الشجاعة التي لا تصفق لها الجماهير

الشجاعة التي لا تصفق لها الجماهير

20-10-2026 05:10 AM

ثمة أشخاص يستطيعون الوقوف أمام العالم كله دفاعا عن أنفسهم، لكنهم يعجزون عن الوقوف أمام إنسان واحد والقول له: «لقد آذيتك وأنا آسف». كأن الاعتراف بالخطأ يحتاج إلى شجاعة أعظم من تلك التي تستدعيها الحروب، لأن المرء حين يواجه عدوا يستطيع أن يستعين بكل ما يملكه من أسلحة، أما حين يواجه ضميرَه فلا يجد أمامه سوى الحقيقة التي أمضى وقتا طويلا في محاولة الهرب منها. ولعل أكثر ما يثير الحيرة في الطبيعة البشرية أن الإنسان قد يحتمل خسارة شخص يحبه، ولا يحتمل خسارة الصورة التي رسمها عن نفسه، فيختار أن يعيش ناقصا في حياة الآخر على أن يبدو ناقصا للحظة واحدة أمام عينيه.
لا أعرف متى تحول الاعتذار في وعينا الاجتماعي إلى نوع من الهزيمة، ولا كيف أصبح التراجع عن الظلم أشد وطأة على النفس من ارتكابه. ربما لأننا نشأنا في ثقافات تكافئ الصلابة حتى عندما تكون اسما مستعارا للقسوة، وتخلط بين الكرامة والكبرياء كما لو أنهما فضيلتان متطابقتان، مع أن الكرامة تحمي الإنسان من أن يهان، بينما قد يدفعه الكبرياء إلى إهانة الآخرين كي لا يضطر إلى مراجعة نفسه. وهنا تبدأ واحدة من أكثر المفارقات الإنسانية مأساوية: أن يفضل المرء المحافظة على هيبته في عين من جرحه، حتى لو كان ثمن هذه الهيبة أن يفقد احترامه إلى الأبد.
والاعتذار، في جوهره، ليس طلبا للمغفرة بقدر ما هو إعادة الاعتبار إلى حقيقة تعرضت للتشويه. حين نؤذي إنسانا ثم ننكر ألمه، فإننا لا نكتفي بالاعتداء على مشاعره بل نحاول انتزاع حقه في تفسير ما حدث له. نطالبه ضمنا بأن يشك في ذاكرته، وأن يعيد ترتيب الواقعة بما يتناسب مع براءتنا المزعومة، حتى يصبح مطالبا بإثبات الجرح أمام الشخص الذي أحدثه. ولهذا قد يكون الامتناع عن الاعتذار أكثر إيذاء من الخطأ نفسه، لأن الأذى الأول يقع في لحظة، بينما يستمر الثاني كلما اضطر المجروح إلى الدفاع عن حقيقة أنه جرح بالفعل.
وقد أدرك الفيلسوف إيمانويل ليفيناس أن علاقتنا الأخلاقية بالآخر تبدأ من مسؤوليتنا تجاه وجهه، ذلك الوجه الذي يضعنا أمام إنسان لا يجوز اختزاله إلى مجرد امتداد لرغباتنا. وأفكر أن الاعتذار هو إحدى أكثر الصور الإنسانية تجسيدا لهذه المسؤولية، لأنه اللحظة التي نتوقف فيها عن النظر إلى الآخرين من خلال حاجتنا إلى الانتصار، ونراهم أخيرا بوصفهم كائنات مستقلة عنا، لها كرامة لا تتوقف على اعترافنا بها. وما أعظم الإنسان حين يستطيع أن يقول لمن أساء إليه: لم تكن حساسا أكثر مما ينبغي ولم تسئ فهمي، ولم تستحق ما فعلته بك. لقد كنت أنا المخطئ.
لكن بعض الناس يفضلون أن يخسروا أعمارا كاملة على أن ينطقوا بهذه الكلمات. تراهم يبتكرون روايات بديلة لما جرى ويستدعون أخطاء قديمة للطرف الآخر، ويبحثون عن شهود يؤيدون براءتهم، حتى تتحول الواقعة الصغيرة إلى محكمة طويلة لا يريد المتهم فيها إثبات الحقيقة وإنما يريد إلغاء الضحية. والمثير للأسى أن الإنسان قد يبلغ من العمر عتيا وهو لا يزال طفلا أمام الاعتذار، عاجزا عن احتمال الفكرة البسيطة التي تقول إنه ليس صالحا طوال الوقت وإن محبة الآخرين له لا تمنحه حصانة أخلاقية من محاسبتهم إياه.
ولا ينبغي أن نخلط الاعتذار بالمصالحة، فليس كل اعتذار يستحق أن تعود بعده العلاقات إلى سابق عهدها، وليس من واجب المجروح أن يسامح كي تكتمل فضيلة المعتذر. الاعتذار الحقيقي لا يساوم على الغفران ولا يطالب بمكافأة لقاء الاعتراف، لأنه لا يصدر عن رغبة في استعادة الامتيازات المفقودة، وإنما عن إدراك متأخر بأن إنسانا آخر دفع ثمن خطأ لم يرتكبه. ومن هنا تأتي نبالة الاعتذار: أن تفعل الصواب حتى عندما لا يضمن لك الصواب شيئا وأن تعيد إلى الآخر حقه ولو لم يعد إليك.
أفكر أحيانا في عدد الأشخاص الذين افترقوا وهم ينتظرون جملة واحدة، وفي عدد الأبواب التي أغلقت لا لأن المحبة انتهت، وإنما لأن أحد الواقفين خلفها كان يعتقد أن الطرق عليها اعتراف بالدونية. كم من أب خسر قلب ابنه لأنه لم يستطع الاعتذار عن قسوته، وكم من صديق تحول إلى غريب لأن صاحبه آثر الانتصار في خلاف عابر على إنقاذ تاريخ كامل من المودة. إن أكثر ما يفجعني في هذه الخسارات أنها لم تكن دائما حتمية، بل صنعتها تلك اللحظة التي قرر فيها إنسان أن يكون على حق، حتى لو كان مخطئا.
ولعلنا نحتاج إلى إعادة تعريف العظمة الإنسانية بعيدا عن صور المنتصرين الذين لا ينحنون. فالشجرة التي لا تنحني للريح قد تنكسر بينما ينجو الغصن الذي يعرف أن المرونة ليست نقيض القوة. كذلك الإنسان، لا تنقص قامته حين يعترف بخطئه وإنما يتحرر من العبء الهائل الذي يفرضه عليه ادعاء العصمة. فما أشد بؤس الذين يظنون أن عليهم البقاء فوق الآخرين كي يحتفظوا بمكانتهم ولا يدركون أن المكانة التي تحتاج إلى ظلم إنسان للمحافظة عليها ليست مكانة تستحق الاحتفاظ بها.
وأخيرا، ربما كان علينا أن نخاف من قدرتنا على تبرير القسوة أكثر مما نخاف من أخطائنا نفسها. فالخطأ قد يرتكبه إنسان طيب في لحظة ضعف، أما الإصرار عليه بعد انكشاف أثره فيحتاج إلى قرار أخلاقي جديد، أشد قبحا من القرار الأول. وحين تأخذنا العزة بالإثم، فإننا لا نرتكب الخطأ مرة أخرى فحسب، بل نمنحه حق الإقامة الدائمة في شخصياتنا. لهذا، لا أعتقد أن الاعتذار يجعل الإنسان أصغر أمام من جرحه، بل في الحقيقة أنه يكشف حجمه الحقيقي. وما أبشع أن يعيش المرء عمره كله منتصبا في أعين الناس، بينما يظل في ذاكرة إنسان واحد، كان يستطيع إنصافه بكلمة، صغيرا إلى هذا الحد!



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد