متى تكون القصيدة المعاصرة نصاً فكرياً؟

متى تكون القصيدة المعاصرة نصاً فكرياً؟

18-10-2026 04:09 AM

لا ريب في أنَّ النقدَ الأدبي المعاصر يعاني من أزمةِ منهجياتٍ، سببُها التفاوتُ بين مستوى ما قدمته أجيالُ النقد العربي السابقة من عطاءاتٍ على مستوى التمثيل النظريَّ والممارسة العمليةِ، وبينَ ما اعتاد الجيلُ النقدي الحالي الارتكانَ إليه من مستوى، هو فيه مطمئنٌ كلَّ الاطمئنانِ للمنجز النظري، وراضٍ كلَّ الرضا عما يقدمُهُ على الصعيدِ التطبيقي من تحليلاتٍ ورؤى، باستثناء بعض المحاولاتِ النقدية التي تسعى إلى المغايرةِ، لكنها ليستْ ذاتِ أثرٍ واضحٍ، بسببِ ما تلقاهُ من عدم الترحيبِ، ما يجعلها تغرِّدُ خارجَ هذا السرب الذي هو عازفٌ أساساً عن التجديدِ، وميالٌ بالعموم إلى دعةِ التنميط والاجترار. وإلا هل يمكنُ لأحدٍ أن يعيدَ النظرَ في مسائلَ، يتصور كثيرٌ من النقاد أنها من حيث الثبات والصحة هي مسلماتٌ، ومن ثم لا مجالَ لتفنيدها أو في الأقل مناقشتها؟ وهل نجدُ من يؤمنُ بأنَّ ما قُدِمَ من رؤى وأطروحاتٍ قبل عقدين أو أكثر، لا يصلحُ اليوم للشعرية الراهنة؛ أولاً لأنَّ الشعرَ نفسه تغيّرَ في مساراته عما كان قبلَ عقودٍ، وثانياً أنَّ تلك الرؤى والأطروحات غالباً ما كانتْ تُماشي ظروفَ الواقع العربي المحتدم آنذاك بالايديولوجيات والذاتيات، يُسقطها الناقدُ- قصداً أو من دون قصدٍ – على الشعرِ حركةً وبناءً وحساسيةً وتاريخاً.
من المأسوفِ عليه أنَّ السيرَ على المنوال النقدي اقتناعاً وتسليماً هو اليوم فرضٌ من فروض الانضمامِ إلى قافلة نقاد الشعرِ. ولا مراءَ بعد ذلك في أنَّ يكون النقادُ أنفسهم السببَ في أزمةِ النقد الأدبي العربي. ليس لأنهم ارتكنوا إلى سابقيهم حسب، بل أيضا لأنهم متزمتون، لا يرونَ أهميةً في التغييرِ النظري والمنهجي، ومقتنعون إزاءَ ما أتى به الجيلُ السابقُ من مسائل وكشوفات، لا يريدون عنها ميلاً ولا تحويلاً. وكيف بعد ذلك يتطلعون إلى ترك إنجازاتٍ للأجيالِ القادمةِ؟
والشاعريةُ الحقةُ إنما ترتهنُ بوجودِ استعداداتٍ داخلية فضلا عما يُمكن للنقد الأدبي – بما له من حيوية – أن يساهم في تشجيعِ العملية الشعرية، ومدِّها بالقوة والطاقة. فتنطلق في عوالم الشعر وتحلِّق بعيداً، كي ترينا ما لا نراه في واقعنا المعيش سواء في كلياته أو في أدق تفاصيله. ولا يكونُ هذا التحليقُ عشوائياً، بل هو يجري على وفق أصولٍ وتقاليدَ بعينها، تَعرفها الشاعريةُ الخالصةُ حقَ المعرفة. وولادةُ القصيدة هي متحصلُ ذلك التحليق الذي تتأكدُ إبداعيته بما يتسم به الشعرُ من اختلافٍ أو لا ائتلافٍ مع المجموع الشعري.
وهو ما قد يتجلى في القصيدة العربية على مختلف أشكالها وأنواعها وأجناسها، لكنه قد يتجلى بشكلٍ واضحٍ في صنف محدد منها يتمثل في (القصيدة المطولة) ولا نقول الطويلة؛ لسببٍ جوهري هو أنَّ انجازِ الشاعر لها، لا يتأتى بشكلٍ عفوي أو كيفما اتفق، بل عن قصدية تحضُّ الشاعرَ على المضي في نظمِ القصيدة. والمضيُّ هو بمثابةِ تحدٍ من تحدياتِ الشاعرية، يواجهه الشاعرُ بما تختزنهُ ذاكرتهُ من خبراتٍ حياتية ورؤى فكرية وتصوراتٍ جمالية، تجعله من ثم مدفوعاً إلى بلورةِ ذلك كلِّهِ في شكلِ فلسفةٍ خاصةٍ ذاتِ تصوراتٍ فيزيقيةٍ وادلاءاتٍ ميتافيزيقيةٍ، يعبِّر عنها بمئةٍ أو مئتين وأحيانا بخمسِ مئةٍ وربما ألفٍ من الأبياتِ أو الأسطرِ الشعرية.
ومثلما أنَّ لكلِ قصيدةٍ مطولةٍ فلسفتها الخاصة، كذلك لكلِ شاعرٍ أدواته الخاصة في إنتاج القصيدة. وإذا كانّ مقصدُ الشاعرِ من القصيدة القصيرة التعبيرَ الشاعري عن غرضٍ ما من الأغراض الذاتية أو الموضوعية، فإنَّ مقصدَ الشاعر من المطولة هو التعبيرُ عن ذلك أيضا مضافاً إليه الكشفُ عن خصوصيةِ تجربتهِ الشعرية، واضعاً إياه في دوامةِ المحك. وهو ما لا يغامرُ شاعرُ القصيدة القصيرة في وضع نفسه في خضمه. ومن ثم لا تتجلى شاعريتُه إلا بعد مخاضٍ هو عبارة عن سلسلةٍ من الدواوين، يتأكدُ معها منجزُه، ومن خلال ذلك يُستدلُّ على طبيعة تجربتهِ.
إنَّ هذا المحك الذي يَضعُ شاعرُ القصيدة المطولة نفسه فيه، هو في الأساسِ عاملُ اختزالٍ زماني، يختصرُ عبره الطريقَ في اختبار شاعريتهِ، والتدليل – في مدى قصير- على تجربته، فتتأكدَ معه فاعليةُ العواملِ التي انطوى عليه منجزُه في كتابة هذه المطولة أو تلك. وبذلك يكسبُ شاعرُ القصيدة المطولة أمرين: الأولُ هو الوقتُ، والآخرُ هو اتجاهٌ يجترحَهُ ويطرح من خلاله أفكارَهُ. مما قد لا يتسنى له الإدلاء به إلا بعد مجموعةٍ من القصائد القصار، يُنظمُها في ظروفٍ زمانية ومكانية، قد تتقاربُ أو تتباعدُ.
وما يركزُ منظرو ما بعد البنيوية اهتمامهم عليه هو دراسة الداخل النصيّ أو العلاقات الداخلية للنصوص، ولا يولون التاريخَ والهوية والتجربة والملكية الفكرية للمؤلف اهتماماً يذكر. وهذا ما توليه دراسات الأقلمة الشعرية العناية، فهي تبحث في العمق -على مستويي التاريخ الأدبي والتفاعل النصي – عن التفرد والأصالة اللذين هما متحصل طبيعي من متحصلات تمازج التقاليد بالمواهب الفردية، وجزءٌ من فاعلية فن الشعر التي هي فطرية في جزء منها، وفي جزء آخر منها خبرة فنية وإدراك جمالي ووعي فكري. ولشاعر القصيدة المطولة طرق عدة في استلهام الأصول والإفادة من الوعي الفردي في بناء نموذج شعري لا يكرر نفسه كما لا يكرر غيره. وقد لا يتمثلُ الشاعرُ هذا الوعي بشكل كافٍ وهو يكتبُ قصيدةً قصيرةً، ذلك أنَّ ضيقَ المساحة التعبيرية قد لا تُفضي إلى إنتاجِ فكر أدبي. ومن ثم تكون كتابة القصيدة المطولة هي المحك في صناعة هذا الفكر.
ويؤكد تعددُ التجارب الشعرية العربية في مجال كتابة المطولات، أهمية وفاعلية المتراكم من الأصول والراسخ من التقاليد في الإنتاج الشعري للفكر. وليست كل قصيدة مطولة هي نص فكري، وإنما الأمر يتوقف على طريقة الشاعر في النظر إلى شعره بوصفه تجسيداً داخلياً، يعيد من خلاله صياغة المصادر بالتحويل والتحوير، وبما يعطي لقصيدته أصالةً، وفي الآن نفسه يُعيد الاعتبار للمصادر نفسها. وكل قصيدة مطولة لا تتشابه في أبنتيها وأنساقها مع غيرها، لأنها بالأساس فارضة أصالتها النوعية عبر ما تمتُّ إليه بصلة من جذور وتقاليد مشتركة. ففي القصيدة المطولة، يستجلب الشاعرُ كل ممكنات وعيه الفردي، وبكل ما فيه من استعدادات تلقائية ومكتسبات الخبرة الحياتية، مضافاً إليها الوعي الجمعي بالتقاليد، فيكون اعتمال الشاعرية داخله أشبه بالمرجل الذي فيه يفورُ الشعر ومن خلاله يُهضم.
وكل ذلك لا يحصل دفعة واحدة، وإنما هي مراحل تشبه مراحل التمثيل الغذائي في الجسم الحي، فالقصيدة المطولة جسم حي، وما يوفر له الطاقة هي مجموعة العمليات الذهنية التي تجري في مرجل الشعر مجازياً، فتتحول القصيدة من مجرد صور ذهنية إلى إنتاج لغوي هو عبارة عن أبيات وأسطر يتلو واحدها الآخر بشكل متصاعد وتنظيم متواتر. وهذا ما يكسبُ الشعر الثراء، فيبدو فلسفة أو سيرة أو تجربة أو علما يتجلى (في أنواع العلوم، آخذا بأطراف الرسوم، لأن كل علم يتصل بالشعر كما يتصل الشعر بكل علم).



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد