لولو السوداء أرجعتني طفلة

لولو السوداء أرجعتني طفلة

20-10-2026 05:06 AM

جعلتني ألاحقها في شوارع الحيّ الذي لم أتعرف إليه بعد كما ينبغي، كأنها قررت، ضمناً، أن تروّضني قبل أن أروّضها. تلك القطة الألمانية السوداء لم يكن لها من شفيع عندي سوى شبهها بقطتي الراحلة «لولو»، التي ربيتها في سنوات طفولتي وصباي، منذ كنت في الثالثة حتى بلغت التاسعة عشرة، على ما أذكر. لطالما وصلني تهكّمُ أبي المُحبّبْ «له الغفران» بين أصحابه في جلسة سَمر عن ابنته دارين التي سَمّتْ قطتها ذات السّواد الفاحم كليلٍ عتيق بـ»لولو» غافلاً عن ما أورثني إياهُ من محاسن جيناتهِ كتركيزي على التفاصيل، الحركات والصفات الصغيرة التي أستندُ عليها بالمعظم في إلقاء الألقاب، الصفات والأسماء على ما ومَن حولي. حيث إنّ الدائرة البيضاء الممتدّة باستحياء في رقبة لولو كانت شبيهةً بلؤلؤة دَعتني بفصاحة لتسميةِ صاحبتي الصغيرة لولو، ولم يميّزها ذلك فقط، بل لربما سطوة الذكاء المفترس الصّامتة في عينيها اللتين يتحاور فيهما الأخضرُ والرّمادي بجديّة، كانت أكثر صخباً، لدرجة أن كلّ مقابض أبواب بيتنا الريفيّ كانتْ مِطواعةً لقفزاتها الرّشيقة عليها، لتساعدها في فتح فرصةِ دخولها للغرف، كونها فردٌ أساسيّ من الأسرة، حتى درابزين النوافذ كان على اتفاق ووِفاق معها، يسمحُ لها بالتحايلِ عليه كيفما شاءتْ وفي أيّ وقت تفضّله، ما عليها في خطوتها الأخيرة، إلا التعبير بمواءٍ حنون على تخطّيها لكلّ مراحل التسلّل، كي أفتح لها النافذةَ الزجاجية وأرحّبُّ بها كما يليقُ بهيبتها، لتتمسّح بثيابي ويتمتّع دلالها بحكّ خدودها ورقبتها ملياً قبل النوم بجانبي على بطانيّتي البنيّة التي رُسم عليها وجه الأسد بإتقان اليَدوين القدماء.

في الحقيقة أن القطة الألمانية ولنسميها جدلاً بسالي حالياً، كوني سألتُها عن اسمها في ما بعد ولم تجبْني، لم تسمح لي أوّل يومٍ إلا برؤيتها من على البلكون، متغاويةً بمَشيةِ هدوءِ مَنْ ليسَ لهُ ولاعليه، في حديقة البناية التي سكنتُها من عشرة أيام، ناديتُها أن تعالي سأطعمك، كما ناديتها بنداء الهرّرة المعروف (بِس بِس) فالتفتتْ إليّ بنظراتٍ مُستغربة، قائلةً في نفسها: (من أين جاءتْ هذه السمراء وبأيّ صفة تناديني تعالي بهذه اللكنة الغريبة؟). لم تصدّقني حين قلتُ لها بأني سأطعُمها، وتابعَ غرورها تقدمَهُ مع مُراقبتهِ لهذا الاهتمام غير المُبرّر!
سالي معها كلّ الحق، فهي لا تعلم بأني كدتُ أخسر عينيّ في طفولتي لوَلعي الشديد بفصيلتها، كوتنها كان جزءاً أساسياً في أيامي منذ كنتُ ضيفةً جديدة على الحياة. ليس لديها فكرة عن أني كنتُ أصحو في عمر الثمانيةِ بعينين مُغمضتين، وأتحمّلُ عناء الذهاب من غرفة نومي إلى المطبخ وأنا أتحسّس الجدران وأمشي على أرض المنزل بهدوء وخوفٍ من وقوعي في ما كنّا نسميه (جنينة) أي قطعة أرض مزروعة بالورد وشجر المشمش والرمان، وسط باحة منزلنا الرّيفي، هكذا حتى أصل إلى المطبخ، الذي لاعلم لي لحد الآن لماذا بنى جدّي، رحمه الله، المطبخ بعيداً عن الغرف الأربعة والصالون الملاصق لها، ولماذا قرّر أبي أن يأخذ بيتَ أبيهِ من التركة؟ لحسن حظي، كانَ حَدسي مع ذاكرتي يوصلاني لأمي بسلام.

