الكرك في حضرة الملك: حين يصبح الحضور رسالة دولة

الكرك في حضرة الملك: حين يصبح الحضور رسالة دولة

23-10-2026 08:44 PM

ليست كل الزيارات الملكية متشابهة في دلالاتها، فبعضها يتجاوز البروتوكول ليصبح جزء من الذاكرة الوطنية، وبعض الصور تختصر في لحظات قليلة أسئلة كبرى تتعلق بالأمن والهوية والعلاقة بين القيادة والمجتمع.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة حضور جلالة الملك عبدالله الثاني إلى مستشفى الكرك الحكومي، مرتدي لباس القوات الخاصة، في أعقاب الهجوم الارهابي من ارهابيين بإطلاق النار التي استهدفت مشيعين في محيط كنيسة حمود، بوصفه مشهد يتجاوز الاطمئنان على المصابين إلى رسالة وطنية تتصل بمعنى الدولة، وحدود مسؤوليتها، وقدرتها على حماية الإنسان وصون تماسك المجتمع.

ففي الكرك، لم يكن الألم محصور في ضحايا جريمة ارهابيه، واعتداء ارهابي من ارهابيين بل امتد إلى المساحة المشتركة التي يتقاسمها الأردنيون من تاريخ وذاكرة وشعور بالانتماء. أن يقع العنف خلال مراسم جنازة، وفي محيط كنيسة، يجعل المأساة أكثر قسوة؛ لأن الاعتداء يأتي في لحظة إنسانية يفترض أن تتقدم فيها الرحمة على كل شيء. وهنا تتجاوز القضية حدود المكان، لتلامس قيمة الأمان التي ينبغي أن يشعر بها كل مواطن، وحرمة الحياة الإنسانية، وحق الجميع في ممارسة شعائرهم والعيش بكرامة لا مكان للخوف.

وفي هذا السياق، تكتسب زيارة الملك دلالتها من تلاقي ثلاثة عناصر: حساسية الحدث، ورمزية المكان، وطبيعة الحضور الملكي. فالكرك ليست مجرد محافظة في الجغرافيا الأردنية، بل جزء أصيل من تاريخ الدولة ووجدانها، بما تختزنه من ذاكرة وطنية وتضحيات ومواقف راسخة. أما حضور الملك بلباس القوات الخاصة، فيستحضر رمزية الميدان والجاهزية والانضباط، ويضع هذه الرمزية في مواجهة الألم الإنساني مباشرة؛ حيث يلتقي واجب حماية الوطن بواجب الوقوف إلى جانب أبنائه حين يحتاجون إلى الطمأنينة والرعاية.

لكن القراءة الأعمق للمشهد لا تتوقف عند رمزية الزي العسكري، ولا عند الأثر المعنوي للحضور الملكي. فالمعنى الحقيقي لأي رسالة قيادية يتحدد أيضًا بما تفتحه من أفق للعمل والمسؤولية. إن هيبة الدولة لا تتحقق بالقوة وحدها، بل بقدرتها على إنفاذ القانون، وحماية الأرواح، وكشف الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم وفق الإجراءات القانونية، وضمان ألا تتحول المأساة إلى مصدر خوف دائم أو شرخ في المجتمع.

ومن هنا، فإن رسالة الكرك تتجه إلى كافة الأردنيين : إن وحدة الوطن ليست مجرد عبارة تستحضر في أوقات الأزمات، بل حقيقة تاريخية ومسؤولية أخلاقية وسياسية تتطلب حماية مستمرة. ونحن المسيحيون الأردنيون لسنا ضيوف على تاريخ البلاد، بل شركاء أصيلون في أرضها وبناء دولتها وتشكيل هويتها، نحن ملح الارض. وأما حماية الكنائس وحق المؤمنين في الصلاة والتعبد ليست قضية تخص جماعة دون أخرى، بل تعبير عن احترام المواطنة وسيادة القانون والكرامة الإنسانية.

وفي المقابل، لا يجوز أن يترك المجال للخوف أو الشائعات كي تتوسع دائرة المأساة. فالمجتمعات المتماسكة لا تنكر ألمها، لكنها ترفض أن يتحول هذا الألم إلى تعميم أو تحريض أو خصومة بين أبناء الوطن الواحد. ويظل الوعي، إلى جانب المسؤولية الإعلامية، ضرورة لحماية الحقيقة من التداول غير المنضبط، بالأخص في القضايا التي تستدعي تحقيق رسمي واحترام لحقوق الضحايا وأسرهم.

إن التحدي الحقيقي يبدأ بعد انقضاء اللحظة الأولى؛ حين يصبح مطلوب تحويل الاهتمام إلى رعاية مستدامة للمصابين، ومساندة لأسر الضحايا، وإجراءات تعزز الأمن والثقة بالمؤسسات. فالحضور يمنح الطمأنينة، لكن استدامتها تحتاج إلى عمل مؤسسي يثبت للمواطن أن حياته وكرامته في صميم أولويات الدولة.

إن الرسالة الأعمق لحضور الملك في الكرك هي أن أمن الأردن لا يتجزأ، وأن كرامة أبنائه لا تُصنّف، وأن قوة الدولة تُقاس بقدرتها على حماية الجميع دون تمييز. فالملك في المستشفى ليس مجرد صورة لقيادة تقترب من جراح الناس؛ إنه مشهد يذكّر بأن الدولة، في لحظات الخطر، مطالبة بأن تكون حاضرة بالفعل والقانون والرعاية.

وتبقى الكرك، بتاريخها الوطني ونسيجها الاجتماعي، أكبر من أن تختصرها حادثة، ويبقى الأردن أكبر من أن تنال من وحدته جريمة. فالأوطان لا تحميها القوة وحدها، ولا يصونها الخطاب وحده، بل يحميها العدل والتماسك والثقة المتبادلة، حين يدرك كل مواطن أن أمن الآخر امتداد لأمنه، وأن المساس بكرامة أي أردني يمسّ المعنى الذي يجمع جميع الاردنيين.

حفظ الله الأردن، ورحم شهداءنا ومنّ على المصابين بالشفاء العاجل، وأدام على وطننا أمنه ووحدته واستقراره. وكّلنا للأردن.



تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد