ما الذي يجعل الانسان إنساناً ! - احمد الحمادين

ما الذي يجعل الانسان إنساناً ! - احمد الحمادين
لطالما رأيت هذا السؤال يفتعل اجواءً سحريةً بين صفحات الكتب والنقاشات ، اصطدمت بإجاباتٍ عسيرةٍ جداً على كينونتي كإنسان ، واخرى صفعتني وجودياً ، وثالثةٌ كانت تتركني بلا حراكْ، وبين الآف الاجابات المقولةِ والافٌ اخرى لم تحكى بعد غرقت في إجابةٍ كانت أشبه بالماتفيزيقيا ، كان لي معها ماضٍ حاضرٍ ومستقبلِ، ولست ادعي ابداً أن احداً لم يسبقني اليها ، بل اظن ان كثيرين اجابوا بها على اسئلةً متعددةٍ وربما كان هذا السؤال احدها ، لكن على كل حال سأكتب ما يجول في خاطري منها لإن حمل الكلام اصعب من استئمان الاوراق عليه في غالب الاحيان !!
 
إن ما يجعل الإنسان إنساناً في جميع احوالهِ هو الخيال .. نعم قد يظن البعض انه لمن المجحف ان يقرأ هذا الأمر البديهي بهذا الشكل من التعقيد وعلى هذا النحو من الخصوصية الزائدة عن الحاجه ،لكن قد يعذرني إذا ما علم أنني لم اقصد ذلك بل كتبته فقط ، لكن على كل حال لنتعرف على الخيال ، ولعل اول محطةٍ يجب أن نمر بها هي اللغة ،حاضنة المعاني وبستان الافكار ، فما موقع الخيال في اللغة ومن افراد عائلته في عالمها العذب ؟ لقد ورد في المعجم الوسيط قوله الخيال  ما تشبَّه لك في اليَقظة والمنام من صورة. و- صورة تمثال الشيءِ في المرآة.و- من كل شيء: ما تراه كالظِّلّ. (1) ،وورد  التخيل في قاموس «أكسفورد» للغة الانجليزية: «هو حلم يقظة ينبعث نتيجة للرغبات أو الاتجاهات الشعورية أو اللاشعورية، أنها العملية أو الملكة الخاصة بتكوين التمثيلات العقلية للأشياء التي تكون موجودة فعلا» ،  وورد في المعجم الغني (خَيَالٌ) خَيَالٌ- الجمع: أَخْيِلَةٌ، خَيَالَاتٌ. [خيل]:
1_ "ذَهَبَ خَيَالُهُ بَعِيدًا": تَصَوُّرُهُ.
2_ "لَهُ خَيَالٌ وَاسِعٌ": تَخَيُّلٌ، مَا يَرَاهُ الإِنْسَانُ مِنْ صُوَرٍ فِي يَقَظَتِهِ.
3_ "شَتَّانَ مَا بَيْنَ الحَقِيقَةِ وَالخَيَالِ": أَيِ الوَهْمِ. (2)، وذكر الإمام السيوطي الخيال فقال الخَيَال (فِي الْحِكْمَة): مَا يحفظ صُورَة المحسوسات بعد غيبتها (3) ، فنلاحظ أن الخيال المنشود هو في اللغة قوةٌ مودعةٌ في الإنسان على ادنى تقديرٍ وترتبط بالصور والتصورات والافكار .
 
والمحطة التاليه إذا ما اكملنا السير لهذه الإجابةِ ستكون حقلاً لا يمكن ان تتجنب المرور به ابداً ، وهو حدائقُ غناء ، لطالما كانت ارضاً خصبةً للمعاني والالفاظ ، فالأدبُ مكان وزمانٌ نجدهما في كل مكان وزمانْ ، فماذا اثمر الخيال في أرض الادب ؟ ولا يمكن للأديب- أياً كان- أن ينجز أي عمل أدبي من دون الخيال، فهو الذي يضع تصورات عمله الأدبي قبل البدء بكتابته، ويفتح له الآفاق في أقصى مدياتها،  في ما يتعلق  ببنية إنتاجه الإبداعي، وملامح شخصياته، وعلاقاتهم المتبادلة، وتفاعلهم ضمن مختبر النص (4) ،يقول رسكن: إن حقيقة الخيال غامضة صعبة التفسير وينبغي أن يفهم من من آثاره وحسب" ويوضح أن الخيال يتألف من التجارب الكثيرة المختزنة في ذاكرة الأديب. ولما كانت تجارب الإنسان ومشاهداته كثيرة ومتنوعة ومنها تتكون هذه المجموعة الخيالية فإن بإمكان الخيال تأليف صور لا تحصى وهنا يظهر سلطان الخيال على حياتنا العقلية (5) ،  وفي الشعر العربي قيل :ومن عناصر الشعر أيضًا: الخيال، وهذا الخيال قد يكون تشبيهًا أو استعارةً أو كنايةً أو مجازًا مرسَلاً، وهو ما يسمى بـ"الخيال الجزئي"، ويقابله ويكمله "الخيال الكلي"؛ كما في لامية الحُطيئة التي مطلعها:
وطاوي ثلاثٍ عاصبِ البطن مُرمِل ، فإنها إلى جانب ما فيها من ألوان الخيال الجزئي تقوم في بنائها العام على قصة متخيَّلة عن أعرابي يعيش في قلب الصحراء بعيدًا عن العمران والناس عيشةً قشفةً مرملة، حدث أن حل به ضيفٌ ذات يوم، فلم يجدْ لديه ما يمكن أن يقدمَه له، فاغتم اغتمامًا شديدًا؛ خشية القيل والقال، واتهام الناس له بالبخل، ونكوله عن القيام بواجب الضيافة المقدس عند عرب البادية، ففكر في لحظة يأس أن يذبح ابنه، وفعلاً عرض الأمر على الابن، فما كان منه إلا أن رحب بالفكرة؛ إنقاذًا لشرف أبيه أن تلوكَه الألسن، وتشيع مذمتُه بين الناس، وبينما يهم بتنفيذ الأمر إذا بقطيع من الحمر الوحشية تعنُّ على البعد، فيسارع إلى كنانته وسهامه ويفوق سهمًا منها لأتانٍ سمينة تخر إثرها على الأرض فيجرها ويذبحها ويطعم ضيفه ويبيتون جميعًا سعداء، وقد شعرت زوجة الأعرابي أنها أم للضيف، مثلما شعر الزوج أنه أبوه، وهي - كما نرى - قصة جميلة، تخيلها الشاعر ليبثها فكرته عن الكرم، ويقدم لنا صورةً عن فقر تلك الأسرة، مع تحليل مشاعرها إزاء الضيف، وما يجب له في ذمته (6)، ومن هذا نرى ان للخيال ثماراً لا يخلوا منها بيتٌ ادبي ولا يستغني عنه ساكن الادب مهما على او نزل .
 
اما محطتنا الثالثه ، فهي ارض العلماء والمفكرين ، فإن هذه الارض دارُ مقرٍ لا ممر ، وإنما كان المرور بها مجازاً لضرورة المقال ، فما نصيب الخيال عند اولئك القوم الكُمَلْ ؟ قال المفكر «جون ديوى»: «الخيال أكثر من أي قدرة أخرى، قادر على اختراق حالة القصور الذاتي التي تميز العادات السلوكية» ، وقيل : سعت القرائح منذ قديم الزمان، للبحث عن معنى الخيال وأحواله. وخلال تلك الرحلة الطويلة زمنيا، قدم البعض تعريفات متنوعة ومختلفة للخيال. قال «بارسيلسس» طبيبا أوروبيا في عصر النهضة الأوروبية، وهو رائد العلاج بالعقاقير في تلك الفترة، والطب الذي يعتمد على علاج الأعراض، وفصل الروح (التي هي وسيلة الساحر)..
لأن الإنسان له براعة مرئية هي (الجسد) وغير مرئية هي (الخيال).. وانتهى إلى أن «الخيال» أداة «الروح» في تشكيل «الجسد» (7) ، وقدم «الجاحظ» في كتابه «الحيوان» ما معناه، أن الإنسان في وحشته، يفكر، فيرى ويسمع ما لا وجود له، وهنا دلائل تولد الخيال في الفرد. وان كان «ابن سينا» قال ب»الوهم» عوضا عن «الخيال» أو تعريفا للخيال، ويرى أن الخيال مرتبط بالخبرات الذاتية (7) ،ومن  أهم ملامح الخيال العلمي، هو طرح الأفكار الطازجة غير الشائعة، التي تتميز بعمق التخيل، وتعتمد على حقيقة أو معلومة علمية مطروحة. أما ما يميز قصص الخيال العلمي، عن «الفانتازيا» كونه قائما على نبؤه خياليه لها جذر علمي.. فقصص الخيال العلمي تعتمد على حقيقة علمية، وتنبأ «جون فيرن» بالصعود إلى القمر وارتياد الفضاء، في روايته «من الأرض إلى القمر»..وهو ما تحقق بالفعل. فيما تنبأ «ويلز» بحرب الكواكب في روايته «حرب الكواكب»، وهو ما عاشته البشرية خلال فترة الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفيتي السابق، من خلال تطوير أسلحة فائقة التقنية تتصارع في الطبقات العليا من سماء الأرض. وغير هذين الروائيين، عدد كبير من الأدباء في أغلب أقطار العالم الآن، على الرغم من حداثة هذا اللون من الكتابة مقارنة بغيرة (7)، 
فيتضح لنا من ذلك ان للخيالِ جذورٌ راسخةٌ في ارض العلماء ، وانه اقل ما يقال عن صلته بهم هو انها صلةُ نسبٍ كان حصيلتها ابناءٌ بروا كلا الابوين وأتت تربيتم اكلها سائغاً للعالمين .
 
فها نحن نرى دور الخيال في شتى مناحي الإنسان وادواره ، اديباً عالماً واياً كانت شخصيته ، ولكن كيف يكون الإنسان إنساناً لإنه يمتلك الخيال !! إن الخيال كما سبق هو قوة ، القوة اي قوة كانت هي شيء يميز مالكها عما سواه ، ولما كان الخيال جسراً لا يمكن تجنبه للافكار والالفاظ بل لكل حدث في حياتنا اليومية سواء داخل او خارج الذهن كان ، ولما كانت ناطقية الانسان حداً خاصاً فيه وحده ، كان الخيال مميزاً له جامعاً لكل ما سلف .
 
ولعل إنساناً يبحرُ في عالم الخيال ، فيجدُ ما يسلب لبه ويقطفه من عالم الواقع جاذباً اياه اليه ، وإن الكثير جداً من الامور العالقة عند غالب العامةِ لو استصحبوا الخيال معها لانفتقت عن معانٍ خلابه ، وكانوا اكثر قدرةً على استيعاب هذا الكم الهائل من القدرات او الانجازات والتطورات من حولهم ، ولن ابالغَ لو قلتُ إن اي امةٍ سلبت خيالها او تركته في ايدي الغرباء ليصنع به ما يشاء فلا يمكنُ ابداً أن نعدها من الامم الحيةِ الا على سبيل المجاز ، فخيال الجماعات اخطر بالاف الدرجات من خيال الافراد  وان كان مهماً، فالفرد غالباً ما يموت في ثمانين سنة اما الامم فإن اعمارها تتراوح في اقل التقديرات بالاف السنوات ، وهي في ذات اللحظة تشكل عمراً لملايين الافراد ، ولن اسهب اكثر في الكلام عن هذا العالم الذي للإسف فقدنا جزءاً عظيماً منه ان لم نكن فقدناه بالكليه ، وسأدع القارئ يبدع في استكشاف هذا العالم بنفسه لما ارى من اهميةٍ لذائقةِ الخصوصيةِ حين التجوال فيه ..
 
 
 
 ____
1 _ المعجم الوسيط-مجمع اللغة العربية بالقاهرة-صدر: 1379هـ/1960م
2_الغني-عبدالغني أبوالعزم-صدر: 1421هـ/2001م
3_مقاليد العلوم-جلال الدين السيوطي-توفي: 911هـ/1505م
4_دار الخليج / الخيال الادبي 
5_صدام الغزالي /المجلس اليمني 
6_د.ابراهيم عوض /مقال بعنوان (الخيال في الشعر)
7_السيد نجم / موقع البيان _ مقال بعنوان  ( خيال الادباء قاد العلماء لاستكشافاتهم )