بعد عدّة خطوات، لكنها كانتْ وقتها بالنسبة لي طريقا طويلا ومحفوفا بمخاطر الوقوع في الجنينة، أو طرق رأسي بأحد الأبواب، أو الجدران حتى الوصول إلى المنقذة ستّ الحبايب، لتقطرَ لي في عينيّ لأستطيع فتحمها نصف فتحة والمعاناة من الدموع والعمش اللذين يحاولان حمايتهما قدر الإمكان من الأسوأ. أذكرُ أن أهلي منعوني لسنواتٍ طويلة بعدَ مرضي هذا من اقتناء أيّ هرّة، أو حتى الاقتراب من قطط الجيران التي كنت أحاولُ إغرائها بالطعام في كل فرصةٍ ممكنة. إنَّ سالي ذات الشعر القصير لم تر صوري مع القطط المتغنّجة بسحرها وشعرها الطويل المتماوج بين البنيّ والأوف وايت والمهتمة بعدسة التصوير أكثر مني، أنا التي كنتُ مشغولةً وقتها في كيفية القبض على ذيل إحداهنّ في عربتي البنيّة كوني لم أكن قد تعلمتُ المشيَ مثلها بعد.

هذه البسّةُ الجاهلة بأن أجيالاً من فصيلتها كانتْ تسرحُ وتمرح في بيتنا الكبير والأرض الممتدة وراءه بسورها العالي، حتى أنّ عددها وصل يوماً إلى اثنتي عشرة قطة، كلّ واحدة تحفظُ اسمها منذ الصّغر والدلال موزّع عليهم بالتساوي فهم أبناء لولو، المرغوبة بشكل لافتْ لذكور فصيلتها، تَسحرهم بأنفَتِها، شراسة حضورها وسوادها المَلكيّ المُتفرّد، لذلك كان أبناؤها ملوّنين بشعرٍ طويل أو قصير أو بين بين، وما يدعو للاستغراب عدم ولادتِها لهرٍ واحدٍ يُشبهها، ظلّتْ هكذا صاحبة السّعادة والسّيادة في لونها وملمسها، بل وذكاءها الحاد. أذكر أنّ أمي أطال الله في عمرها، ولكثرة خوفها من عودة مرض العيون، الذي ظلّ متشبثاً بي لفترة ليست بالقصيرة، أرسلتْها مرّات إلى أماكنٍ بعيدة، لكنّ لولو تخطّتْ كلّ العواقب والمحن التي دُبرتْ لها، وكانتْ عزيمتها تُرجعها لي دائماً بعد عدّة أيام، حتى بعدَ نَفيها إلى مدينة صغيرة تَبعدُ عن قريتنا حوالي 25 دقيقة بالسيارة، عادتْ بوجهٍ مؤنّبٍ لنا بعد حوالي 15 يوماً تقريباً، وبنيّتها إقناعَ صاحبةَ المنزل، بأن لها حصّة فيه أيضاً… هل من المعقول بأن تتخلّى عن أبنائها وذكرياتِ زيْجاتها المتعدّدة، وولاداتها الأكثر مع سهري فوق رأسها في الكرتونة المفروشة بكنزاتي حتى ولادتها لآخر طفل، أوستستغني عن كلّ هذا بسهولة؟ بالتأكيد لا لا يا أم جاسم.

