الأردن مختلف شأنه

 الأردن مختلف شأنه
الكاتب : محمد حطيني
تهجم رئيس النظام السوري على الأردن يسلط الضوء على مجموعة من الحقائق التي لا بد من الإشارة إليها في بيان أن رأس النظام السوري منفصل عن الواقع في تصريحاته تجاه دولة ممتدة جذورها تاريخيا، فيها نظام قل مثيله بين البلدان في نجاحه وتعامله مع شعبه حتى في أحلك الفترات التي تعصف حاليا في المنطقة العربية.
 
لا جدال، ثمة فرق كبير بين دولة رأس نظامها استلم رئاسة دولته بمحض الصدفة، وبين الأردن، دولة المؤسسات التي جعلت من الأردن نموذجا يحتذى في المنطقة العربية، وعلى رأسه ملك يفرض احترامه شرقا وغربا، بدبلوماسيته المتميزة، وفكره في دفاعه عن أمته ودينه، يجول العالم شارحا وسطية الإسلام واعتداله، مدافعا عن حقوق أمته، وموقظا الضمير العالمي، في البحث عن حل دائم للقضية الفلسطينية التي لم يدر لها الأردن ظهرا في أي وقت من الأوقات، حتى عندما فك الملك الحسين بن طلال طيب الله ثراه الارتباط القانوني والإداري مع الضفة الغربية المحتلة من فلسطين، كان ذلك نزولا عند رغبة عربية ليكون الفلسطينيون ممثلي أنفسهم، وهو ما وضع اللبنة الأولى، لإقامة الدولة الفلسطينية المنشودة.
 
لا يجب أن نقول أن ثمة فارق كبير قدره بين الأردن وسوريا، فحسب، بل هو اختلاف جوهري في النظام، وفي الدخل، وفي المقدرات، وفي الجوانب الإنسانية.  سوريا لا شك فيها مقدرات كثيرة، اغتصبها النظام لمصلحته ومصلحة المقربين منه.  وفي الأردن، بالرغم من أنه محدودة موارده، إلا أن دخل الفرد فيه يفوق دخل نظيره السوري الذي تنتزع موارده كافة لخدمة النظام فحسب.  الأردن بلد المؤسسات القائمة، ملكية يدين لها الشعب بالولاء والاحترام والتقدير، لما تملكه من تواضع، وتكريس نفسها لخدمة الدولة الأردنية، واستقرارها، ورفاهيتها على كل الصعد والمستويات، بخلاف نظام قتل خلال سنوات ست، أكثر من نصف مليون نسمة من أبناء شعبه، ودمر مقدراته وبنيته التحتية، وشرد أكثر من عشرة ملايين إنسان من أبناء شعبه.
 
الأردن بلد المؤسسات القائمة، ملكه لا يتورع أن يترجل من سيارته لتقديم يد العون لمن يحتاج من المساعدة، والسؤال هنا، هل بإمكان رأس النظام السوري، أن ينزل إلى الشارع بمفرده والحديث إلى أحد المواطنين.  الإجابة قطعيا لا، إلا أن يكون المشهد في إطار تلفزيوني، تحت حراسة مشددة، نتيجة الخوف المستبطن فيه.  لا يوجد في الأردن تمثال لأي ملك من ملوك الأردن الهاشميين، على خلاف ما هو متعارف عليه من قبل النظام السوري، الذي ينصب نفسه سلطة فوق الجميع وتماثيله على خطى سلفه والده منتشرة في كل مكان، ولا يجوز تشبيه أحد به، وإن عارضه أحد فاعتقال غير معروف مصيره، غالبا ما يكون في غياهب السجون يطويه النسيان، إن لم يكن أشد من ذلك وأكثر.
 
الأردن بلد المؤسسات الذي يحظى بالاحترام والتقدير، على مختلف الصعد والمستويات، عربيا وفي أوروبا، بشرقها وغربها، وبلد له دستوره، ومؤسساته، وانتخابات برلمانية، وبلدية تجري في موعدها، وجهود تبذل للتغلب على التحديات الاقتصادية التي فرضها الواقع القائم في سوريا والعراق.  الأردن دولة تحترم قرارات الدول، ولا تتدخل في شئون أحد، بعكس نظام قتل شعبه، ودمر بلده وخرب ويحاول نشر الخراب فيما حوله.
 
الأردن بلد معروف بكبريائه، برغم التحديات التي تحيط به، لم يتهاون في استضافة أكثر من مليون لاجئ سوري، فروا نتيجة بطش النظام، ووجدوا في الأردن ملاذا آمنا لهم لم يجدوه في بلدهم،  والأردن ليس كنظام، أوجد الأرضية لتغلغل النفوذ الأجنبي فيه، ابتداء من روسيا، مرورا بأمريكا، بإيران، وتركيا، و"إسرائيل"، بل نظام يتساوى فيه الجميع في الحقوق والواجبات.
 
الحكاية أيها السادة، ليست حكاية مقارنات، لكنها حقائق تتجلى أمام القارئ المتبصر والسياسي، والإنسان العادي، وتعكس قصة نجاح هاشمي، ونجاح شعب لديه إرادة الحياة والمحافظة على بلده حتى في أحلك الظروف والأحوال.
 
كاتب ومحلل سياسي