عويدي : مصالحتي التاريخية مع عرفات وما قال وقلت

عويدي : مصالحتي التاريخية مع عرفات وما قال وقلت

معارك برلمانية الحلقة 57 - السوسنة حصري -  بقلم المفكر والمؤرخ د. احمد عويدي العبادي- دخلنا غرفة استقبال كبار الضيوف في المقر الرسمي للرئيس عرفات (في رام الله)، والمسمى المقاطعة. وافسحت المجال للزميل حمادة فراعنة ان يجلس مما يلي الرئيس، الذي بدوره رحب بي ترحيبا لطيفا وحارا بابتسامته العريضة المعهودة، وتواضعه الجم، وقال وهو يوجه الكلام الي، عبارة لامست شغاف قلبي وجوهر عقلي، وهي مطابقة لفكرنا الوطني الاردني، قال الرئيس: (ان الشعبين الاردني والفلسطيني توأمان). وهو ادق واصح تعبير سمعته من الناس والساسة والقادة وغيرهم من قبل ومن بعد، لان التوأمة تعني المساواة والندية وتعني ان لكل هويته وشرعيته وقضيته ووطنيته، وان علاقاتهما هي علاقة الاشقاء والانداد وليس اندماج هوية أي منهما في الاخرى او تبعية لها، او ذوبانا فيها، ولا بروز أي منهما على حساب الاخرى، ولو قالها الاخ الرئيس شرقي النهر لأسندوا اليه جريمة ما يسمى تعكير صفو الامة وضرب الوحدة الوطنية والتفرقة بين عناصر الشعب، وانه عدو لها الى يوم القيامة، كما حصل لي من قبل.

ثم قال: (ان هوية القدس عربية اسلامية وأنها العاصمة الازلية للدولة الفلسطينية، وهذه امور لا نساوم عليها ولن نتخلى عنها، حتى ولو متنا من اجلها)، ولم يذكر للقدس هوية أو وصاية ؟؟؟.

وقال : اننا ننتزع حقوقنا من انياب الافعى الصهيونية ونعمل حثيثا لبناء المؤسسات الفلسطينية كخطوات عملية ووطنية لبناء الدولة الفلسطينية على الارض الفلسطينية وليس لنا مطامع بالأردن ونرفض التوطين والوطن البديل والتسفير الى الاردن وانما التسفير الى فلسطين -أي عودة الفلسطينيين الى ديارهم , وان حق وواجب العودة ليس اختياريا , بل واجب مقدس على كل فلسطيني الى يوم القيامة كما عرفه الميثاق الفلسطيني ,ولا يخضع للمساومات والتنازلات ، فنحن نرفض الاحتلال الصهيوني لبلادنا ولا يمكن ان نقبل احلال شعبنا مكان شعب اخر لان هذه عقيدة صهيونية نرفضها منهم علينا , ونرفضها منا على غيرنا , ونحن رفضنا قبول اية تسوية او مطامع على حساب الاردن والهوية الاردنية والاردنيين، (ولكنه لم يقل اننا ابناء ابراهيم، وأننا ابناء عم كما كان يقول بعضهم في شرقي النهر).

وقال لي الرئيس عرفات: ان مشروعنا القومي الديني الوطني هو عودة واعادة الفلسطينيين بمن فيهم الفلسطينيون بالأردن من عالم الغربة والنفي والشتات الى تراب فلسطين، وهي امنية اسال الله سبحانه وتعالى ان تتحقق. ثم قال: ان الأم الفلسطينية هي مخزوننا الاستراتيجي لفرض وتكريس المعادلة السكانية في بلاد الأباء والأجداد، ضمن صراعنا في المعادلة البشرية (الديموغرافية)، وأننا طلاب شهادة ولن نساوم على دماء شهداء الشعب الفلسطيني وشهداء الاردن والجيش الاردني التي سالت زكية على ارض فلسطين , منذ الشهيد الشيخ كايد مفلح عبيدات والشهيد الشيخ  احمد العبدالله العبدالقادر القعاونة (النصيرات) الى الضابط البطل الشهيد صالح الشويعر ومن بعدهم شهداء الكرامة من الشعبين الذين صنعوا مجدنا المشترك في مواجهة العدو القومي الواحد على ارض الاردن لحماية الاردن وفلسطين كليهما على حد سواء.