1ـ لنعد إلى الشقيّة سالي، التي جعلتني أنسى بأني وصلتُ البيتَ قبل دقائق، من يوم حافلٍ بالعمل، والشتائم التي رميتها لسائقي السيارات الذين يستلمون اليسار بسرعتهم المترنّحة بين العشرين والثلاثين بعد المئة، كأن الطريقَ مُورّث لهم من جدتّهم لأمّهم، واستغفاري لربّ البشر بعد ندمي على الشتائم الملصقة بكلمة حبيبي للمواربة، والمتقافزة على الطريق السريع مبتعدةً عن استعجالي الدائم، الذي ليس له أي مُبرّر كوني أندمُ عليها بعد تذكيري لنفسي بجملة (لن يستطيعَ أحد إغضابك، ما لم تسمح له بذلك) لكني أفشل أحياناً في وضع شعوري في ثلاجة هادئة، كما درّبتُني وأستغني عن أمنيتي المُلحّة في ترديدَ جملة أبي المشهورة رحمه الله، لكني سأذكرها هنا تجاوزاً (سبحانك يا ربي كيف بتخلق، بتجعلك وبتزت على ملااااات إيدك) كما تناسيتُ معدَتي المُدلّلة وهي تنعرني كلّ حين لأنها تقريباً ميّتة من الجوع، ووضعتُ قراري على جنب، بأني سآكل لقمة على السريع وأنام قليلاً، بما أنّ ساعات نومي الليلية تجاوزتْ الأربع ساعات بنصف ساعة.

الخلاصة أن رؤية سالي قلبتْ الموازينَ كلّها، بالإضافة إلى أنها جعلتني أترك باب الشقة والبناية مفتوحين مهتمةً بأخذ كيس الطعام الأحمر المخصّص للقطط كدليل دامغ لأثبتَ لسالي العزيزة بأني فعلاً أسعى لإطعامها، وخرجتُ من دون حذاء بجواربي البيضاء لتأخير فَرار سالي من أمام عينيّ وأملي في التمتّع بحكّ رقبة وخديّ ذكرياتي، إلا أني مشيتُ في الطريقين يميناً ويساراً جيئةً وذهاباً، غير مهتمة بمراقبة بعض أهل الحي من نوافذهم للسّاكنة الجديدة ذات الأصول العربية، الماشية من دون حذاء وتبسبس كالبلهاء هنا وهناك، فقط لتحظى برضى قطةٍ سوداء نحيفة متطبّعة ببرودٍ أوروبيّ مألوف، جعلها تمشي وراء غرورها غير آبهة بكلّ هذا الاهتمام المُبهم، داخلةً لإحدى حدائق البيوت المجاورة. وددتُ حينها لو أدخلَ الحديقة بجواربي ذات القلوب الزهرية المتراشقة على بياضها، والتي اشتريتها لأثبتَ لنفسي بأني ما زلتُ (قطقوطة ودخيل عيني ما أحلاني) وأتحمّل تلوّنها بحكّة العشب وخشونة التراب، للوصول إلى قطتي لولو، أقصد إلى سالي، التي لم ولن تستوعب بأني ألاحقُ ذكريات طفولتي. طبعاً استغنيتُ عن فكرتي مُرغمة، احتساباً لاتهامي بالتعدّي على حدائق الجيران، من دون وجه حق.
لمْلمتُ خيبتي بالتقاط بعض من ذكرياتي، وحاولتُ إنقاذها سريعاً بالاتصال بصديقتي السمراء والتي تصغي لي بكلّ اهتمام، حتى إن كنتُ أتحدّث عن سندويشة فلافل مثلاً، لأشرَح لها بالتفصيل لقائي بالهرّة الشبيهةِ بلولو، و(شتان ما بين الثرى والثريّا) كما أني نعتُّ سالي بقلّة هيبتها وفقرها للسطوة المطلوبة بل حتى بمحدوديّة ذكائها، الذي جعلني في الحقيقة ألاحقهُ كطفلة تتعلّم المشيَ حديثاً من دون الوصول إلى نتيجةٍ تُفرحُ دارين الصغيرة.
مكرُ قطّة أرجعني طفلة!



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد