السودان ما بين الحسم العسكري ومشروع بناء الدولة

السودان ما بين الحسم العسكري ومشروع بناء الدولة

19-10-2026 04:58 AM

في الموقع الإلكتروني «مركز مقديشو للبحوث والدراسات»، وتحت باب «تقدير موقف» في الصفحة الرئيسية، كتبت الدكتورة أمينة العريمي، الكاتبة والباحثة الإماراتية المتخصصة في الشأن الأفريقي، مقالا مطولا حمل عنوانا رئيسيا: «المؤسسة العسكرية السودانية»، وعنوانا جانبيا: «عندما يتحول الحسم إلى رأسمال إستراتيجي». ويمثل هذا المقال، في نظري، أطروحة بالغة الأهمية تستدعي المحاججة والمناقشة الواسعة، وتثير أسئلة جوهرية لا يمكن تجاوزها، أبرزها: هل يمكن إنهاء الحرب الدائرة اليوم في السودان بالحسم العسكري، وهل يكفي بقاء الجيش وانتصاره عسكريا، وهو ما أسمته الكاتبة «الصمود العسكري»، لضمان تماسك الدولة الوطنية؟ وهل يمكن فعلا، كما أشارت الكاتبة، تحويل هذا الصمود والتفوق العسكري، إذا تحقق، إلى شرعية سياسية ودبلوماسية مستدامة من دون إعادة تعريف العلاقة بين المؤسسة العسكرية والدولة والمجتمع؟ وانطلاقا من ذلك، رأيت مناقشة هذه الأطروحة الهامة وما تثيره من أسئلة لا تقل أهمية في سلسلة من المقالات، أبتدرها في مقال اليوم، بالتلخيص أدناه لأهم النقاط التي وردت في أطروحة الدكتورة أمينة العريمي:
تطرح د. أمينة العريمي في مادتها تصورا يتجاوز متابعة تطورات الحرب السودانية ميدانيا، ليصل إلى سؤال أوسع يتعلق بمستقبل المؤسسة العسكرية السودانية وموقع السودان في التوازنات الأمنية والسياسية الإفريقية والدولية. وتنطلق الكاتبة من فرضية أساسية مفادها أن الحرب الدائرة في السودان اليوم تجاوزت حدود المواجهة العسكرية بين الجيش وقوات الدعم السريع، لتصبح اختبارا لقدرة الدولة الوطنية على البقاء ولمدى استقلال قرارها السيادي. ولتصبح أيضا انعكاسا لتفاعلات إقليمية ودولية تتجاوز حدود السودان، ولطبيعة النظام الأمني الذي يمكن أن يستقر في السودان وفي محيطه الإفريقي بعد الحرب. أما الفكرة المركزية للأطروحة فتتمثل في قناعة الكاتبة بإمكانية تحول ما تسميه «الحسم والصمود العسكري» إلى رأسمال استراتيجي، أي إلى مصدر للنفوذ السياسي والدبلوماسي والأمني يتجاوز نتائج العمليات العسكرية، ويتيح للسودان إعادة بناء علاقاته الإفريقية والدولية، والمساهمة في صياغة مقاربة قارية لمواجهة الميليشيات المسلحة العابرة للحدود.
وترى الكاتبة أن التطورات العسكرية في السودان أفرزت، أو أسهمت في إبراز، تحولات في التفكير الأمني الإفريقي، يمكن قراءتها من خلال ثلاثة اتجاهات تتمثل في التمييز بين الدولة وقوتها المسلحة، والتلازم بين السيادة والقدرة على الصمود، والموازنة بين الحسم العسكري ومتطلبات إعادة بناء الدولة. كما أن المقال تضمن أيضا فرضية هامة ذهبت فيها الكاتبة إلى أن تنامي المخاوف الإفريقية من انتشار الميليشيات العابرة للحدود، إلى جانب الأهمية الجيوسياسية للسودان وموقعه على البحر الأحمر، قد يدفع القوى الإفريقية والدولية إلى إعادة تقييم مواقفها من الحرب ومستقبل المؤسسة العسكرية السودانية. وفي هذا السياق، تدعو الكاتبة إلى استثمار العلاقات الإفريقية والدولية، وتطوير القدرات الوطنية للتقدير الاستراتيجي، وإعادة بناء المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية، وتكثيف الدبلوماسية السودانية، وتنويع الشراكات الخارجية، بما يعزز استقلال القرار الوطني. وتخلص أطروحة الدكتورة أمينة العريمي إلى أن التحدي لا يقتصر على حسم المواجهة العسكرية، بل يتمثل في تحويل نتائجها إلى مكاسب استراتيجية مستدامة تحمي سيادة السودان ووحدة أراضيه، وتمنع تكرار ظاهرة الميليشيات المسلحة.
وفي ختام مقالها، شددت الدكتورة العريمي على الأولوية القصوى لتركيز كل الجهود إسنادا للظهير الوطني، وتحصينا لشرعية الدولة الوطنية السودانية ومؤسساتها السيادية، وتعزيزا لحضورها على الصعيدين الدولي والإقليمي. وفي هذا الصدد، تقدمت من جانبها بعدد من المقترحات والتوصيات، من أبرزها: 1- تأسيس جهاز تقدير سيادي لإعادة هندسة الأمن الوطني وتطوير السياسات بعيدا عن الأيديولوجيات السابقة التي عطلت حضور السودان إقليميا ودوليا. 2- إطلاق تحركات دبلوماسية دينية واسعة عبر إرسال وفود دبلوماسية برفقة ممثلين عن الكاتدرائية السودانية إلى كبرى كاتدرائيات القارة الإفريقية المنضوية تحت «الجماعة الأنغليكانية العالمية»؛ لدحض المزاعم المرتبطة بالأحزاب المتطرفة وكسب القيادات الكنسية الإفريقية. 3- الموافقة المدروسة على التعاون مع مشروع القيادة العسكرية الإفريقية الموجه للقضاء على الميليشيات العابرة للحدود واستثمار الخبرات الاستخباراتية والميدانية للجيش السوداني. 4- تكثيف حضور البعثات الدبلوماسية السودانية في العواصم الإفريقية عبر منتديات دورية لفضح ممارسات الميليشيات وتهديدها لسيادة الدول الوطنية. 5- انتهاج سياسة «الحياد النشط» وتطبيق استراتيجية انفتاح متوازن تتيح التعاون مع الأطراف الفاعلة كافة من أجل السلام دون الانخراط في معسكر إقليمي أو دولي ثابت. انتهى تلخيصي لأطروحة الدكتورة أمينة العريمي، وآمل أن يكون وافيا وغير مبتسر. وعموما، يمكن الإطلاع على المقال كاملا في الموقع الإلكتروني المذكور.
أما بالنسبة لمناقشتي لما أثارته الدكتورة أمينة العريمي في مقالها، فسأبنيها على التمييز بين ثلاثة مستويات متداخلة، لكنها ليست متطابقة: المستوى العسكري، وأعني به إمكانية حسم الحرب عسكريا، وقدرة الجيش على استعادة الأراضي، وحماية السكان، وإنهاء تعدد مراكز القوة المسلحة. المستوى الاستراتيجي، وأعني به قدرة السودان على تحويل موقعه الجغرافي وخبراته الأمنية وعلاقاته الإقليمية إلى أدوات لحماية مصالحه الوطنية. والمستوى السياسي والمؤسسي، وأعني به قدرة الدولة على بناء شرعية مدنية ودستورية، وإعادة توحيد المؤسسات، وضمان خضوع القوة المسلحة لسلطة عامة مشروعة. وأشير هنا إلى أن الكاتبة في مقالها لم تمنح هذا المستوى المتعلق بطبيعة الدولة والحكم، ما يكفي من التحليل، في حين منحت المستوى الاستراتيجي وزنا كبيرا، وأطروحتها افترضت في مواضع عديدة أن التقدم العسكري يمكن أن يفضي إلى مكاسب سياسية ودبلوماسية، وهو ما سأتناوله بتفصيل في مناقشتي.
في المقال المقبل سأبدأ بمناقشة المستوى العسكري ومحاولة الإجابة على السؤال الرئيس: هل هناك إمكانية لحسم الحرب الدائرة في السودان اليوم عسكريا، كما يُفهم من أطروحة الدكتورة أمينة حول الحسم والصمود العسكري، أم أن الوضع الحالي قد شكل فعليا طريقا مسدودا على المستوى العسكري على الرغم من أن الجيش السوداني وقوات الدعم السريع يواصلان القتال؟



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد