب والخدمات الأساسية.
وبعد تثبيت التهدئة، تبدأ مفاوضات سياسية يمنية شاملة، تحت رعاية الأمم المتحدة وبمساندة عربية، تضع أسس نظام سياسي قادر على استيعاب التنوع اليمني، وإعادة بناء المؤسسات، وإنهاء الانقسامات التي غذّت الحرب.
والأهم أن تكون هناك ضمانات تنفيذية واضحة، لأن الاتفاقات التي تفتقر إلى الرقابة والمساءلة قد تتحول إلى مجرد استراحات مؤقتة بين جولتين من القتال.
إن نجاح الوساطة لا يقاس بعدد الاجتماعات أو البيانات المشتركة، وإنما بقدرتها على وقف الدماء، واستعادة الخدمات، وتوفير الأمن، وإعادة الثقة بين الأطراف.
سابعًا: السلام ليس تنازلًا عن السيادة بل انتصار للعقل السياسي
قد ينظر البعض إلى الدعوة للحوار باعتبارها تعبيرًا عن الضعف، أو تنازلًا أمام الضغوط العسكرية. لكن التجارب التاريخية تؤكد أن الدول القوية هي الأكثر قدرة على الانتقال من المواجهة إلى التسوية عندما تقتضي مصالحها الاستراتيجية ذلك.
فالسعودية لا تحتاج إلى حرب مفتوحة لإثبات قوتها الإقليمية، وإنما تحتاج إلى بيئة آمنة ومستقرة تتيح لها مواصلة تحولاتها الاقتصادية والتنموية وتحقيق أهداف رؤيتها المستقبلية.
وفي المقابل، فإن الحوثيين لا يستطيعون بناء مستقبل سياسي مستقر لليمن من خلال استمرار المواجهة مع الجوار، أو توظيف الصواريخ والمسيّرات وسيلة دائمة لفرض المطالب السياسية.
كما أن الشعب اليمني لا ينبغي أن يبقى رهينة صراع على السلطة والنفوذ، بينما تتآكل مؤسسات الدولة وتتراجع فرص التنمية وتزداد المعاناة الإنسانية.
إن الشجاعة السياسية الحقيقية لا تكمن في القدرة على مواصلة الحرب إلى ما لا نهاية، وإنما في امتلاك الإرادة لإنهائها عندما يصبح السلام أكثر خدمة للمصلحة الوطنية.
أخيرًا: آن الأوان أن ينتصر العقل العربي
تقف المنطقة اليوم أمام خيارين واضحين: إما الاستمرار في دوامة التصعيد والاستنزاف والتدخلات الخارجية، وإما اغتنام الفرصة لإطلاق عملية سلام عربية جادة تعيد الاعتبار للدبلوماسية والحوار والمصالح المشتركة.
وليس من مصلحة السعودية أن تبقى منشآتها ومدنها عرضة للتهديد، وليس من مصلحة الحوثيين أو الشعب اليمني استمرار حرب تستنزف مقدرات البلاد، كما ليس من مصلحة أي دولة عربية أن يتحول البحر الأحمر إلى ساحة مواجهة مفتوحة بين القوى الإقليمية والدولية.
ومن هنا، فإن دعم الوساطة العُمانية لم يعد مجرد خيار دبلوماسي مرغوب، بل أصبح ضرورة استراتيجية ينبغي أن تتبناها الدول العربية بجدية ومسؤولية.
إن الفرصة لا تزال قائمة لصياغة تسوية تحفظ أمن السعودية وسيادة اليمن، وتعيد الاستقرار إلى البحر الأحمر، وتحد من التدخلات الخارجية، وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون الإقليمي.
فلا السعودية تستطيع أن تحقق أمنًا مستدامًا في ظل يمن مضطرب، ولا اليمن يستطيع أن يستعيد عافيته في ظل علاقة عدائية دائمة مع أكبر جيرانه.
ولعل الدرس الأهم الذي ينبغي أن نستخلصه من سنوات الصراع هو أن الأمن العربي لا يمكن تجزئته، وأن الاستقرار لا يُبنى على أنقاض الجيران، وأن السلام العادل ليس هدية يقدمها المنتصر إلى المهزوم، بل مصلحة مشتركة تصنعها الإرادة السياسية والحكمة والشجاعة.
لقد آن الأوان أن تنتقل المنطقة من منطق من ينتصر في الحرب إلى من يربح السلام؛ وأن تكون مسقط جسر الحوار، والرياض شريكًا رئيسيًا في صناعة التسوية، وصنعاء عنوانًا لاستعادة الدولة، وأن يعود قرار الأمن والاستقرار إلى أصحابه داخل البيت العربي.
فالعرب جميعًا يخسرون عندما تستمر الحرب، والعرب جميعًا يربحون عندما ينتصر السلام.
إصابات وتضرر منازل بالرياض جراء شظايا صاروخين حوثيين
للباحثين عن وظائف في الحكومة .. أسماء وتفاصيل
خبير سياسي أردني يطرح مبادرة عربية لإنهاء الصراع السعودي الحوثي
السلام يبدأ من البيت العربي .. وعُمان مفتاح الحل
رقم ضخم .. الكشف عن حجم مديونية أمانة عمّان
تصريح عن تصفيق الأردنيين لصواريخ إيران يشعل ردود الفعل
كتلة حزب الأمة تشكل لجنة للتفاوض بشأن انتخابات النواب
البوم جديد لدنيا سمير غانم يحمل اسم والدتها الراحلة
القوات اليمنية تنفذ 2200 عملية ضد الحوثيين
ارتفاع الفائض التجاري في روسيا
توقف صادرات النفط الإيراني الشهر الحالي
الاطلاع على واقع التزويد المائي ومشاريع الشبكات بمعان
السعودية بمرمى الاستهداف الحوثي وسقوط أجزاء من شظايا الاعتراض بالظهران
قرار جديد من الضمان بشأن فترات الاشتراك والراتب التقاعدي
الأردنيون على موعد مع رسوم عبور هذا الطريق .. توضيح آلية الدفع
بعد 18 عاماً من أول محاولة .. هل يصنع الأردن سياراته أخيراً وكم ستنخفض أسعارها؟
100 شخص يحصلون على الجنسية الأردنية و17 ألف قرار إبعاد .. التفاصيل
إعفاء السيارات الأميركية يقترب .. هل تنخفض الأسعار وتتغير الخريطة؟
الدجاج الصيني في الأردن .. ما القصة؟
المملكة على موعد مع تقلبات جوية .. أمطار وغبار وتغيرات بالحرارة
الأردنيون على موعد مع أمطار وسيول .. وهذا موعد الذروة
أمطار رعدية وبرد وعواصف رملية في الأردن
زيادة الـ30 دينارا في الأردن .. هل يحرمك راتبك من الاستفادة؟
شتوة الزيتون ليست كما يعتقد الأردنيون .. خبراء يحسمون الجدل
جملة للفنان زهير النوباني تشعل ردود الفعل .. ماذا قال وكيف رد الأردنيون
خبير اقتصادي يحذر الأردنيين .. استعدوا لسيناريوهات صعبة
الأمانة تزيل عشرات المواقع في عمّان .. ما القصة
يزن النعيمات يعود إلى العشب .. نجم ينتظره الأردنيون قبل كأس آسيا
