الكرك حكاية وطن لا تشبه إلا نفسها

الكرك حكاية وطن لا تشبه إلا نفسها

25-10-2026 10:09 PM

قدّمت الكرك درسًا للعالم في الوحدة الوطنية، وأثبتت أن الأردنيين، مسلمين ومسيحيين، جسدٌ واحد، ودمٌ واحد، ومصيرٌ واحد، تجمعهم المحبة والأخوّة والانتماء لهذا الوطن.
في الكرك، لا تستطيع أن تميّز بين قلبٍ وقلب، ولا بين وجعٍ ووجع. بيوتهم متجاورة، وملامح حياتهم متشابهة، وأبوابهم متقاربة، وبيوت الطين والحجارة التي احتضنت أجيالهم تشهد على تاريخٍ من التآخي والتكافل، حيث تتصل الجدران كما تتصل القلوب، وتجمعهم الأرض والخبز والذاكرة والمصير.
حتى سواليف الكركية ولهجتهم، تكاد لا تميّز فيها صوتًا عن صوت؛ فهم أبناء حكاية واحدة، وذاكرة واحدة، وأرضٍ جمعتهم بالمحبة والأخوّة. في الكرك، تتشابه اللهجة، وتتقارب القلوب، وتتوحّد الحكايات، وكأنما يتحدث الجميع بلسانٍ واحد وروحٍ واحدة. وسيبقى الأردن بيتهم الكبير الذي يتّسع للجميع، وتظل الكرك حكاية وطنٍ لا تشبه إلا نفسها.
ألم تروا تلك الصور التي نقلتها محطات التلفزة؟ لقد كانت أبلغ من آلاف الكلمات، وأصدق من كل الشعارات. فالوحدة الوطنية في الأردن ليست كلامًا يُقال، بل حياةٌ تُعاش، ومواقفُ تُثبتها الشدائد.
وكان الأردن كله حاضرًا في مشهد تشييع الشهداء؛ محافظاتُه وأبناؤه وأجهزته الأمنية، في صورة جسّدت وحدة الأردنيين ووقوفهم صفًا واحدًا في وجه الألم. ورأينا رجال الأمن يحملون جثامين إخوتهم، في مشهد تختلط فيه مشاعر الحزن والفخر، وتختصر فيه الأخوّة أسمى معاني الوفاء والتضحية.
وكان الحزن اليوم يخيم على وجوه الكركيين وقلوبهم، لفقدهم إخوةً أعزاء، وشركاء الدم والأرض والهموم؛ إخوةً جمعتهم بهم المحبة، ووحّدتهم معهم المواقف والذكريات، فكان المصاب مصاب الجميع، والوجع وجع الكرك كلها، دون تمييز بين دينٍ أو انتماء، لأنهم أبناء وطنٍ واحد، تجمعهم الأخوّة وتظلّلهم راية الأردن.
وكانت لحظات مواراة الشهداء الثرى من أصعب اللحظات على قلوب الكركيين؛ لحظاتٌ اختلطت فيها الدموع بالدعاء، والصمت بوجع الفراق، وهم يودّعون إخوةً أعزاء، وشركاء الدم والأرض والهموم. كانت القلوب مثقلةً بالحزن، وكانت العيون تروي حكاية الفقد، لكن الرؤوس بقيت مرفوعةً اعتزازًا بتضحياتهم، وإيمانًا بأن الشهداء لا يغيبون عن ذاكرة الأوطان، بل يبقون أحياءً في ضميرها. وسيظل تراب الكرك الذي احتضنهم شاهدًا على محبتهم ووفائهم، وعلى وحدة الأردنيين الذين يجمعهم المصاب، وتوحّدهم الأرض والراية والمصير.
وكانت راية الأردن التي غطّت جثامين الشهداء مشهدًا تختصر فيه الحكاية كلها؛ رايةٌ واحدة احتضنتهم في لحظة الوداع الأخير، لتؤكد أن الأردن وطنٌ يجمع أبناءه، وأن تضحياتهم ستبقى أمانةً في أعناق الأردنيين جميعًا.
أما زغاريد الكركيات التي صدحت خلال التشييع، فلم تكن غائبةً عن الحزن، بل كانت تعبيرًا عن الكرامة والصمود، ورسالةً بأن الألم لا يكسر إرادة الأردنيين، وأن الشهداء سيبقون في ذاكرة الوطن عنوانًا للتضحية والوفاء.
هذه هي الكرك، وهذا هو الأردن؛ وطنٌ لا تفرّق أبناءه دور العبادة، ولا تمزّقهم الاختلافات، بل تجمعهم رايةٌ واحدة، وأرضٌ واحدة، وكرامةٌ واحدة. وطنٌ إذا بكى أبناؤه، بكوا معًا، وإذا اشتدّت المحن، وقفوا صفًا واحدًا، لا تسأل القلوب عن دينٍ أو اسم، بل تعرف الأخوّة والانتماء والوفاء.
رحم الله الشهداء، وأسكنهم فسيح جناته، وألهم أهلهم وذويهم ومحبيهم جميل الصبر وحسن العزاء، وحفظ الأردن آمنًا موحّدًا، وأدام بين أبنائه المحبة والأخوّة والتلاحم الوطني.


تعليقات القراء

لا يوجد تعليقات


أكتب تعليقا

لا يمكن اضافة تعليق جديد

متى يحل أول منخفض جوي ماطر في الأردن؟

الراحل المسيحي محمد قسوس .. لماذا اختار له والده هذا الاسم؟

17 ألف تنكة زيت فارغة تثير الشبهات في إربد .. ما القصة؟

قرارات جديدة صادرة عن الضمان الاجتماعي .. تفاصيل

تغيير مواعيد الطابور والحصص المدرسية اعتبارا من الأحد المقبل

تحديد موعد العطلة الشتوية للمدارس

قطار كهربائي من عمان إلى المطار .. موعد التشغيل المتوقع وعدد الركاب

زيادة 30 دينارا لرواتب الموظفين والمتقاعدين .. تفاصيل موازنة 2027.

الذنيبات للهلسة: إخوة الدم والجيرة والمصير .. ومرتكبو الجريمة لا يمثلوننا

الأمن العام يفتح باب التجنيد للذكور والإناث في الأردن .. تفاصيل

النجداوي يكشف معلومات مهمة عن شحنة زيت بني كنانة المضبوطة

القبض على طلبة مدارس جندتهم جماعات تكفيرية عبر الإنترنت

خبر هز الوسط الفني .. وفاة نجم أردني كبير .. صورة

قضية زيت بني كنانة .. متى يصبح الخبر والتعليق مخالفة قانونية؟

السجن بحق 7 من قادة الإخوان بالأردن .. أسماء