  وقال ايضا: اننا قدمنا وسنقدم التضحيات والدماء والحوار وغصن الزيتون، فالأوطان لا تتحرر الا بالتضحيات من اهل الوطن وهم الاولى بالدفاع عنه وحمل رايته وقضيته بدعم من عمقه العربي والاسلامي، وهو من يصنع مكانا له تحت الشمس ومكانة له بين الامم، وموقعا له في التاريخ , وكل ما نريده من الاشقاء العرب هو المؤازرة بما يستطيعون لأننا صامدون، ولن نقبل بأية حلول تصفوية او منفردة، ولو قبلنا لما تعثرت امورنا، ولو قبلنا وطنا غير فلسطين لحصلنا عليه ولما كنا في هذه المعاناة، (وهنا فهمت انه يقصد الاردن وشكرته في اعماقي). واضاف: مطلوب من الفلسطينيين بالعالم ان يبنوا ويستثمرون هنا في فلسطين فهي وطنهم وليس لهم وطن سوى فلسطين وعليهم ان يفهموا ذلك ويطبقوه.

 فنحن (ولا زال الكلام للرئيس الفلسطيني الراحل ) بحاجة الى مزيد من التضحيات والعمل والصبر والحكمة، وبحاجة الى التالف والتكاتف والوحدة الوطنية الحقيقية بين مكونات واطياف الشعب الفلسطيني في كل مكان، وتكريس الهوية الفلسطينية والشرعية الفلسطينية على ارض الاباء والاجداد غربي النهر وليس شرقيه. وان القدس هي امانة في اعناقنا وهي عاصمة الشعب الفلسطيني الابدية، ولن نفرط بها ولن أسجل الخيانة على نفسي وسأموت واحصل على الشهادة دونها بإذن الله، ولا نقبل بغيرها عاصمة لشعبنا، وبالمناسبة فإننا قد عرفنا الفلسطيني في المادة الخامسة من الميثاق الفلسطيني وهناك مساومات عربية وعالمية وصهيونية ومتصهينة لإلغاء هذه المادة (انظر نص المادة في الحاشية ادناه)، ونحن نسعى لتحرير الاسرى والسجناء، وان من يفرط بهذه الثوابت الفلسطينية انما يرتكب الخيانة العظمى.

ثم رحب بي ثانية وأذهله حسن استماعي وصمتي وهو يتعامل معي من خلال تقييمه الشخصي لنا وما نقله اليه كل من العقيد جبريل الرجوب والزميل حمادة فراعنة، وشعرت انه بمخاطبتي انما يخاطب التاريخ والاردنيين جميعا، من خلالي ولم تخب فراسته. وقال مستمرا في توجيه كلامه الي: امل ان تكون يا اخ احمد قد رأيت جهدنا المتواضع بالنضال ورأيت الغور واريحا ورام الله ومشارف القدس واتمنى ان نصلي معا بالمسجد الاقصى بإذن الله. وان موقف الاردنيين (وهنا استخدم الرئيس المصطلح الذي تستخدمه الحركة الوطنية الاردنية) هو موقف الشقيق الرفيق التوأم المشرف (بتشديد وكسر الراء) الذي لا يقبل الاذى لتوأمه الثاني. وقال: ان التنسيق بيننا وبين الاشقاء الاردنيين ضروري للاستقرار وان أمن كل من القطرين والشعبين الشقيقين هو أمن للقطر الثاني وشعبه، وقد ناضلنا من اجل الهوية الفلسطينية التي لا نقبل تهميشها ولا تذويبها ولا تهشيمها ولا اخفاءها ولا تبعيتها للآخرين , لأنها منسوجة بالدماء والدموع والشرعية التاريخية والنضالية، وان أي حديث عن الفدرالية او الكنفدرالية مع الاردن هو مرفوض والهاء سلبي لخلق  حالة من الصراع بيننا , ولضياع هذه التضحيات والانجازات ,  بل وحديث لإجهاض جهاد الشعب الفلسطيني (قلت لنفسي ما أجمل واروع هذا الكلام المطابق لفكر الحركة الوطنية الأردنية تماما, وقلت في نفسي ان قطعان النميمة السياسية بالأردن تتحدث عن الرئيس ياسر عرفات بعكس ما يقوله ويعتقد به , ويشوهون صورته عند الاردنيين , وان ما اسمعه هو قول المحب والصديق وليس حديث الكاره او الحاقد او العدو / قاتل الله هؤلاء القطعان ومن علمهم السحر ) )

واضاف يقول: اننا سلطة وطنية فلسطينية ولسنا سلطة حكم ذاتي، واتمنى الا يعود الخطاب الرسمي بالأردن الشقيق الى استخدام كلمة سلطة الحكم الذاتي. وهنا تدخلت قائلا له انني فيما اعلم ان الزميل حمادة فراعنة كلم رئيس الوزراء ووزير الاعلام بالأردن محتجا على هذا الاصطلاح باعتباره اصطلاحا يخدم الصهيونية والمتصهينين وبدأ الخطاب بعدها استخدام كلمة السلطة الوطنية الفلسطينية بدل سلطة الحكم الذاتي.

ثم تحدث الزميل الكريم الاخ حمادة ( موجها الكلام الي ) وقال:  الاخ د. احمد نحن الان  في حضرة رمز النضال الفلسطيني وقائده التاريخي , ( ثم وجه الكلام الى سيادة الرئيس ) وقال : اخي الرئيس ارجو ان تسمح لي بالقول ان الاخ الزميل د احمد عويدي العبادي وهو ابن ثاني أكبر قبيلة بالأردن وممثلهم بالبرلمان للمرة الثانية بجدارة , قد جاء ليقف الى جانب نضال الشعب الفلسطيني وان الحضور عند سيادة الرئيس يعني  الحضور عند الشعب الفلسطيني برمته وان الزميل احمد يكن كل الاحترام لسيادتكم لما هو عليه من الصدق , ويحترم النضال الفلسطيني طالما ان هذا النضال يحمل المشروع الفلسطيني على ارض فلسطين وليس على ارض  الاردن , والاخ د العويدي رجل صادق ووطني وواضح وعاشق للأردن والاردنيين , وهو لا يهادن على حساب بلده واهله  وهويته وشرعيته , وله وجه واحد , بنقاء البدوي الاردني الفارس الحر الاصيل .

وهنا كرر الرئيس الترحاب والمزاح ثانية قائلا اهلا وسهلا انت في بلدك الثاني.

ثم جاء دوري بالكلام فقلت بعد اسداء الشكر لله سبحانه ثم للرئيس والزميل وللجميع هنا: سيادة الاخ الرئيس ابو عمار وانت رمز لنضال وهوية وشرعية الشعب الفلسطيني وسائر الاحرار في العالم الذين يسعون الى الحرية والعدالة وتحرير اوطانهم من الاحتلال والطواغيت وتكريس ارادة الشعوب وليس ارادة من يحكمهم كما شاء لهم الهوى ان يسوسهم  , وانت الزعيم الوحيد في العالم العربي الذي حمل الشرعية الثورية النضالية  ونجحت في تحقيقها وحملها ,  ثم الشرعية الديموقراطية فتبوأت هذا المكان والمكانة بإرادة  الشعب الفلسطيني الذي رفض ان يترك ارض الاباء والاجداد . انني اتفق تماما مع ما تحدثتم به سيادتكم واثني عليه واقول ايضا: لقد جئت (شخصيا) الى فلسطين لأنني أؤمن ان (فلسطين كلها هي للشعب الفلسطيني كله في الداخل والشتات، بمن فيهم من هم بالأردن ويحملون جوازات سفر اردنية)، (كما ان الاردن كله هو للأردنيين كلهم في داخله وخارجه)، وعندما كان مشروع نضالك على حسابنا على الارض الأردنية خاصمتك وقاتلتك، ولو عدت بمشروعك السابق الى الاردن فلن أتوانى لحظة عن قتالك دفاعا عن الاردن وطنا وهوية وشرعية وكيانا وطنيا واجتماعيا وليس غير ذلك اطلاقا.

اما وقد حققت يا سيادة الرئيس ما حققته ورفاق النضال والشعب الفلسطيني في فلسطين، فإنني معك هنا على الارض الفلسطينية وادعمك وكل احرار الاردن، وفي هذه الحالة فان نهر الاردن يصبح نهر اتصال وليس نهر انفصال. لان المشروع الوطني الفلسطيني هو على الارض الفلسطينية غربي النهر وليس على اية ارض اخرى. وأننا كأردنيين ليست لنا اية اطماع توسعية على حساب فلسطين واهلها وهويتها وشرعيتها، ومن يفعل ذلك باسمنا فليس منا ولسنا منه، ونبرأ الى الله ثم الى التاريخ منه ومن عمله من قبل ومن بعد.

وقلت للرئيس: ان ما رأيته شخصيا من مساحات شاسعة تم تحريرها بالدم والمداد الفلسطيني قد عجزت عنه سائر جيوش الأنظمة في العالم العربي، الذين اشبعونا كلاما وصراخا وهميا، واما انت فقد حققت ما عجزت عنه الجيوش الموصوفة أنها جيوش عربية ؟؟؟، واني كنت اكرهك أكثر شخص في العالم، وبعدما رأيت ما حققته لشعبك فأنك الان من أحب الناس الي لأنني أحب من يناضل من اجل هويته وكيانه وشرعيته وقضيته على ارضه، وان الوطني لا يكره الوطني ابدا، ولان الوطني الاردني والوطني الفلسطيني وجهان لعملة واحدة. فقد كنت ضدك فيما سبق هناك (أي في الاردن) وانا الان معك هنا (في فلسطين)، وأدعو سيادتكم ان زرت الاردن ان تزورني في مسقط راسي بالسويسة/ عمان الغربية حيث ترى القدس ورام الله ونابلس وانت في مكان واحد.

فقال نتشرف وسأفعلها عندما تتاح لي الفرصة. وانت مرحب بك في فلسطين في أي وقت وانت صديق الفلسطينيين الصادق الصدوق، ونحن نؤمن بالراي والراي الاخر وحرية التعبير ولا نعاقب احدا ولا نخاصمه بسبب رايه وفكره.

 وعندما انتهت المقابلة، نهضت والزميل وقلت: ارجو ان نبقي اصدقاء اذن يا سيادة الرئيس: أي ان يبقى المشروع الفلسطيني على الارض الفلسطينية والمشروع الاردني على الارض الاردنية، فقال: دي مش عايزة كلام يا احمد، وسار معنا ممسكا بيدي والزميل حمادة الى بيت الدرج وعانقني والزميل حمادة وقال له: شكرا يا حمادة فقال حمادة لا شكر على واجب يا سيادة الرئيس، ثم قال شكرا للدكتور احمد وارجو ان تكرر الزيارة. قلت ان شاء الله سنكررها.

استغرق لقاؤنا خمسا وثلاثين دقيقة تحدث كل منا بصراحة. وجدته رجلا داهية ذكيا يجمع خيوط اللعبة الداخلية والخارجية كلها بيديه، (حافظ درسه كما نقول بالعامية) ووجدته ديموقراطيا يقبل بالراي والراي الاخر وقبل مني كلمات قاسية واعتبرها انها الصدق وقد كانت كذلك. واما انا كمؤرخ فإنني لا اتردد بتصنيف ياسر عرفات ابو عمار انه أدهى عربي بعد سقوط الدولة العربية في الاندلس التي ظهر فيها دهاة للعرب مثل عبد الرحمن الداخل وحفيده الحكم ومنصور بن ابي عامر في الاندلس. وان أي حديث عن داهية عربي في العصر الحديث عن غير ياسر عرفات هو نمط من الهراء والافتراء لذي لا يتفق مع الحقيقة.

كنت اسمع من دوائر الحكم والتحكم، ومعاقل الظلم والظلام، ان رجالات وقيادات وطاقم السلطة الوطنية الفلسطينية وعلى راسهم عرفات هم عبارة عن مجموعة او شلة من العصابات والزعران وعملاء الموساد الإسرائيلي وان السلطة الفلسطينية ماهي الا وهم واكذوبة كبيرة لإجهاض القضية الفلسطينية. ولا شك. ان النسبة الاعظم من الاردنيين (وانا منهم) كانوا (وربما لازال بعضهم كذلك) ينظرون بما يتفق مع منظار هذه المعاقل والدوائر للأسف الشديد. واما انا وبعد ان رأيت ما رأيت وسمعت ما سمعت ولمست ما لمست فان وصف العمالة للصهيونية وضياع القضية الفلسطينية والبلطجة والزعرنة وضياع الاردن لا يليق بالسيد الرئيس ياسر عرفات ولا من رأيت من القيادات الفلسطينية، وانما يليق بمن يصفهم بهذا الوصف من قطعان اللغو السياسي والنميمة السياسية وحيتان الفساد والافساد، وتجار الاوطان والشعوب ومن يتلقون الرواتب الشهرية لقاء عمالتهم وخيانتهم.

واما عن لقاءاتي مع رئيس المجلس التشريعي ومدير المخابرات الفلسطينية ومدير الشرطة العامة والوزراء واعضاء المجلس التشريعي وزيارتي الى غزة وبدو بئر السبع فهو موضوعنا في الحلقة القادمة (58) ان شاء الله تعالى.

حاشية: المادة "5": الفلسطينيون هم المواطنون العرب الذين كانوا يقيمون إقامة عادية في فلسطين حتى عام 1947، سواء من أخرج منها أو بقي فيها، وكل من ولد لأب عربي فلسطيني بعد هذا التاريخ داخل فلسطين أو خارجها هو فلسطيني (الميثاق الوطني الفلسطيني 10/7/ 1968م) (ملحوظة: هذه المادة تتبناها الحركة الوطنية الاردنية وجعلتها في ميثاقها الاردني عام 2007) /

 

انتهت الحلقة 57

 

*عويدي : اسرار لقائي بالعقيد الرجوب في فلسطين

 

*د. عويدي : سياسة تأجيج الصراع الاقليمي بالبرلمان

 

 *التطهير العرقي للأردنيين والفلسطينيين